قصة العتبة الخضراء.. قصر خرافي تحول إلى لغز قانوني.. ميدان بلا صاحب يشعل نزاعا قضائيا استمر في المحاكم لمدة 50 سنة
العتبة الخضراء ، ميدان فسيح يتوسط مدينة القاهرة ومن أكثر الأماكن حيوية، استمرت بدون صاحب زمن طويل بالرغم من الدعاوى المتعددة التى رفعت بشأنها، إذ استمرت قضية العتبة الخضراء بالمحاكم فى القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين وتأجلت 60 مرة فى نصف قرن لكن لم يصدر حكما بشأنها.
وكما نشرت مجلة المصور فى تقرير نشر عام 1950 تبدأ قصة العتبة الخضراء لقصر بنى فى ميدان محمد على الكبير فى المنطقة التى سميت فيما بعد بميدان العتبة الخضراء، بناه أحمد طاهر باشا الذى ولى حكم الوجه القبلى عام 1845 على الأرض التى يشغلها الآن قسم الموسكى ومركز المطافئ ودار عموم البريد وشارع عبد الخالق ثروت، وقد استغرق بناؤه ثلاث سنوات، أنفق على إنشائه وتأسيسه مليون ونصف من الجنيهات، وسمى بالقصر الأزرق.
سراى الحرملك والسلاملك
وعمد أحمد طاهر باشا فى أواخر أيامه إلى وقف أملاكه لزوجته مدى الحياة ولذريته من بعدها، وبعد ذلك رأت أرملته خديجة خاتون أن تتصرف بمقتضى حجة شرعية فى جزء من القصر الذى كان يتكون من قسمين: سراى الحرملك وسراى السلاملك، فباعت سراى الحرملك للسيدة بمباقادان ــ والدة الخديو عباس الأول بالبدل النقدى ولم يعجب الخديو اسم الأزرق الذى كان يتشاءم منه فسماه القصر الأخضر ومنه سميت المنطقة بالعتبة الخضراء، وأجرت سراى السلاملك لمدة ستين عاما بإيجار 25 ألف جنيه فى العام وضعوا فى خمسة آلاف كيس.

وفى عام 1863 باعت بمباقادان حق إيجار السلاملك بنفس الشروط إلى الخديو اسماعيل، وعندما تخلى إسماعيل عن العرش حلت محله فى الإيجار الحكومة المصرية وآل القصر إلى وزارة المالية.
بناء حديقة الأزبكية
فى سنة 1864 تم ردم بركة الأزبكية (60 فدانا) وأنشئت مكانها حديقة الأزبكية عام 1872 بإشراف المهندس الفرنسى باريل ديشان بك، كما تم بناء أقدم مبنى للبريد هو مبنى البوستة الخديوية وبجواره التياترو الخديو (المسرح القومى حاليا) ودار الأوبرا.
محكمة مصر تنظر الدعوى
فى عام 1907 أقام كرم بك طاهر دعوى على وزارة المالية بقيمة الإيجار منذ عام 1900، وظلت محكمة مصر الابتدائية تنظر القضية حتى عام 1924 فأصدرت حكما بعد سبعة عشر عاما بوقف دعوى الإيجار حتى يفصل القضاء فى أمر ملكية العين.
تداول القضية فى المحكمة بالتأجيل فقط
وتولى محمد طاهر بك ــ سكرتير الحضرة السنية ــ رفع دعوى ملكية العتبة الخضراء بعد وفاة كرم بك فصدر الحكم برفض الدعوى لمضى المدة القانونية للمطالبة، واستأنف الدعى الحكم، وظلت القضية تؤجل عاما بعد عام لتتابع تغير المستشارين حتى جاء مثل هذا اليوم 22 مارس عام 1936 فأصدر محمد زكى على باشا حكما تمهيديا بتعيين خبير ــ عبد المجيد عمر باشا، وتوالى المستشارين بعد أن ظلت القضية متداولة فى المحكمة.

استند المستحقون فى دعوى إثبات ملكية العتبة الخضراء على حجة التمليك وحجة الوقف وحجة التأجير والمذكرة التى اعترفت فيها وزارة المالية بأن الحكومة حلت محل الخديو إسماعيل فى إيجار سراى السلاملك.
الحكومة تكتسب ملكية العتبة الخضراء
طعنت وزارة المالية فى الملكية عام 1937 بعدم اختصاص المحاكم الأهلية بنظر الدعوى، وأن الحكومة اكتسبت ملكية العتبة الخضراء بمضى المدة الطويلة، وبعد مضى سنوات مرت القضية بـ 60 تأجيلا، وتعاقب عليها ثلاثة محامين كبار عن المستحقين هم أحمد رأفت بك، حنفى رمضان، حنفى أبو العلا، وبلغ قيمة ما يطالب به المستحقون عشرين مليون من الجنيهات.
ميدان الملكة فريدة
سمى ميدان العتبة بأسماء عديدة من ميدان محمد على باشا، ولما تزوج الملك فاروق من فريدة أطلق عليه ميدان الملكة فريدة، وبعد الطلاق سميت بالعتبة الخضراء، ثم اختفى اسم الخضراء لتصبح ميدان العتبة.

بسبب ما أثير حول منطقة العتبة الخضراء أنتجت السينما المصرية فيلما باسم "العتبة الخضراء " ــ عرض فى مثل هذا اليوم عام 1959، القصة كتبها جليل البندارى وقام ببطولته لإسماعيل ياسين ــ الصعيدى الساذج، أحمد مظهر المحتال، من إخراج فطين عبد الوهاب .
وتدور أحداث الفيلم حول وصول شاب ساذج من الصعيد، يلتقي في القاهرة بشاب وسيم فيصادقه، وهو في الحقيقة محتال يوهمه بأنه صاحب ترام العتبة وفى إمكانه أن يبيعه له، ويصدقه الصعيدي ويضع كل أمواله في سبيل شراء ميدان العتبة الخضراء.

يقول رمضان أبوزيد العبد، بطل الواقعة، في روايته لهذه القصة أنه كان يركب الترام رقم 30 في شارع القصر العيني وكان بجواره أحد القرويين الذي وضحت عليه علامات السذاجة المفرطه تبادلا معا اطراف الحديث فهم النصاب حينها أن القروي جاء للقاهرة كمستثمر يبحث عن عمل يليق به في القاهرة وأن معه بعض المال الذي يمكنه من البدء في العمل.
النصب وعرض بيع الترام
وعرض النصاب على القروي بعض المشاريع ولكنه رفضها فأفهمه أنه يملك ميدان العتبة بكل ما فيه من مبان وترام وشوارع، وعندما أبدى القروي ملاحظة على ازدحام الترام عرض عليه النصاب أن يشتريه، فابتهج وبالفعل قاما بتوجه إلى المحامي للحصول على عقد بيع بصم عليه القروي الذي طلب فيه النصاب 200 جنيه مؤكدًا للقروي أنه نظرًا لكونهما بلديات طلب منه هذا السعر في الترام الذي لا يقل سعره لو باعه لشخص غريب بألف جنيه مصري.