فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

من فاس بالمغرب، وزير الأوقاف السابق: الإنسانية مهددة ما لم ينتصر العدل على القوة

الدكتور محمد مختار
الدكتور محمد مختار جمعة، وزير الأوقاف السابق، فيتو

أكد الدكتور محمد مختار جمعة، وزير الأوقاف السابق، في كلمته بمؤتمر “مستقبل الحضارة الإنسانية في زمن الذكاء الاصطناعي”، الذي عُقد بالجامعة الأورومتوسطية بمدينة فاس المغربية، بالتعاون مع رابطة العالم الإسلامي، أن العيش المشترك في العصر الحديث، وفي ظل التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي، يجب أن يقوم على أسس راسخة من الحق والعدل والإنصاف والاحترام المتبادل، بعيدًا عن أي صور للظلم أو الاعتداء بين البشر.

العيش المشترك في عصر الذكاء الاصطناعي

وأوضح خلال كلمته التي جاءت تحت عنوان “العيش المشترك في عصر الذكاء الاصطناعي”، أن دين الإسلام هو دين السلام والحق والعدل والإنسانية في أسمى معانيها، مشددًا على أن الشريعة الإسلامية كرّمت الإنسان لكونه إنسانًا، حيث قال الله تعالى: «ولقد كرمنا بني آدم»، كما شدد على أن الإسلام حرّم قتل النفس البشرية بغير حق، مستشهدًا بقوله تعالى في سورة المائدة: «من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسًا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعًا…»، موضحًا أن هذا التكريم الإلهي للنفس البشرية يؤكد أن كل الدماء حرام، وكل الأعراض مصونة، وكل الأموال محفوظة، ولا يجوز التعدي عليها إلا بحق مشروع أو برضا كامل.

وأضاف وزير الأوقاف السابق أن النبي صلى الله عليه وسلم جسّد هذا المعنى عمليًا، حين وقف لجنازة يهودي احترامًا للنفس الإنسانية، وعندما قيل له إنها جنازة يهودي قال: «أليست نفسًا؟»، مؤكدًا أن هذا الموقف يعكس قيمة الإنسان في الإسلام دون تفرقة، وأن العيش المشترك في الإسلام ليس شعارًا بل أصل ديني وإنساني يقوم على العدل والمساواة والاحترام المتبادل.

وزير الأوقاف السابق: العالم اليوم في حاجة ماسة إلى التحول من منطق القوة إلى قوة القانون

وشدد د. مختار جمعة على أن العالم اليوم في حاجة ماسة إلى التحول من منطق القوة إلى قوة القانون، ومن شريعة الغاب إلى شرعية الأخلاق، قبل فوات الأوان، مؤكدًا أن استمرار هيمنة منطق القوة يهدد استقرار الحضارة الإنسانية ويقودها إلى الانهيار، داعيًا إلى ضرورة إصلاح المؤسسات الدولية لتقوم بدورها الحقيقي في إحلال السلام، أو العمل على صياغة ميثاق دولي جديد يقوم على العدالة الكاملة غير الانتقائية، بحيث يكون الحق متساويًا بين جميع الشعوب دون ازدواجية في المعايير.

وأكد أن تحقيق السلام الشامل والعادل للجميع هو الأساس الحقيقي لاستقرار العالم، وأنه ما لم يتحقق هذا السلام فلن تكون هناك قدرة لأي خطابات أو مؤتمرات على إقناع الشعوب بأن ترى الظلم عدلًا أو تقبل به تحت أي مسمى.

 

وزير الأوقاف السابق: الذكاء الاصطناعي أصبح ضرورة حتمية من ضرورات العصر

وفيما يتعلق بالتطور التكنولوجي، أوضح وزير الأوقاف السابق أن الذكاء الاصطناعي أصبح ضرورة حتمية من ضرورات العصر، وأن التعامل معه لم يعد خيارًا، بل واجبًا يفرض على الدول والمجتمعات أن تحسن استخدامه وتوظيفه بما يخدم الإنسانية، مشيرًا إلى أن المطلوب هو الانتقال من مجرد مستهلكين أو مستخدمين للتكنولوجيا إلى منتجين لها ومؤثرين في مسارها.

وأضاف أن مفهوم الأمية لم يعد يقتصر على القراءة والكتابة فقط، بل تطور ليشمل الأمية الرقمية، ثم أمية الذكاء الاصطناعي، وصولًا إلى ما هو أوسع من ذلك، وهو أمية الثقافة وأمية إنتاج المعرفة، في عالم أصبحت فيه المعلومة والأمن السيبراني وإنتاج المعرفة من أهم عناصر القوة والتأثير، وأصبحت الحروب المعلوماتية والاختراقات الاستخباراتية الحديثة أحد أهم أدوات الحسم في الصراعات الدولية.

وأشار إلى أن مسؤولية المجتمعات اليوم هي تحويل أدوات التكنولوجيا الحديثة إلى وسائل للبناء لا للهدم، ولتحقيق الوئام لا الصراع، مؤكدًا أن ذلك لن يتحقق إلا من خلال امتلاك ناصية العلم والتقنية، وفهم آلياتها بدقة، مع الإسهام الفعلي في إنتاجها وتطويرها، إلى جانب تبني تفكير علمي نقدي وبصير، يقوم على التحول في المناهج التعليمية من الحفظ والتلقين إلى الفهم والتحليل والإبداع.

وأوضح أنه لا يجوز الوقوف أمام تطور وسائل التواصل وإنتاج المعرفة موقف الرفض المطلق أو التفرج أو الاكتفاء بدور المتلقي، بل يجب التعامل مع العصر بأدواته، مع تعظيم إيجابيات التكنولوجيا، وتفادي مخاطرها وسلبياتها، في ضوء القيم الحضارية والثقافية والاجتماعية، وبما يحقق الخير للإنسانية جمعاء، مشددًا على أن العزلة عن التطور العلمي غير مقبولة، بل المطلوب هو السعي إلى السبق فيه.

وأكد د. جمعة أن الإسلام دين العلم كما هو دين السلام، وهو يحث على طلب العلم النافع في جميع مجالات الحياة، سواء العلوم الشرعية التي تهدي الإنسان إلى طريق الخير والنجاة، أو العلوم التطبيقية التي تقوم عليها نهضة العمران وبناء الحضارات في مختلف المجالات.

واختتم كلمته بالتأكيد على أنه لا يوجد أي تعارض بين العلم والدين، شريطة الفهم الصحيح المقاصدي للدين، والأخذ بأسباب العلم النافع، والالتزام بالضوابط الأخلاقية والإنسانية الراقية، محذرًا من أن أي حضارة لا تقوم على القيم والأخلاق تحمل في داخلها بذور سقوطها، وأن مصيرها الحتمي هو الانهيار والتلاشي.

وزير الأوقاف السابق: الحضارة الإنسانية اليوم مهددة بالانزلاق نحو منطق القوة وشريعة الغاب

كما شدد وزير الأوقاف السابق في ختام حديثه على أن الحضارة الإنسانية اليوم مهددة بالانزلاق نحو منطق القوة وشريعة الغاب، ما لم يتدخل عقلاء العلم والعمل لإصلاح الخلل القائم، وإعادة بناء ميزان العدل في العالم قبل فوات الأوان.