فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

د.أحمد الطيب: يجب فضح خطابات الفتنة والطائفية وتحذير الشباب منها

شيخ الأزهر الشريف
شيخ الأزهر الشريف الدكتور أحمد الطيب، فيتو

حرص الإمام الأكبر شيخ الأزهر الشريف الدكتور أحمد الطيب على تكرار تهنئة الإخوة المسيحيين فى مصر والعالم باختلاف طوائفهم بأعياد الميلاد، مشددًا في حوار مطول مع صحيفة “صوت الأزهر” تزامنًا مع عيده ميلاده الثمانين، على أن “هذه التهنئة تقليد نقوم به كل عام دون غضاضة، أو أى شعور بمخالفة تعاليم ديننا، ولا نفعل ذلك بوصفه إجراءً بروتوكوليًا أو شكليًا؛ فالأزهر يعتز بالعلاقة التى تربط المصريين: مسلمين ومسيحيين، والتى تنبع من الفهم الصحيح للدين”. وأضاف الإمام الأكبر: “قلنا كثيرًا إن التهنئة بالأعياد ليست من باب المجاملة أو الشكليات، وإنما هى تطبيق لفهم واع لتعاليم ديننا الحنيف.. والإعلام بجميع أنواعه هو المسئول عن فتح المجال لتلك الآراء الشاذة كل عام، وقد طالبنا مرارًا بتجاهل تلك الآراء بعد أن فنَّدناها أكثر من مرة، لكن إغراء الأضواء يدفع البعض فى مواسم الأعياد إلى إعادة هذا السِّجال كل عام”. 

علاقة الوحدة والإخاء

“الطيب” أكد أن “علاقة المسلمين والمسيحيين -خصوصًا فى مصر- هى علاقة الوحدة والإخاء، والأخوة التى تمثل الرباط المتين الذى يعوَّل عليه فى مواجهة الصعاب والتحديات، وعلينا أن نعلم أنه لا توجد فى القرآن أديان مختلفة، لكن توجد رسائل إلهية تعبِّر عن الدين الإلهى الواحد، وأن ثمة وحدة تربط نبى الإسلام محمدًا، صلى الله عليه وسلم، بمن سبقه من الأنبياء، وهى الأخوة، والجميع يعرف قول النبى صلى الله عليه وسلم: «أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم فى الدنيا والآخرة، ليس بينى وبينه نبى، والأنبياء أولاد عَلَّات؛ أمهاتهم شتى، ودينهم واحد”.

آراء وفتاوى مغلوطة

وفي شأن إصرار البعض على تصدير الآراء والفتاوى الطائفية فى مثل هذه المناسبات وكأنها جزء من الشريعة أو الفكر الإسلامى، أجاب “الطيب”: “قلت أكثر من مرة إن هذا فكر متشدد لا يمتُّ للإسلام بصلة، وإن «مصر» - وبتأثير من الأزهر الشريف- لم تكن تعرف هذا الفكر قبل سبعينات القرن الماضى؛ ولكن حدث - منذ هذه السبعينات- اختراقات للمجتمع المصرى نالت من المسلمين والمسيحيين معًا، وهيَّأت الأرض لظهور الفتنة الطائفية، وتبع هذا انهيار التعليم الحقيقى، وتشوُّش الخطاب الإسلامى الصحيح، وأصبح الحديث عن الدين أسِيرَ مظهريات وشكليات وتوجُّهات، وكنا نرى عشرات القنوات الفضائية تبث خطابًا إسلاميًا دون أن يتحدث القائمون عليها فى قضية واحدة ذات أهمية أو تستند إلى علم، ولم نسمع مناقشة جادة عن قضية المواطنة مثلًا، أو ما هى فلسفة الإسلام فى التعامل مع الآخر، وبخاصة المسيحيون، والسبب فى ذلك أن معظم المتحدثين غير مؤهَّلين، وليسوا على علم بما يتحدثون فيه، وكانوا يسعون إلى نشر مذاهب يريدون من خلالها تحويل المسلمين إلى ما يمكن أن نسميه «شكليات فارغة من جوهر الإسلام الحقيقى»، وفى محاولة لصناعة ما يمكن تسميته بــ«كهنوت إسلامى جديد»، مشددًا على أن ”من يحرِّم تهنئة المسيحيين بأعيادهم يصطدم -على نحو مباشر بتشريعات الإسلام- فى التعامل مع الآخر، وبخاصة مع المسيحيين، يقول سبحانه وتعالى فى شأن أتباع المسيح عليه السلام: «وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً» [الحديد: 27]. ويقول علماء التفسير فى هذه الآية: إن المسيحيين أهل رأفة ورحمة، وإنهم لا يحملون ضغينة، وإن هذه الصفات مستمرة فيهم إلى يوم القيامة، وهذا الكلام مسطور فى أمهات الكتب التى يدرِّسها الأزهر لطلابه".

مؤامات سياسية

ويسؤاله عما إذا كان ما يقوله في هذا الشأن ناجم عن مواءمات المنصب والسياسة فقط بعيدًا عن المنهج الأزهري، رد الإمام الأكبر قائلا: “على هؤلاء أن يقرأوا مناهج الأزهر أولًا، والدروس التى يدرسها الطلاب الصِّغار الذين نعلِّمهم المواطنة الكاملة باعتبارها أصلًا فى الإسلام يقوم على المساواة الكاملة فى الحقوق والواجبات، ونعلِّمهم أن الأصل فى العلاقة مع غير المسلمين هو البر والإنصاف والتعارف والتعاون، وليس أبدًا علاقة صراع، أو حَمْل الناس على الإسلام بالقوة، أو الإساءة إلى أديانهم وعقائدهم، ونعلِّمهم حق المسيحيين فى بناء كنائسهم وعدم وجود أى موانع شرعية فى الكتاب والسُّنة تمنع ذلك، بل وحق كنائس المسيحيين ومعابدهم فى أن يدافع عنها المسلمون كما يدافعون عن مساجدهم.. ولك أن تقرأ فى ذلك قوله تعالى فى سورة الحج: «وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ» [الحج: 40]، وضعنا ذلك وأكثر فى مناهجنا ووثائقنا وخطاباتنا، فكيف يمكن لمنصف أن يقول إنها خطابات بروتوكولية أو دعائية”.

خطابات طائفية

 وعن كيفية خطورة الاستغراق في خطابات طائفية تستهدف العلاقة بين المسلمين والمسيحيين في مصر، قال شيخ الأزهر الشريف: “بفضح الأهداف الخبيثة لتلك المحاولات المدفوعة والمستغلَّة من جهات مختلفة كلها معادية لاستقرار المجتمع المصرى؛ حيث نجحت فى إدخال أنماط شاذة من التفكير خلت من حكمة الشريعة ومقاصدها العليا فى التعامل مع أهل الأديان الأخرى، فانحرفت بالإسلام عن سماحته، وبالفكر الإسلامى عن وضوحه ونقائه، حتى رأينا ظواهر غير مألوفة ولا مقبولة فى معاملة غير المسلمين. ومن طبيعة هذه المعاملات السيئة أن تتسبَّب فى حدوث فتن وانقسامات واضطرابات بين أبناء الوطن الواحد، وما تلك الفتاوى الخاطئة والمغلوطة التى تمنع المسلم من أن يهنئ جاره أو صديقه المواطن المسيحى، وتحظر عليه أن يشاركه فرحه، أو يعزيه فى مصابه، إلا أداة من أدوات تفتيت المجتمعات وضرب استقرارها فى مقتل”.

نصيحة للشباب

وعن النصيحة التي يقدمها للشباب، خصوصًا الأزهري، للتصدي لمثل هذه الأفكار المغلوطة، قال الإمام الأكبر: “أولًا: ألا يعتقدوا أن مثل هذه الفتاوى جاء بها القرآن الكريم والسنة النبوية المشرفة؛ فالحقيقة عكس ذلك، وعليهم أن يصرفوا عنايتهم وتركيزهم لحُسن المعاملة مع أصدقائهم من المسلمين وغير المسلمين، وأن يحترسوا أشد الاحتراس من أى فكر يدعوهم إلى الإساءة للمسيحيين، أو إلى تكفير المسلمين، أو كراهية الوطن وقادته وجيشه وقوات أمنه؛ فكل هذه الأفكار هى أفكار خارجة عن هَدْى الإسلام وهَدْى رسوله، صلى الله عليه وسلم، وأحكام شريعته التى أمرت المسلم بالإحسان إلى أخيه المسلم، أيًا كان مذهبه فى الفقه أو العقيدة، كما أمرته بالبر والعدل المطلق مع المسالمين من غير المسلمين، أيًا كان دينهم، وأيًا كانت عقيدتهم”.