زي النهارده، القصة الكاملة للقانون الذي نزع سلاح استغلال النساء داخل قلاع الصناعة الأمريكية
في مثل هذا اليوم من عام 1963، وقَّع الرئيس الأمريكي جون كينيدي على قانون المساواة في الأجور بين الرجل والمرأة عند أداء نفس العمل، وكان بمثابة ضربة استراتيجية وصادمة ومفاجئة للقواعد الرأسمالية العتيقة التي اعتمدت لعقود على استغلال العمالة النسائية كقوة عمل رخيصة؛ ومثل هذا اليوم إعلانًا رسميًا من البيت الأبيض بأن الكفاءة والجهد المبذول في الميدان هما المعيار الوحيد للقيمة المالية، بعيدًا عن الفوارق الجندرية التي كرست الطبقية الاقتصادية.
ما قبل القانون، سوق عمل ممزق بالتمييز
تأسست خلفيات هذا التحول التاريخي من رحم واقع اقتصادي واجتماعي مرير عاشته المرأة الأمريكية في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، حيث اقتحمت النساء المصانع والمكاتب بكثافة لملء الفراغ الذي تركه الرجال، وأثبتن كفاءة ميدانية مذهلة.
ورغم ذلك كشفت الإحصائيات التوثيقية لوزارة العمل الأمريكية في ذلك الوقت أن النساء كن يتقاضين ما يقارب ستين في المئة فقط مما يتقاضاه الرجال عن أداء نفس الوظيفة وبنفس الساعات والمؤهلات، وعاشت العاملة الأمريكية في تلك العقود حالة من الغليان المكتوم والمرارة الشديدة؛ إثر تعرضها لتمييز مالي صارخ وتهميش وظيفي ممنهج تحت ذريعة أن الرجل هو العائل الأساسي للأسرة، مما جعل جبهة الحقوق المدنية مهيأة تمامًا للانفجار بانتظار تشريع ينقذ كرامتها المادية.
كفاح التنويريات ضد التمييز
سنوات من النضال الشرس قادته حركات نسوية ونقابات عمالية بزعامة ناشطات بارزات مثل إستير بيترسون، رئيسة مكتب المرأة بوزارة العمل، والتي نجحت في إقناع كينيدي بتشكيل لجنة رئيسية لتقصي الحقائق حول وضع المرأة في المجتمع.
وتكشف الكواليس السياسية للكونجرس أن مسار تمرير القانون واجه عقبات شرسة ودبلوماسية ضاغطة من حيتان الصناعة وأصحاب الشركات الكبرى الذين اعتبروا المساواة المالية تهديدًا مباشرًا لأرباحهم السنوية وضغطًا على حركة السوق.
لكن إصرار إدارة كينيدي وتبنيها للمشروع كجزء من برنامج الحدود الجديدة صهر كافة جبهات الرفض، ليخرج القانون إلى النور كأول تشريع في التاريخ الأمريكي يحظر التمييز في الأجور على أساس الجنس بشكل صريح ومباشر.
المساواة في الأجور، زلزال حقوقي غير ملامح المجتمع الرأسمالي
ترتب على توقيع هذا القانون نتائج دراماتيكية صاغت شكل الحياة الاقتصادية والاجتماعية في الولايات المتحدة خلال العقود اللاحقة، حيث فتح الباب على مصراعيه لتمكين المرأة قانونيًا لمقاضاة الشركات الكبرى وانتزاع تعويضات مالية هائلة غيرت موازين القوى داخل بيئات العمل.
ومع مرور السنوات، تحول قانون 1963 إلى الحجر الأساس الذي بنيت عليه تشريعات الحقوق المدنية اللاحقة، وعلى رأسها قانون الحقوق المدنية لعام 1964.
ورغم أن الفجوة في الأجور لم تختفِ بالكامل من الواقع العملي إلا أن ضربة كينيدي التشريعية ظلت شاهدًا حيًا على مرحلة فارقة نقلت الدولة من التبعية الفكرية لأصحاب المال إلى إرساء سيادة العدالة والمواطنة الكاملة تحت سقف القانون.