ذكرى انتهاء حرب القرم، الصراع الذي أعاد رسم توازن القوى في أوروبا
في مثل هذا اليوم، انتهت واحدة من الحروب التي لم تكن مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل لحظة فاصلة أعادت رسم خرائط النفوذ في أوروبا والشرق معًا. ذكرى انتهاء حرب القرم ليست مناسبة للاحتفاء بنصرٍ صريح بقدر ما هي فرصة لفهم كيف بدأت ملامح النظام الدولي الحديث في التشكل، وكيف خرجت الإمبراطوريات القديمة من هذه الحرب وهي أكثر وهنًا مما كانت عليه قبلها.
ما هي حرب القرم؟
حرب القرم، اندلعت بين عامي 1853 و1856، ولم تكن في جوهرها صراعًا دينيًا أو دفاعًا عن “الأماكن المقدسة” كما رُوِّج لها في البداية، بل كانت صراعًا على النفوذ والممرات البحرية، وعلى من يملك حق الوراثة السياسية لما أطلق عليه آنذاك “الرجل المريض”؛ الدولة العثمانية.
روسيا القيصرية رأت في ضعف العثمانيين فرصة تاريخية للتوسع جنوبًا والوصول إلى المياه الدافئة، بينما نظرت بريطانيا وفرنسا إلى هذا الطموح باعتباره تهديدًا مباشرًا لتوازن القوى الأوروبي ولمصالحهما الاستراتيجية في البحر المتوسط والشرق.
مع اتساع رقعة القتال، تحولت شبه جزيرة القرم إلى مسرح حرب دولية حقيقية، شاركت فيها جيوش نظامية ضخمة، وشهدت لأول مرة استخدامًا مكثفًا للتلغراف والسكك الحديدية في إدارة المعارك، إلى جانب تغطية صحفية شبه يومية نقلت فظائع الحرب إلى الرأي العام الأوروبي، ما شكّل ضغطًا سياسيًا غير مسبوق على الحكومات. كانت تلك واحدة من المرات الأولى التي تصبح فيها الحرب حدثًا إعلاميًا بامتياز، لا مجرد قرار تتخذه العروش بعيدًا عن الشعوب.
انتهت الحرب رسميًا مع توقيع معاهدة باريس، التي وضعت حدًا للتوسع الروسي في البحر الأسود عبر تحييده عسكريًا، وأقرت – نظريًا – احترام استقلال وسلامة أراضي الدولة العثمانية.
لكن هذا “الضمان الدولي” لم يكن سوى مسكن مؤقت، إذ كشفت الحرب هشاشة البنية العسكرية والإدارية العثمانية، وأظهرت في الوقت نفسه أن أوروبا لم تعد تتعامل مع إسطنبول كشريك قوي، بل ككيان يحتاج إلى الوصاية والدعم المشروط.
أما روسيا، فرغم هزيمتها السياسية، خرجت من الحرب بدرس قاسٍ دفعها لاحقًا إلى إصلاحات داخلية كبرى، أبرزها تحديث الجيش وإلغاء نظام القنانة. وبالمقابل، عززت بريطانيا وفرنسا موقعهما كقوتين قادرتين على فرض إيقاع السياسة الأوروبية، ولو إلى حين.