فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

ذكرى ميلاد جرامشي، الفيلسوف الذي حكم العالم من السجن

جرامشي، فيتو
جرامشي، فيتو

في مثل هذا اليوم من عام 1891، ولد أنطونيو جرامشي، أحد أبرز فلاسفة القرن العشرين، والرجل الذي نقل فهم السلطة من مؤسسات الحكم المباشر إلى مساحات أكثر تعقيدًا وهدوءًا، حيث تدار المعارك الحقيقية داخل العقول والثقافة اليومية، لا فقط في البرلمانات والثكنات.

 

من جرامشي؟ 

جاء جرامشي إلى العالم في جزيرة سردينيا، إحدى أفقر مناطق إيطاليا آنذاك، في زمن كانت فيه البلاد تعيش تحولات اجتماعية حادة بعد الوحدة الإيطالية، مع فجوة واضحة بين الشمال الصناعي والجنوب المهمَّش، وهذا السياق الاجتماعي القاسي شكل مبكرًا وعيه السياسي، ودفعه لاحقًا للانخراط في الحركة العمالية، ثم الحزب الشيوعي الإيطالي الذي كان من مؤسسيه عام 1921.

ولم يكن جرامشي فيلسوفًا تقليديًّا يعمل من برج عاجي، بل مثقف عضوي بالمعنى الذي صاغه بنفسه؛ أي المثقف المنخرط في الصراع الاجتماعي، الذي لا يكتفي بالتنظير بل يسعى لتغيير الواقع، ومع صعود الفاشية في إيطاليا بقيادة بينيتو موسوليني، كان جرامشي أحد الأصوات المعارضة داخل البرلمان، قبل أن يعتقل عام 1926، في محاولة صريحة – بحسب المدعي العام – لـ«منع هذا العقل من التفكير».

داخل السجن، كتب جرامشي ما عرف لاحقًا بـ«دفاتر السجن»، وهي النصوص التي أعادت صياغة الفكر السياسي الحديث، خصوصًا مفهوم الهيمنة الثقافية، حيث رأى أن السيطرة لا تمارَس بالقوة فقط، بل عبر إنتاج القبول والرضا داخل المجتمع، من خلال التعليم، الإعلام، والدين، والعادات اليومية، وهذا الفهم فسر كيف يمكن لسلطة ما أن تستمر حتى دون قمع مباشر، طالما نجحت في تقديم نفسها باعتبارها «الطبيعي» و«البديهي».

 

إرث جرامشي في السياسة والإعلام والمجتمع المدني 

المثير أن أفكار جرامشي تجاوزت إيطاليا، لتؤثر في دراسات الإعلام، والعلوم السياسية، وحركات التحرر في أمريكا اللاتينية، والنقاشات المعاصرة حول الدولة والمجتمع المدني، ورغم وفاته عام 1937 متأثرًا بسنوات السجن والمرض، بقي حضوره الفكري حيًّا، يستدعى كلما طُرح السؤال القديم الجديد: كيف تدار السلطة، ومن أين تبدأ المقاومة.

 

في ذكرى ميلاده، لا يستعاد جرامشي بوصفه فيلسوفًا يساريًّا فقط، بل كواحد من أبرز من فككوا العلاقة بين القوة والمعنى، وتركوا مفتاحًا لفهم السياسة بوصفها صراعًا على الوعي قبل أن تكون صراعًا على الحكم.