فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

صلاح جلال.. رائد الصحافة العلمية الذي سبق عصره.. ساهم في تبسيط العلوم للقراء.. انتخب نقيبا للصحفيين لدورتين متتاليتين.. وهذا سر رفضه قبول عطايا أمير عربي

صلاح جلال رائد الصحافة
صلاح جلال رائد الصحافة العلمية

صلاح جلال، رائد الصحافة العلمية والبيئية في مصر والعالم العربي، أنشأ بابًا علميًا في «الأهرام»، وأسّس مجلة «الشباب وعلوم المستقبل»، وكان أول من أنشأ بابًا علميًا في صحيفته، كما شغل منصب نقيب الصحفيين دورتين متتاليتين. رحل في مثل هذا اليوم 6 فبراير 1991.

تمنّى والده أن يلتحق صلاح جلال بكلية الطب، وبالفعل أعاد دراسة الثانوية أكثر من مرة لكي يحقق حلم والده، لكنه في كل مرة كان مجموعه يقل درجة أو نصف درجة عن المجموع المطلوب، فقرر في النهاية الالتحاق بكلية العلوم عام 1945 على أساس أن يتحول إلى دراسة الطب مع السنة الثانية ــ كما كان مسموحًا في ذلك الوقت ــ لكنه لم يحوّل، فقد بهرته الدراسة في كلية العلوم، خاصة وأنه كان على رأسها الدكتور مصطفى مشرفة، الذي كان نعم الأب والصديق لكل تلامذته.

 

من «آخر ساعة» إلى «الأهرام»

انغمس صلاح جلال بكل ما في الشباب من طاقة في نشاطات الكلية، وعلى رأسها الصحافة، فبدأ يكتب في مجلة الكلية المسماة «هي»، وبعد سبع سنوات أصبح رئيسًا لتحريرها، ومن هنا اكتشف في نفسه الصحفي. وكان يذهب إلى «أخبار اليوم» مع قريب له، وبعد تخرجه قابل محمد حسنين هيكل، وكان رئيسًا لتحرير «آخر ساعة»، وطلب منه العمل في المجلة، فنصحه بالبدء في قسم الحوادث. وحدث أن مرّ بمطار القاهرة وفد من متسلقي الجبال في طريقهم إلى جبال الهيمالايا، فقابلهم وأجرى معهم حوارًا أعجب به هيكل، فقرر تعيينه.

بابًا علميًا في «الأخبار»

مارس صلاح جلال العمل الصحفي، لكن ميوله اتجهت إلى الصحافة العلمية، وتفوق في تبسيط العلوم والمصطلحات العلمية في كتاباته، ولندرة المتخصصين في الكتابة العلمية، كان يكتب في إصدارات «أخبار اليوم» كلها، فأنشأ بابًا علميًا في جريدة «الأخبار» يكتب فيه يوم الثلاثاء، وفي «أخبار اليوم» يوم السبت، وفي «آخر ساعة» يوم الأربعاء، وهكذا.

إيمان شديد بالعلم

وعندما انتقل هيكل إلى «الأهرام»، انتقل معه صلاح جلال ليعمل محررًا بالقسم العلمي بالأهرام منذ عام 1958، ثم أصبح رئيسًا للقسم العلمي عام 1964، واستمر يحرر بابًا علميًا في «الأهرام» حتى يوم وفاته؛ لأنه كان يؤمن بشدة أن العصر هو عصر العلم، وأن من يتخلف عن الركب لن يكون له مكان، وأن مصر يجب أن تدخل القرن الحادي والعشرين وهي مسلحة بالعلم.

صلاح جلال فى احد لقاءاته الصحفية 
صلاح جلال فى أحد لقاءاته الصحفية 

خبطة صحفية ضد الإنجليز

من خبطات صلاح جلال الصحفية تسلله إلى بورسعيد مع زميله الصحفي مصطفى شردي عام 1956، متخفيًا في زي صيادين، بمساعدة بكر الرشيدي كبير الصيادين، وهناك كتب وصوّر ما أخفاه الإنجليز في العدوان على مصر عن العالم كله، وهذه الصور هي التي أمر الرئيس عبد الناصر مصطفى أمين أن يسافر بها إلى الخارج ليفضح الإنجليز على مسمع ومرأى من العالم.

كان الراحل صلاح جلال هو الصحفي المصري، بل والعربي، الوحيد الذي تابع إطلاق السفينة «أبوللو» إلى القمر، حاملة أرمسترونج وزميليه، في يوليو 1969، ليشهد أول خطوة للإنسان على سطح القمر، واحتلت تغطيته المتميزة للحدث مانشيتات جريدة «الأهرام» لأيام عديدة. كما كان الراحل أول من سافر إلى طابا بعد استردادها وعودتها إلى السيادة المصرية.

صلاح جلال
صلاح جلال

ومن مواقف صلاح جلال الكريمة والشجاعة، حين سافر في الستينيات من القرن الماضي إلى إحدى دول الخليج لتغطية مؤتمر علمي يعقد على أراضيها، دُعي لحضوره علماء من دول العالم المتقدم، لتدلل على أنها تهتم بالعلم والعلماء، ولذلك وُجهت الدعوة إلى الصحف المصرية لتغطية المؤتمر، وكان «جلال» من أبرز الصحفيين الذين قاموا بالتغطية لخلفيته العلمية ولمتابعته العلماء الأجانب الذين شاركوا في المؤتمر، وانفردت «الأهرام» بحوارات معهم والإعلان عن بحوث علمية حققت نتائج رائعة.

موقف كريم وشجاع

إلا أن صلاح جلال فوجئ بالمسؤول الإعلامي عن المؤتمر يبلغه تحيات الأمير ويوجه له الشكر على التغطية الرائعة التي قامت بها «الأهرام» ونقلت عنها الصحافة العالمية، ولم يكتفِ الرجل بعبارات الشكر، إنما قدم له مظروفًا يحتوي على أوراق مالية، وأوضح له أنها مقدمة من الأمير شخصيًا. رفض صلاح أن يتسلم المظروف، واعتبر هذا التصرف إهانة لا تُغتفر، وأعلن على الملأ أن عطية الأمير يجب أن تُقدَّم لشعبه وليس للإعلاميين المصريين الذين ليسوا بحاجة إلى عطايا الأمير. فرد المسؤول الإعلامي على الفور قائلًا: إن عطايا الأمير لا تُرد، فقال صلاح: وأنا أرفضها بشدة.

هيكل يؤيد موقف جلال

قبل أن يعود صلاح جلال إلى القاهرة، سبقه من أبلغ هيكل، رئيس التحرير، أن مندوب «الأهرام» تسبب في أزمة دبلوماسية بين البلدين، وأنه ما كان ينبغي أن يتصرف بهذه الرعونة ويرد عطايا الأمير. استدعى هيكل صلاح وسأله عما جرى، فأطلعه على حقيقة ما تعرض له من إهانة، وأضاف أنه كان يدافع عن كرامة الصحفيين المصريين جميعًا، لا عن صحفي «الأهرام» وحدهم، وأن الزملاء الذين شاركوا في تغطية المؤتمر رفضوا عطايا الأمير وأعادوا المظاريف. وفي الاجتماع اليومي لمجلس تحرير «الأهرام»، حرص هيكل على الحضور مبكرًا، وأعلن أنه منح صلاح مكافأة على موقفه الشجاع، حفاظًا على «الأهرام» أولًا، والصحافة المصرية بوجه عام.

وفي عام 1977 أسّس صلاح جلال مجلة «الشباب وعلوم المستقبل» لإيمانه بالشباب ودوره في بناء مصر بالأسلوب العلمي، ورأس تحريرها، كما أسّس مجلة «صندوق الدنيا» كملحق لمجلة «الشباب» لتكون مجلة علمية للأطفال بالاشتراك مع مؤسسة فرانكلين. وظل رئيسًا لتحرير مجلة «الشباب» حتى بلغ الستين، فترك الراية، لكنه استمر في الكتابة، ولم يأخذ إجازة أو يتعلل بمرض، وأقامت «الأهرام» له حفلًا كبيرًا لبلوغه الستين، حضره إبراهيم نافع رئيس مجلس الإدارة، وحمل راية مجلة «الشباب» بعده الصحفي عبد الوهاب مطاوع.

بعد إحالة صلاح جلال إلى المعاش، أنشأ ورأس تحرير ثلاث مجلات، هي: «الناس والطب» التي تصدرها جمعية الأطباء الشبان، ومجلة «التنمية والبيئة» التي يصدرها جهاز شؤون البيئة، ومجلة «الصحفي الإفريقي» التي تصدر بثلاث لغات عن طريق اتحاد الصحفيين الأفارقة.

نقيب الصحفيين دورتين متتاليتين

شارك الصحفي والكاتب صلاح جلال في العمل العام منذ كان طالبًا في كلية العلوم، ونجح في انتخابات اتحاد الطلبة طوال سنوات الدراسة، وكان ممثلًا لاتحاد جامعة القاهرة في اتحاد الجامعات. وبعد عمله بالصحافة، داوم على خدمة زملائه، فاختير سكرتيرًا عامًا لنقابة الصحفيين عام 1971، وعندما رشح نفسه نقيبًا للصحفيين اكتسح الأصوات باقتدار، وأعيد انتخابه باكتساح أيضًا عام 1983.

مشروع الصحفيين لم يكتمل

أعدّ، وهو نقيب للصحفيين، مشروعًا متكاملًا لخدمة الصحفيين، من بينها بناء متكامل يضم النقابة، وتُؤجَّر منه أدوار للمراسلين الأجانب، واستضافة الإعلاميين الزائرين، ليوفر لصندوق النقابة وللصحفيين معاشًا كريمًا، ولكن للأسف لم يخرج المشروع إلى النور حتى اليوم.