فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

ذكرى معركة نزيب، كواليس الملحمة العسكرية التي أباد فيها المصريون جيش الخلافة في ساعات

معركة نسيب
معركة نسيب

في مثل هذا اليوم من عام 1839، نشبت معركة نزيب الفاصلة بين جيش الدولة العثمانية والجيش المصري، وكانت بمثابة ضربة صادمة ومفاجئة قادها القائد العام للقوات المصرية إبراهيم باشا، والتي انتهت بهزيمة مروعة وساحقة للجيش العثماني، وأفسحت الطريق بالكامل أمام الرايات المصرية للوصول إلى قلب عاصمة دولة الخلافة في الآستانة، لولا التدخل الدبلوماسي والعسكري السريع للدول الأوروبية الكبرى التي ذعرت من ولادة ميزان قوى جديد في الشرق وصاغت معاهدة لندن لإنقاذ الرجل المريض من الفناء الحتمي.

ظروف المواجهة المكتومة بين مصر والدولة العثمانية

نشبت حرب نزيب من رحم حالة السلام الهش والملغوم التي فرضتها اتفاقية كوتاهية عام 1833، والتي منحت محمد علي باشا حكم الشام مع خطوط تماس مباشرة مع الأناضول؛ وترتب على هذا الوضع أن عاش السلطان العثماني محمود الثاني حالة من المرارة الشديدة، معتبرًا الباشا غاصبًا لشرعيته.

وتكشف كواليس تلك الفترة أن بريطانيا وفرنسا حرضتا الباب العالي علنًا على خرق الهدنة لإضعاف النفوذ المصري المتصاعد وضمان أمن طرق التجارة، مما دفع السلطان لحشد جيش ضخم تجاوز أربعين ألف مقاتل عبر به نهر الفرات في ربيع 1839 تحت قيادة حافظ باشا، متحصنًا بمواقع دفاعية منيعة في قرية نزيب التابعة لعينتاب، معلنًا بداية ساعة الصفر لتجريد محمد علي من ملكه.

تكتيكات الجيش المصري في مواجهة العقيدة العسكرية العثمانية

تكشف وثائق تاريخية أسباب النصر المصري الكاسح، حيث تجلت في العبقرية العسكرية لإبراهيم باشا وسليمان باشا الفرنساوي، مقابل التخبط القاتل في معسكر العثمانيين؛ إذ نصح المستشار العسكري الألماني الشهير هلموت فون مولتكه، الذي كان يعمل في خدمة الجيش العثماني، القائد التركي حافظ باشا بالانسحاب فورًا إلى موقع أكثر تحصينًا بعد أن رصد حركة التفاف تكتيكية ذكية للجيش المصري.

لكن كبرياء الجنرالات العثمانيين ورجال الدين المرافقين للجيش رفضوا الانصياع لنصيحة الخبير الأجنبي بحجة أن التراجع أمام العصاة يعد عارًا دبوماسيًا وعقائديًا، ليستغل إبراهيم باشا هذا التصلب، وأدار خطة هجوم خاطفة ركزت على سلاح المدفعية المصرية الحديثة والمؤهلة في مدرسة الجهادية، والتي صبت حمم قذائفها بكثافة دمرت خطوط الدفاع التركية في أقل من أربع ساعات، متسببة في حالة ذعر عارمة أدت إلى فرار الجنود العثمانيين وترك أسلحتهم ومخازنهم غنيمة باردة للمشاة المصريين الذين حسموا الميدان بالكامل.

إرث زلزال نزيب، استسلام الأسطول العثماني

ترتب على نصر الجيش المصري تداعيات دراماتيكية، فبمجرد وصول أنباء الكارثة العسكرية إلى الآستانة، توفى السلطان محمود الثاني، وسادت حالة من الذعر داخل قصر الخلافة، إذ لم تتوقف الصدمة عند حدود تدمير القوة البرية السلطانية وفتح جبهة الأناضول بالكامل أمام زحف إبراهيم باشا، بل امتدت لتصيب القوة البحرية؛ إذ أقدم قائد الأسطول العثماني، على الإبحار بقطعه البحرية كاملة إلى الإسكندرية وتسليم الأسطول التركي إلى محمد علي باشا، لتصبح الدولة العلية في لحظة تاريخية حابسة للأنفاس بلا جيش يحمي أرضها ولا بحرية تحرس شواطئها، بانتظار إعلان السيادة المصرية الكاملة على مقدرات الشرق.

الاستنفار الأوروبي ضد التمدد المصري، معاهدة لندن وتجميد حلم الإمبراطورية

مع انقشاع غبار المعركة، تحول النصر المصري الكاسح إلى أزمة دولية كبرى، حيث استشعرت العواصم الأوروبية خطورة تصفية الرجل المريض وتغيير جغرافيا النفوذ في حوض المتوسط؛ وسارعت بريطانيا مدفوعة بمرارة شديدة وأطماع استعمارية، إلى حشد تحالف دولي ضم روسيا والنمسا وبروسيا لفرض خطوط حمراء تمنع إبراهيم باشا من دخول العاصمة العثمانية. 

وترتب على هذا التدخل الدولي العسكري العنيف صياغة معاهدة لندن 1840، والتي وجهت ضربة دبلوماسية قاضية لمشروع محمد علي التوسعي؛ إذ أُجبرت القاهرة تحت وطأة الحصار البحري والتهديد بقصف الثغور على سحب حامياتها العسكرية من الشام والحجاز وأدنة، والقبول بحكم وراثي محدود داخل مصر، ليحرم التدخل الأجنبي العسكري العرش المصري من قطف ثمار أعظم انتصاراته الميدانية في العصر الحديث.

حرب الروايات التاريخية، الادعاءات التركية والرد الحاسم من أرشيف القاهرة

أثارت الهزيمة النكراء لجيش الخلافة مساجلات تاريخية واسعة انعكست في أدبيات ووثائق الطرفين؛ حيث حاولت الرواية التركية الرسمية الواردة في تقارير الصدر الأعظم وسجلات المحفوظات العثمانية لاحقًا، تبرير الفشل الميداني بتصوير الواقعة على أنها مؤامرة وخيانة داخلية، وزعمت أن سقوط نزيب لم يكن لضعف في كفاءة الجند أو تخطيط القيادة، بل بسبب عمليات تمرد وتخاذل في صفوف الفصائل الكردية والعربية المجندة قسريًا داخل الجيش السلطاني، والتي فرت من المعركة في اللحظات الأولى تحت إغراءات مالية مزعومة من استخبارات محمد علي. 

 وجاء الرد المصري الحاسم والصارم صاعقًا وموثقًا في دفاتر معية محمد علي باشا والتقارير الحربية لإبراهيم باشا المحفوظة في دار الوثائق القومية بالقاهرة؛ إذ أثبتت التقارير العسكرية أن النصر تحقق بفضل انضباط الطوابير النظامية المصرية وتفوق شبكة الاتصالات الميدانية والتدريب الصارم على المناورات الالتفافية، مع تفنيد المزاعم التركية بالإشارة إلى أن كتائب الميدان العثمانية النظامية نفسها وضباطها الكبار هم أول من تخلوا عن مواقعهم أمام دقة وعنف المدفعية المصرية، مما حول ادعاء الخيانة إلى ذريعة للتغطية على تفكك الهيكل العسكري العتيق لجيوش الآستانة أمام هيبة التنظيم العسكري المصري الحديث.