"فساد الأمكنة"، ملحمة الصحراء التي أعادت تشكيل الوعي الروائي العربي
يحتفل العالم في شهر أبريل من كل عام بـ "اليوم العالمي للكتاب"، وهي المناسبة الدولية التي أقرتها منظمة اليونسكو إيمانًا بالقوة التنويرية للكتب، ودورها الجوهري كجسر معرفي يربط بين الأجيال المتعاقبة والثقافات المختلفة.
وفي هذا السياق، يبرز الأدب العربي كأحد أهم الروافد العالمية التي قدمت على مدار القرن العشرين أعمالًا استثنائية بلغت حدود العالمية، حيث توج الاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب هذه الإبداعات بإعلان قائمة أفضل مائة رواية عربية في القرن الماضي، بناء على استفتاء موسع شارك فيه كبار النقاد والأدباء.
وترصد “فيتو” خلال برنامج احتفالها باليوم العالمي للكتاب الشهر الجاري، عددًا من هذه الأعمال، ومنها رواية “فساد الأمكنة”.
فتعد رواية "فساد الأمكنة" للأديب الراحل صبري موسى علامة فارقة في تاريخ الأدب العربي المعاصر، ليس فقط لكونها اخترقت جدران البيئات التقليدية لتستوطن الصحراء، بل لأنها مثلت نبوءة جمالية واجتماعية عميقة.

فقد استطاع موسى، أن ينقل المشهد الروائي المصري من ضفاف النيل والمدن المزدحمة إلى فضاءات الدرهيب الشاسعة، حيث تتداخل روح الطبيعة مع تعقيدات النفس البشرية.
رواية فساد الأمكنة
بدأت رحلة رواية “فساد الأمكنة” من صدفة جغرافية في ربيع عام 1963، حين قضى صبري موسى ليلة واحدة في جبل "الدرهيب" بالصحراء الشرقية القريبة من حدود السودان، وتلك الليلة زرعت البذور الأولى للعمل في وجدانه، ليعود إليها مرة ثانية بعد عامين أثناء زيارته لضريح القطب الصوفي "أبي الحسن الشاذلي" في منطقة "عيذاب".
أدرك موسى حينها أن الكتابة عن هذا العالم تقتضي معايشة كاملة، وهو ما تحقق بحصوله على تفرغ من وزارة الثقافة في الفترة من نوفمبر 1966 وحتى نوفمبر 1967 للإقامة في قلب الصحراء، لبدأت عملية الكتابة الفعلية عام 1968، وانتهت قبيل مطلع السبعينيات، لتخرج الرواية للجمهور مسلسلة في مجلة "صباح الخير" عامي 1969 و1970، قبل أن تصدر في طبعتها الأولى الكاملة ضمن "الكتاب الذهبي" في يوليو 1973.
تكتسب "فساد الأمكنة" أهمية استثنائية من منظور جيوسياسي واجتماعي، فبينما يتركز معظم سكان مصر على مساحة لا تتجاوز 3% من الأراضي، تظل الـ 97% المتبقية من الصحراء غائبة عن المخيلة الأدبية، وجاءت الرواية لتردم هذه الفجوة، مسلطة الضوء على البداوة كأقدم نمط اجتماعي، وكيف بدأت شخصية "المواطن البدوي" المستقلة تذوب تدريجيا لتتحول إلى مواطن قومي يتبع قوانين الدولة الحديثة.
ويرى النقاد أن الرواية لم تكن مجرد رصد لمكان، بل هي بحث في تأثير قيم البداوة على المجتمع المعاصر، حتى في المدن الكبرى، مما منحها بعد اجتماعي فلسفي جعلها محط أنظار كبار النقاد.
فقد وصفها الدكتور علي الراعي بالرواية الفذة ذات الحس الشاعري، بينما رأى فيها الدكتور غالي شكري "نبوءة جمالية لأخطر الهزائم الروحية"، وأكد الدكتور محمد بدوي أنها أحدثت دوي كبير نتيجة تكثيف خبرات موسى المتنوعة.
الأديب صبري موسى
لم يكن صبري موسى مجرد روائي، بل كان فنان شامل أثرى المكتبة العربية والسينما بأعمال خالدة. تخرج في فنون جميلة، وعمل مدرس للرسم قبل أن ينتقل للصحافة في جريدة "الجمهورية"، ثم استقر بمؤسسة "روز اليوسف" ككاتب متفرغ وعضو بمجلس إدارتها.
سجل حافل من الإبداع والجوائز
تنوع إنتاجه بين القصة القصيرة مثل "القميص" و"وجها لظهر"، والرواية "حادث نصف المتر" و"السيد من حقل السبانخ"، وأدب الرحلات الذي تميز فيه "في البحيرات" و"رحلتان في باريس واليونان".
وفي السينما، خلد اسمه بكتابة السيناريو والحوار لأفلام تعد من كلاسيكيات الشاشة مثل "البوسطجي"، "قنديل أم هاشم"، "الشيماء"، و"قاهر الظلام".
وتقديرا لمسيرته، نال صبري موسى أرفع الأوسمة والجوائز، منها جائزة الدولة التشجيعية في الآداب عام 1974، وسام الجمهورية للعلوم والفنون من الطبقة الأولى مرتين في 1975 و1992، جائزة "بيجاسوس" الدولية من الولايات المتحدة عام 1978، وهي الميدالية الذهبية للأعمال المكتوبة بغير الإنجليزية، جائزة الدولة للتفوق في الآداب من المجلس الأعلى للثقافة.