فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

أحلام العرب في المقاهي الشعبية

خيم الصمت على المقهى الشعبي الذي يكتظ بأعداد كبيرة من الجماهير، وسكنت وجوه الناس حالة من الوجوم، بعد أن سجلت السويد هدفها الخامس في مرمى تونس. تعليقات الحضور تحمل ملمحا عظيم الأثر في نفسي، ربما يراها البعض مباراة في كرة القدم في الوقت الذي شممت فيه رائحة زكية من ملامح هوية عربية لاتزال تسكن الضلوع.

 

نفس الأمر حدث في مباراة السعودية وإسبانيا. تستهويني فكرة مشاهدة مباريات كأس العالم على مقهى شعبي. أتابع تعليقات الجماهير الحية لأعيش واقعا فلسفيا مهما، كيف يرى الجمهور البسيط فكرة النصر العربي كما لو كنا في ستينيات القرن الماضي؟

 

جيلي عاش كافة الانقلابات العربية وعايش كل الخيبات التي أصابتنا في كل ما اعتقدناه طريقا عربيا واحدا. قرأنا عن الخيانات وشاهدنا بعضنا يخون البعض، ورأينا كيف تآمرنا على مقاصد شعوبنا، وخضنا المعارك تلو المعارك فيما ظنناه “وهما” بعد أن مضى بنا قطار العمر.

 

وعلى وقع مواقع التواصل الاجتماعي عشنا مرارات الفرقة حتى وصلنا إلى قناعات بأن ما آمنا به كان وهما كبيرا، كيف كنا نتابع ما يجري في حواري صنعاء القديمة وكأننا نعايش أزماتنا؟ كيف كنا نتابع انقلابات العراق وكأننا نتحدث عن حلم مصري عربي ونلتف حوله، بكينا عند سقوط بغداد، وفزعنا لأول انفجار في بيروت، ولم ننم ليلتنا مع أول قصف لدمشق.

 

وعندما بات الأمر أكثر وضوحا وعادت أحلامنا في الهوية العربية، والقواسم المشتركة، والأحلام الندية، ووطن بلا حدود، وجماهير تزحف كما تشاء دون جوازات سفر أو تأشيرات، أفقنا على صدمات الواقع ومرارات الهزائم واليقين بأننا لسنا أمة واحدة كما اعتقدنا..

 

 وسط كل هذا الركام والقهر وضياع البوصلة يعود إليك الأمل على مقهى شعبي في أحد أحياء القاهرة أو تونس القديمة أو دروب دمشق العفية، ما لم تحققه الثورات العربية وما لم يحققه المفكرون القوميون وما لم ينجح في الوصول إليه المصلحون، يعود إليك "مادة خام" بين أقدام لاعب سعودي أو مغربي أو مصري أو قطري أو جزائري.

 

 صيحات الجالسين حولي مع كل هجمة لنا أو علينا تشي بأن ما كان بيننا حلما قديما نخجل من إعادته إلى الأذهان لايزال نوره في قلوب الناس.

 

ما الذي يجعل مصريا مهموما بحياته ومشغولا بمنتخبه القومي يسهر الليل ليتابع قفزات المغاربة، وانكسارات التوانسة، ومحاولات السعوديين، وأحلام الجزائريين، وإطلالات القطريين؟ ما الذي جعل مواطنا عربيا يصل نفسه بانتصار المصريين أو فوز المغاربة وكأنه يعيش واقعه؟

 

أحلامي كانت دوما فيما عشته من جولات صحفية في عديد من العواصم العربية أن أرى نفسي في كل شارع أو حارة او ميدان، أن أرى حلما يجمعنا، وقضية نلتف حولها، وهاجسا نحاربه سويا، وأملًا نزرعه في بقاع الأرض العربية ليصبح جنينا يشب مع الأجيال فيصير لحمة عربية خالصة.

 

مع بداية الألفية الثالثة زرت الولايات المتحدة الأمريكية وفق برنامج الزائر الدولي. التقيت عربا كثيرين وتناقشت مع أجيال عربية متباينة، وسألت أحد الكبار في اللوبي العربي: لماذا لا يظهر تأثير جماعة الضغط العربية في أروقة السياسية الأمريكية؟

 

تلقيت إجابة صادمة، قال الرجل: مع الهجرات العربية إلى أرض العم سام والحلم الأمريكي جاء المصري مصريا، ووصل السوري سوريا، وحط المغربي رحاله كمغربي. جئنا من بلادنا نحمل معنا كل ألوان خلافات الحكام ونؤسس لروايتهم ونعمل على تأكيد صحتها، ونتهم بعضنا بعضا بالخيانة. هكذا جاء العرب إلى الأرض الجديدة وهم يحملون من أدوات الخلاف وروايات الخيانة ما جعلهم أضدادا.

 

على المقهى الشعبي الذي أتابع فيه مباريات لمنتخبات عربية أرى مواطنين بسطاء يصرخون لهجمة لنا كعرب، ويهتفون لهدف عربي، ويمضون إلى أعمالهم مع طلعة الصبح، إما مهمومين وإما سعداء، وكأنهم مغاربة أو سعوديون أو قطريون أو جزائريون.

تلك العفوية تشي بأن الهوية لا يمكن مسحها أو حذفها من قلوب الناس، وأن الإحساس العربي دفين داخل كل مواطن مهما تباينت الطبقات، وأن ما كان محفورا في ذاكرتنا واقع غيرته ماكينة الحكم العربي، صنعته آلة السلطة العربية، وغيرته مطامع قصور الحكم، وظنوا أنه لم يعد باقيا، لكن خلال جلستي في المقهى الشعبي أدركت مع صيحات الجماهير أنه في هجمة لنا أو علينا يعود الحلم كما عشناه وعايشناه واقعا ولكنه مدفون!