فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

اختراع فرعوني، كيف تحولت أحشاء الذبائح إلى فواكه لحوم يشتهيها المصريون بعيد الأضحى؟

وجبات فواكه اللحوم
وجبات فواكه اللحوم عند الفراعنة والمماليك، فيتو

مع حلول عيد الأضحى المبارك، تتحول شوارع القاهرة التاريخية إلى ساحة عروض ضخمة لما يعرف باسم "فواكه اللحوم". من السيدة زينب إلى الحسين، تفوح روائح الثوم والخل واللحوم، لتكشف عن طقس مصري خالص عمره قرون، وجمع حول طاولاته الدبلوماسي والعامل البسيط. لكن ماذا عن تاريخها.. وهل تعتبر تجربة مصرية بامتياز أم ثقافة وافدة علينا؟ 

المسمط، كيف نشأ في مصر؟ 

لفظ مسمط ينحدر لغويا من الفعل العامي "سَمط"، وهو وضع أحشاء الذبيحة وجلدها في الماء المغلي لكحت الشعر والطبقات الداكنة، ومن هذه الحِرفة الشاقة، تولدت مهنة السقاط أو "بائع السَقط"، التي تحولت مع العصور إلى حرفة قائمة بذاتها لها قوانينها ومصطلحاتها الخاصة.

ووفقا للمؤرخ تقي الدين المقريزي في كتابه الشهير المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار المعروف بـ خطط المقريزي، لم تكن نشأة المسامط وليدة الصدفة، بل ارتبطت بجغرافيا القاهرة وتوزيع الثروة فيها، حيث كانت أسواق القاهرة منذ العصر الفاطمي والمملوكي مقسمة بحسب المهن، وكان هناك سوق خاص يعرف بـ سوق السقاطين. 

ويكشف المقريزي كواليس هذه العصور، موضحا أن اللحوم "الهبر" والقطع الفاخرة كانت تحجز حصرًا لمطابخ القصور السلطانية، بينما يمنح "السقط" وهي الأحشاء التي تسقط من جوف الذبيحة مثل الكرشة والفشة والممبار والكوارع للجزارين والمساعدين والطبقات الكادحة كأجر عيني أو هبة، ومن هنا ظهرت دكاكين صغيرة بجوار المذابح لطهي هذه القطع الصعبة التي تحتاج مجهودًا مع استخدام أغلب بهارات الشرق لإخفاء روائحها النفاذة، وتحويلها إلى وجبة مشبعة ورخيصة.

هل فواكه اللحوم اختراع مصري؟

التاريخ يثبت أن ثقافة فواكه اللحوم بشكلها وطقوسها وطريقة طهيها هي ابتكار مصري أصيل نبت من ثقافة “صفر هدر” التي اتبعها المصري القديم. حسب كتاب الحياة اليومية في مصر القديمة للمؤرخ الفرنسي بيير مونتيه، كان المصري القديم يقدس الاستفادة من كل أجزاء الذبيحة، وتظهر النقوش في مقابر سقارة عمليات تشفية دقيقة واستخدام الأحشاء في الأطعمة الطقسية.

لكن في الوقت نفسه، يذكر التاريخ أيضا شعوب أخرى عرفت ثقافة أكل الأحشاء أو فواكه اللحوم، مثل الاسكتلنديين في وجبة “الهيجس” أو الأتراك في “الكوكوريتش”، ومع ذلك ينفرد المطبخ المصري بأنه الوحيد الذي خلق عالم خاص أطلق عليه فواكه اللحوم تعتمد على دمج هذه القطع معًا في طاسة واحدة تسمى "السمين"، وتقديمها مع الشوربة المكتنزة بالبهارات ـ شوربة الكوارع ـ. 

فواكه اللحوم، كيف تحول أكل الغلابة إلى صيت عالمي؟

مع ذيوع شهرة فواكه اللحوم، خرجت هذه الثقافة من مصر إلى بلاد الشام والحجاز خلال فترات الحكم العثماني، حيث نقل الجزارون والشيفات المصريون طرق تنظيف وتقشير الكرشة والممبار إلى أسواق دمشق وحلب ومكة، وظلت الصنعة المصرية هي الأستاذية المعترف بها في تنظيف هذه القطع.

أما التحول الأكبر في تاريخ الاستعانة بـ فواكه اللحوم، فكان في بدايات القرن العشرين، وتحديدًا مع نقل المذبح الرئيسي للقاهرة إلى منطقة المدبح في السيدة زينب عام 1925، حيث تحولت المنطقة إلى مغناطيس للنخبة؛ ولم يعد المسمط حكرًا على العمال والشقيانين، بل أصبح طقسًا للمثقفين والفنانين.

ويسجل الأديب العالمي نجيب محفوظ في كتاباته، كيف كانت أحياء القاهرة الفاطمية تشهد اللمة حول طاولات السمين بعد صلاة الفجر في العيد أو في سهرات رمضان، وتحولت مسامط شهيرة في السيدة زينب والحسين وباب الشعرية إلى مزارات يقصدها كبار رجال الدولة والفنانين مثل كوكب الشرق أم كلثوم والموسيقار محمد عبد الوهاب، بحثًا عن طاقة وطعم لا توفره الفنادق الفاخرة.

يمكن القول ان فواكه اللحوم ليست مجرد وجبة، بل وثيقة اجتماعية تعكس عبقرية الإنسان المصري الذي تمكن من تحويل الأزمات الاقتصادية إلى بهجة، وخلق بأقل الفرص وجبات طعام مدهشة من مكونات كانت شعوب أخرى تتخلص منها، ليصبح العيد في مصر منقوصًا دون المرور على طاسة السمين أو فواكه اللحوم.