قصة تأسيس خلافة قرطبة على يد عبد الرحمن الناصر
في عام 929 ميلادية، أعلن عبد الرحمن الناصر في مدينة قرطبة نفسه خليفة للمسلمين، مؤسسًا بذلك خلافة قرطبة، مرحلة جديدة من الاستقرار السياسي والازدهار الثقافي في الأندلس.
وهذا الحدث التاريخي لم يكن مجرد إعلان سياسي، بل كان نقطة تحول أساسية جعلت من قرطبة مركزًا حضاريًا وسياسيًا يتجاوز حدود شبه الجزيرة الإيبيرية.
أسباب تأسيس خلافة مستقلة في قرطبة
عبد الرحمن الناصر، وهو من نسل الأمويين الذين نجوا من سقوط الدولة الأموية في دمشق، استطاع أن يجمع بين الشرعية الدينية والطموح السياسي ليعلن نفسه خليفةً، مؤكدًا استقلال الأندلس عن الخلافة العباسية في بغداد، وعن الفاطميين في شمال أفريقيا. هذا الإعلان لم يكن رمزًا للسلطة فقط، بل أسس لبنية مؤسساتية متكاملة شملت الإدارة، القضاء، الجيش، والمالية، لتضمن استقرار الدولة الوليدة.
قرطبة.. من مدينة إلى إمبراطورية حضارية
مع إعلان الخلافة، بدأت قرطبة تتحول تدريجيًا إلى مدينة عالمية، حيث ازدهرت العمارة، والعلوم، والفنون. تشير المصادر التاريخية إلى أن قرطبة في عهد عبد الرحمن الناصر كانت تحتوي على آلاف المساجد والمكتبات، إضافة إلى نظام إداري متطور يجمع بين القانون الإسلامي والنظم المحلية، وهو ما منح الخلافة قدرة استثنائية على إدارة مجتمع متعدد الأعراق والأديان.
أبعاد سياسية ودينية
إعلان عبد الرحمن الناصر نفسه خليفةً لم يكن خطوة داخلية فقط، بل كان رسالة إلى العالم الإسلامي والعالم المسيحي على حد سواء. فقد أكد استقلالية الأندلس سياسيًا، وأظهر قوة مركزها الحضاري والديني، بما مكّنها من الدفاع عن مصالحها ومواجهة التحديات الخارجية، سواء من أوروبا المسيحية أو من المنافسين في شمال أفريقيا.
إرث ١٠٠٠ عام على نهاية قرطبة
اليوم وبعد أكثر من ألف عام على هذا الإعلان، تُعتبر خلافة قرطبة مثالًا على قدرة القيادة الواعية على بناء دولة مستقرة ومتقدمة، تجمع بين القوة السياسية والحضارية، مع الحفاظ على التعددية الاجتماعية والدينية.
ويمثل عبد الرحمن الناصر نموذجًا للزعيم الذي استطاع تحويل أزمة اللجوء والنكبات إلى فرصة لإنشاء مشروع حضاري استثنائي.