زي النهارده، رحيل الإمام محمد الباقر الذي تحصن بالعلم في زمن الانقسام
في مثل هذا اليوم من عام 743 ميلاديًّا، توفي الإمام محمد بن علي بن الحسين، المعروف بمحمد الباقر، الإمام الخامس لدى الشيعة الاثني عشرية، في مرحلة كانت من أكثر المراحل اضطرابًا في التاريخ الإسلامي، حيث تشابكت الصراعات السياسية مع التحولات الفكرية، وبدأت الأسئلة الكبرى حول الدين والسلطة والمعرفة تأخذ شكلها الأعمق.
لم يكن رحيل محمد الباقر مجرد وفاة شخصية دينية، بل لحظة فاصلة في مسار تشكّل المدارس الفقهية والفكرية داخل الإسلام، خاصة في ظل تراجع منطق السيف لصالح منطق العلم، ولو جزئيًا، بعد عقود من الصدامات الدموية.
من النسب إلى الدور الرئيسي.. إمام في قلب التحولات الكبرى
ولد محمد الباقر عام 676 ميلاديًا في المدينة المنورة، ونشأ في بيت جمع بين نسبين ثقيلين في التاريخ الإسلامي؛ فهو حفيد الإمام علي بن أبي طالب من جهة، وحفيد أبي بكر الصديق من جهة أخرى، ما منحه موقعًا رمزيًا نادرًا في زمن الانقسام الحاد.
وعاصر وهو طفل مأساة كربلاء، وشهد آثارها النفسية والسياسية العميقة على المجتمع الإسلامي، وهو ما انعكس لاحقًا في طريقته الهادئة في التعاطي مع الشأن العام.
واشتهر بلقب “الباقر” لأنه “بقر العلم”، أي شقّه وكشف خفاياه، في إشارة إلى دوره في تنظيم المعرفة الدينية، لا الاكتفاء بنقلها. وفي زمن كان الصراع فيه على السلطة محتدمًا بين الأمويين وخصومهم، اختار محمد الباقر الابتعاد عن المواجهة المباشرة، مفضّلًا تأسيس مدرسة علمية في المدينة، تحوّلت لاحقًا إلى مرجعية لكثير من الفقهاء والمحدّثين.
بين السياسة والعلم.. لماذا كان اختياره مختلفًا؟
جاءت إمامة محمد الباقر في لحظة تراجع فيها الزخم الثوري المسلح داخل البيت العلوي، بعد كلفة بشرية وسياسية باهظة.
ومع تصاعد نفوذ الدولة الأموية، بدا أن الاشتباك المباشر لم يعد خيارًا قابلًا للاستمرار. هنا، قدّم الإمام نموذجًا مختلفًا: مقاومة ناعمة عبر المعرفة، وبناء طويل الأمد عبر التعليم.
أسهمت مدرسته في ترسيخ أسس فقهية وفكرية أصبحت لاحقًا جزءًا من البناء المذهبي للشيعة الاثني عشرية، كما تأثر بها عدد من علماء السنة، ما يعكس أن تأثيره تجاوز الانقسام المذهبي الضيق. لم يكن رجل سلطة، لكنه كان رجل لحظة تاريخية فهم فيها أن إعادة بناء الوعي قد تكون أكثر فاعلية من الصدام السياسي المباشر.
برحيل محمد الباقر عام 743، انتهت مرحلة تأسيسية، وبدأت أخرى أكثر تنظيمًا مع ابنه جعفر الصادق، لكن البذرة الأولى كانت قد زُرعت بالفعل. وهكذا، لم يكن الإمام الخامس مجرد حلقة في سلسلة الإمامة، بل عقلًا تأسيسيًا أعاد توجيه الصراع من ميدان الدم إلى ميدان الفكرة.