من زوجته ونجله وشقيقته إلى الحكام العرب، كيف لونت المآسي شعر نزار قباني بلون الحزن؟
عاش نزار قباني ــ رحل في مثل هذا اليوم عام 1997 ــ حياة مليئة بالكثير من اللحظات الدرامية سواء على مستوى حياته الخاصة أو حياته العامة كشاعر شهير، كان لها أثر عميق في نفسه وفي مؤلفاته، وجاءت الصدمة الأولى بانتحار "وصال" شقيقته بعد إجبار أهلها لها على الزواج من رجل لا تحبه؛ مما ترك فيه نزعة تعاطف كبير نحو المرأة، ثم جاءت وفاة نجله توفيق طالب الطب، وعندما تزوج زوجته الأولى ابنة خاله رحلت عنه بسبب المرض، ثم كان استشهاد حبه وزوجته الثانية بلقيس التي رثاها بقصيدته الشهيرة "بلقيس" التي اتهم فيها الجميع بقتلها، وقد أنجب منها ابنيه عمر وزينب ولم يتزوّج بعدها حتى وفاته عن 75 عامًا.

كما اصطدم الشاعر نزار قباني بالحكام العرب، فاضحًا سياستهم تجاه الغرب وإسرائيل، وكاشفًا عوراتهم ومساوئهم وسعيهم إلى تكديس الأموال والثروات وإشباع الغرائز، إضافة إلى تكبيل الحريات وتكميم الأفواه، فكانت كلمات نزار قباني بمثابة السوط الذي يجلد الحكام العرب؛ لذلك مُنع من دخول الكثير من العواصم العربية، ومُنعت أشعاره من دخول معظم البلدان.
صرخة تمرد في خبز وحشيش وقمر
ففي عام 1954 بعد نكبة ضياع فلسطين، فاجأ نزار قباني المجتمع السوري المحافظ والمجتمع العربي بأكمله بصرخة تمرد أطارت صوابه بجرأتها في تعرية الواقع في قصيدة "خبز وحشيش وقمر" عبَّر فيها عن ضباب الحشيش والمخدر وأجواء ألف ليلة وليلة التي لا يريدون أن يتحرروا منها، فصرخ فيهم لاستجماع الهمم وخلع رداء الخمول والخنوع واستعادة الصحوة العربية، إلى أن ثار عليه بعض رجال الدين وطالبوا بقتله.

ويعبر نزار قباني عن تلك الصدمات في مجلة الكواكب عام 1976 فيقول: كل قصيدة كتبتها أثارت زوابع وحرائق من حولي؛ لأني أصدم عواطف الناس وآراءهم الراكدة، حدث هذا منذ أول قصيدة كتبتها (خبز وحشيش وقمر)، فبسبب هذه القصيدة انعقد المجلس النيابي السوري لمناقشتها ومحاكمتي، وكدت أُطرد من وظيفتي الدبلوماسية بلندن، وكانت أول مرة في تاريخ البرلمانات ينعقد فيها البرلمان لمناقشة قصيدة ويتضمنها محاضر البرلمان.
هجوم منذ البداية
وأضاف نزار قباني: أيضًا هوجمت مهاجمة شديدة بعد صدور ديواني الأول "قالت لي السمراء"، وكنت وقتها طالبًا في الصف الثاني بكلية الحقوق، وكان عودي ما زال غضًا لا يستطيع التصرف إزاء هذا الهجوم. "قالت لي السمراء" كان صرخة لغوية وصرخة في المضمون، كان مختلفًا عن الشعر الشائع، صرخت بمواضيع كانت كلها محرمة.
اتهام بالتسبب في النكسة
ويتابع نزار قباني: أما قصيدتي "هوامش على دفتر النكسة" فقد أحدثت دويًا كبيرًا خاصة في أبياتها التي تقول:
يا وطني الحزين حولتني بلحظة
من شاعر يكتب شعر الحب والحنين
لشاعر يكتب بالسكين
قامت الدنيا ووصفوني بأنني شاعر عابث، وأنني سبب من أسباب النكسة، ووصفوا القصيدة بأنها إدانة للعالم العربي وللنفس ولي ذاتيًا، قلت فيها:
يا وطني الحزين حولتني بلحظة
من شاعر يكتب شعر الحب والحنين
لشاعر يكتب بالسكين.
وبعد نشر قصيدة "هوامش على دفتر النكسة" تعرض نزار قباني للهجوم الشديد، وصودرت المجلة التي نشرت القصيدة ـــ الآداب اللبنانية ـــ وأحرقت أعدادها، وكان نزار يشاهد الحجارة المتساقطة على نوافذه بكل هدوء. ووجهت إليه حينها عريضة اتهام بأنه شاعر وهب روحه للشيطان والمرأة، وللغزل الفاحش؛ فلا يحق له أن يكتب عن الوطنية، وأنه المسؤول عن النكسة بما نشره من شعر عاطفي أفسد الأخلاق، وأنه بذلك يرقص فوق جرح أمته. وتبارت الأقلام تطالب بمنع إذاعة قصائده ومنع دخوله إلى مصر.
أصبح عندي الآن بندقية
التقى صوت أم كلثوم مع أشعار نزار قباني عام 1969، من خلال أغنية "أصبح عندي الآن بندقية" من ألحان محمد عبد الوهاب، في عام 1968 حين كانت قصائد نزار قباني ممنوعة من دخول مصر بسبب قصيدته "هوامش على دفتر النكسة". زلزلت قصيدة "أصبح عندي الآن بندقية، إلى فلسطين خذوني معكم" في ذلك الوقت، وتدخل الرئيس عبد الناصر لإلغاء المنع عن نزار وقصائده، عرض عبد الوهاب القصيدة على أم كلثوم التي تحمست لها ولحنها عبد الوهاب وغنتها أم كلثوم، فأحدثت أثرًا كبيرًا عند الملايين من العرب تضامنًا مع القضية الفلسطينية.