ذكرى قرار 1899، قصة تفكيك وادي النيل وفصل السودان عن مصر
تحلّ اليوم ذكرى واحدة من أكثر المحطات حساسية في تاريخ العلاقة بين مصر والسودان، حين أعلنت بريطانيا عام 1899 فصل السودان إداريًا عن مصر، وتأسيس ما عُرف بـ«السودان المصري الإنجليزي»، في خطوة مثلت تحوّلًا جذريًا في خريطة النفوذ والسيادة داخل وادي النيل، وأرست واقعًا سياسيًا ظلّت تداعياته ممتدة لعقود لاحقة.
أسباب فصل السودان عن مصر
القرار جاء في أعقاب هزيمة الدولة المهدية في السودان، وبعد سنوات من الاحتلال البريطاني لمصر عام 1882، حيث سعت لندن إلى إعادة ترتيب الإقليم بما يخدم مصالحها الاستراتيجية، خصوصًا السيطرة على منابع النيل وتأمين الطريق إلى مستعمراتها في شرق إفريقيا والهند.
ورغم الاحتفاظ بالاسم الثنائي للدولة الجديدة، فإن السلطة الفعلية كانت بيد بريطانيا، التي فرضت نظام الحكم الثنائي كصيغة قانونية لإبعاد السيادة المصرية تدريجيًا عن السودان.
الاتفاق الذي نظّم هذا الوضع، والمعروف باتفاقية الحكم الثنائي، منح بريطانيا اليد العليا في تعيين الحاكم العام وإدارة الشئون العسكرية والمالية، بينما جرى تقليص الدور المصري إلى إطار شكلي.
هذا الترتيب لم يكن مجرد إجراء إداري، بل عكس رؤية استعمارية هدفت إلى تفكيك وحدة وادي النيل ومنع أي مشروع سياسي قد يعيد دمج مصر والسودان تحت سلطة واحدة.
تأثير قرار فصل السودان على المصريين
الخطوة البريطانية واجهت رفضًا واسعًا داخل الأوساط السياسية المصرية، واعتُبرت مساسًا مباشرًا بالسيادة التاريخية لمصر على السودان، وهو ما انعكس لاحقًا في الخطاب الوطني المصري، خاصة خلال ثورة 1919 وما بعدها، حيث ظل ملف السودان حاضرًا بقوة في المفاوضات مع بريطانيا.
في المقابل، أسهم الحكم الثنائي في تشكيل نخبة إدارية سودانية جديدة، وفتح الباب أمام تطور وعي سياسي خاص بالسودان، كان له دوره لاحقًا في مسار الاستقلال.
وبينما يُنظر إلى إعلان «السودان المصري الإنجليزي» كترتيب قانوني مؤقت في حينه، فإنه في الواقع أسس لواقع سياسي جديد، أعاد رسم العلاقة بين البلدين، وترك أثرًا عميقًا في تاريخ المنطقة، لا يزال صداه حاضرًا حتى اليوم.