ذكرى زلزال 12 يونيو، قصة محاكمة نيلسون مانديلا التي صنعت منه أسطورة للتحرر العالمي
في مثل هذا اليوم من عام 1964، سجلت الذاكرة السياسية والحقوقية للقارة الأفريقية والعالم واحدة من أكثر الصفحات قتامة وتأثيرًا، بالحكم على الزعيم والمناضل الأفريقي نيلسون مانديلا بالسجن مدى الحياة، في محاولة من نظام الفصل العنصري الأبارتايد لقطع رأس المقاومة السوداء ودفن قضيتهم في غياهب الزنازين؛ ليتحول الحكم بالمؤبد من أداة للمحو والإخضاع إلى وقود أشعل نيران الغليان الشعبي والدولي ضد عنصرية النظام حتى سقوطه.
ما قبل الزنزانة، خمسة أعوام من الملاحقة السرية والتحول نحو الكفاح المسلح
عقود من الاضطهاد والقمع الممنهج مارسته الأقلية البيضاء ضد الغالبية السوداء في جنوب أفريقيا، وهو الواقع المرير الذي دفع مانديلا لتصدر مشهد النضال عبر المؤتمر الوطني الأفريقي؛ ورغم إيمانه الأولي بالمقاومة السلمية، إلا أن مجزرة شاربفيل عام 1960 التي فتحت فيها قوات الشرطة الموالية للأقلية البيضاء نيران مدافعها الرشاشة بكثافة وعشوائية دون سابق إنذار غيرت مفاهيمه، بعد أن أسفرت المذبحة عن مقتل 69 متظاهرًا، أصيب أغلبهم برصاص الغدر في ظهورهم أثناء محاولتهم الفرار، وإصابة أكثر من 180 آخرين.
وترتب على هذه الصدمة زلزال سياسي محلي ودولي؛ حيث حظر النظام العنصري الأحزاب السياسية السوداء وأعلن حالة الطوارئ، مما صهر القناعات الفكرية لنيلسون مانديلا ورفاقه، وأثبت لهم عقم المقاومة السلمية، ليدفعهم فورًا نحو خيار الكفاح المسلح وتأسيس جناح رمح الأمة لمواجهة رصاص الأبارتايد بالقوة الميدانية، وعاش مانديلا لسنوات متخفيًا في كواليس العمل السري تحت أسماء مستعارة، حتى أوقعه كمين شرطي في أغسطس 1962، لتبدأ فصول المحاكمة التاريخية التي حبست لها أنفاس القارة.
مرافعة القرن الصادمة وتحدي المقصلة
واجه مانديلا ورفاقه تهم التخريب والتآمر لقلب نظام الحكم، وكانت عقوبتها تصل إلى الإعدام بالمقصلة. وتكشف كواليس الجلسات عن ذكاء حذر أبداه مانديلا؛ إذ لم يستغل منصة المحكمة للدفاع عن نفسه حولها إلى ساحة لمقاضاة النظام العنصري أمام الرأي العام العالمي، وتوج مرافعته التاريخية التي استمرت لأربع ساعات بنبرة خشنة ومباشرة معلنًا أنه عاش يقاتل هيمنة البيض وهيمنة السود، وأنه مستعد للموت من أجل تحقيق مجتمع ديمقراطي حر مما دفع القاضي لتخفيف العقوبة من الإعدام إلى السجن مدى الحياة تحت وطأة ضغوط دولية ودبلوماسية هائلة.
زنزانة روبن آيلاند تصنع رئيس المستقبل
ترتب على هذا الحكم كواليس نفي وعزل قاسية، حيث نقل مانديلا على الفور إلى سجن جزيرة روبن آيلاند المعزولة ليمضي هناك ثمانية عشر عامًا من أصل سبعة وعشرين عامًا قضاها خلف الجدران، مجبرًا على الأشغال الشاقة في محاجر الجير تحت لهيب الشمس.
ومع ذلك تحولت زنزانته الضيقة إلى جامعة فكرية ومقر رئيسي غير معلن لإدارة الثورة من وراء ظهر الحراس، ومع مرور السنين تحول السجين رقم 46664 إلى رمز عالمي للحرية والعدالة، وضغطت العقوبات الدولية والاقتصادية الطاحنة على حكومة بريتوريا المترنحة حتى أُجبرت على إطلاق سراحه عام 1990، ليعود مانديلا من خلف القضبان ويقود بلاده نحو طي صفحة الأبارتايد والجلوس على مقعد رئاسة الدولة، كأول رئيس أسود منتخب في تاريخ البلاد، محولًا يوم الحكم عليه إلى نقطة انطلاق نحو فضاء الديمقراطية والمواطنة الكاملة.