زي النهارده، هكذا تحولت مشادة القذافي والملك عبد الله في شرم الشيخ إلى خطة تصفية عابرة للحدود
في مثل هذا اليوم من عام 2004، فجرت الأجهزة الأمنية في المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأمريكية قنبلة سياسية من العيار الثقيل، بإطلاق تحقيقات مشتركة وموسعة حول مخطط استخباراتي مزعوم قاده الزعيم الليبي معمر القذافي لاغتيال ولي العهد السعودي آنذاك الأمير عبد الله بن عبد العزيز.
كانت خيوط القضية بدأت تتكشف عقب اعتقال منشقين وضباط استخبارات، من بينهم عبد الرحمن العمودي، وهو مواطن أمريكي من أصل إريتري اعترف في التحقيقات الفيدرالية بواشنطن بأنه وسيط مالي لتسهيل المؤامرة الليبية بتمويل جماعات متشددة وخلايا اغتيال في لندن ومكة لضرب موكب الأمير عبد الله بالصواريخ والمفخخات.
العلاقة بين القذافي وملوك السعودية، من الحرب الباردة إلى صدام شرم الشيخ الشهير
اتسمت علاقة ليبيا معمر القذافي والسعودية طوال عقود بطبيعة حذرة وتنافس مكتوم على قيادة المشهد العربي والإفريقي؛ غير أن التوتر المكبوت انفجر علنًا وبصورة تراجيدية خلال القمة العربية في شرم الشيخ عام 2003، حين تلاسن القذافي مباشرة مع الأمير عبد الله على الهواء مباشرة أمام الكاميرات في مشادة كلامية عنيفة تبادلا فيها الاتهامات الحادة حول الولاء لأمريكا والتاريخ والسياسة.
وتكشف وثائق التحقيقات المشتركة بين الرياض وواشنطن أن المخطط الليبي اعتمد على استراتيجية الإنهاك والتمويه عبر توظيف أطراف وسيطة؛ واتهمت التحقيقات رجال المخابرات الليبية، وعلى رأسهم العقيد محمد إسماعيل بفتح قنوات اتصال سرية مع عناصر متشددة ومعارضين سعوديين في الخارج لتنفيذ العملية على الأرض.
وركز السيناريو المرصود على تتبع تحركات الأمير عبد الله وموكبه، مع رصد ميزانيات مالية ضخمة بملايين الدولارات لشراء ذمم وتوفير الأسلحة وصواريخ الكتف القادرة على اختراق التصفيح؛ وظن القصر في طرابلس أن الفوضى الناتجة عن عملية بهذا الحجم كفيلة بهز أركان الدولة السعودية وتصفية الحسابات السياسية دفعة واحدة.
رد الفعل الليبي، نفي قاطع واتهامات بفبركة الأزمة
رد فعل الجانب الليبي على هذا الاتهام الخطير، اتسم بالإنكار المطلق والمناورة الدبلوماسية الشرسة؛ حيث سارعت الخارجية الليبية بنفي هذه التقارير جملة وتفصيلًا، واصفة المزاعم السعودية والأمريكية بأنها محض افتراءات وفبركات استخباراتية عارية عن الصحة جاءت في توقيت متزامن مع تسليم ليبيا لبرنامجها النووي وتفكيك أسلحة الدمار لعرقلة مسار انفتاحها الجديد على الغرب، ومحاولة واشنطن إبقاء سيف العقوبات مسلطًا على رقبة النظام لضمان تبعيته الكاملة.
إرث الأزمة، قطيعة دبلوماسية كاملة بانتظار رياح التغيير
ترتب على هذه التحقيقات المشتركة نتائج دراماتيكية فرضت قطيعة دبلوماسية وسياسية كاملة بين الرياض وواشنطن من جهة، وطرابلس من جهة أخرى؛ حيث سحبت السعودية سفيرها من ليبيا وطلبت من السفير الليبي مغادرة المملكة فورًا.
وظلت العلاقات الرسمية بين البلدين مأزومة طوال سنوات، ورغم محاولات الوساطة العربية اللاحقة لتصفية الأجواء، إلا أن المرارة السعودية ظلت باقية ولم تتبدد تمامًا حتى اندلعت أحداث الربيع العربي عام 2011، والتي طوت صفحة العقيد ونظامه للأبد.