فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

معركة الكافيار وهياكل الفراخ.. سعر وجبة واحدة للغني يعادل مرتب شهر لمواطن غلبان.. وخبراء: التفاوت الصارخ جدًا في أكل المصريين يعكس غياب العدالة الاجتماعية

الطعام
الطعام

«صعبتوها علينا حتى في الجبنة»، هو تعليق دارج على فيديوهات «أهل إيجيبت» على مواقع التواصل الاجتماعي، التي تعرض من خلالها هذه الفئة إمكانياتها الكبيرة في شراء أفخر أنواع الأطعمة وأغلاها ثمنًا. 

ودائمًا ما تثير الفيديوهات التي تنشرها هذه الطبقة تحت عنوان «طبق رخيص بمكونات موجودة في كل ثلاجة» سخط رواد مواقع التواصل الاجتماعي وسخريتهم، بعد مشاهدة الفيديو واكتشاف أن طبق السلطة مثلًا يحتاج ميزانية لا تقل عن 5 آلاف جنيه لشراء هذه المكونات. 

يعد الجبن مؤشر رفاهيات «أهل إيجيبت» في فيديوهاتهم، مع تفاخرهم باستخدام نوعيات الجبن المستوردة الفاخرة التي تتخطى أسعارها الـ 1500 جنيه في السوق المحلي، مثل جبنة بيكورينو رومانو، وبارميجانو ريجيانو، وبروفولوني دولشي، بينما يتناول غالبية المواطنين أنواع الجبن الشعبي التي تبدأ من 75 جنيهًا، مثل الجبنة القريش، والرومي المحلي بـ 230 جنيهًا.

بخلاف التفاوت في الأطباق الشعبية للبروتين الحيواني، إذ يعتمد غالبية المواطنين على شراء الفراخ البيضاء واللحم المجمد، أما الطبقة الغنية فتعتمد على شراء قطعيات فاخرة وغالية الثمن من اللحوم الحمراء، وعلى البط والديوك الرومي، وحتى الأسماك يعتمد الأغنياء على المأكولات البحرية والسمك الفاخر من السلمون والدنيس والجمبري والكافيار، بينما البلطي هو السمكة الشعبية الأولى على مائدة معظم المصريين.

 خلال السنوات الماضية ظهر التفاوت الكبير بين الطبقات في المأكل والملبس وشراء السلع الأساسية والكمالية، بحسب الدكتور طارق حماد، العميد الأسبق لكلية التجارة بجامعة عين شمس الذي يرى أن معظم أفراد الطبقة المتوسطة دخلوا في نطاق الطبقة الدنيا، وأن معظم الناس رغم ارتفاع الدخل انخفضت القوى الشرائية لديهم، وقلت كمية السلع التي يستطيع المواطن شراءها.

معظم الموظفين وأصحاب الدخول المتدنية لا يستطيعون شراء كل ما يحتاجونه، بحسب الدكتور “طارق”، لذلك يحاول البسطاء التأقلم بالاستغناء أو تقليل الكميات حتى يستطيعوا تلبية احتياجاتهم، بشراء كميات قليلة من الملابس وليس كل موسم، وفيما يخص الطعام، قللت الأسرة متوسطة الدخل من شراء الأكل من خارج المنزل أو تقليل عدد مرات الخروج لتناول الطعام، وعليه فإن متوسطي ومحدودي الدخل يحاولون تقليل استهلاكهم من السلع والخدمات، لكن المواطنين من الطبقات مرتفعة الدخل لديهم القدرة على شراء ما يريدون من سلع وخدمات.

وقال إن التفاوت في جودة الغذاء يدخل ضمن عدم وجود عدالة اجتماعية واقتصادية، إذ يوجد خلل في السوق وفقًا لآليات العرض والطلب، إذ إنه من المفترض مع زيادة المعروض من السلع أن ينخفض السعر، لكن يحدث العكس بأن ترتفع الأسعار مع زيادات الكميات المطروحة منها، كما يوجد لدينا طبقة «شاذة»، مع ارتفاع أسعار السلع تقبل أكثر على شرائها، على الرغم من أنه من المفترض أن يقل الطلب على هذه السلعة، لكن ما يحدث من هذه الطبقة «أن كلما ارتفع السعر تشتري أكثر».

وأشار إلى أن الطبقة الغنية تقبل على شراء «سلع التفاخر»، حيث نجد المواطنين من «أهل إيجيبت» على مواقع التواصل الاجتماعي ينشرون محتويات مثل أنه يؤجر هذا الشاليه بـ «سعر رخيص جدًا وهو 10 آلاف جنيه في اليوم»، أو التفاخر بشراء فطار فول وطعمية بسعر 1200 جنيه، ودخلنا حفلة أقل تذكرة بـ 30 ألف جنيه، والتيشيرت البسيط الذي يرتديه بـ 10 آلاف جنيه، وكلما زاد السعر فإن هذه الطبقة كنوع من التفاخر تقبل على شرائها، حتى يقول الناس عنه إنه غني ويرتدي أفخر الماركات العالمية ويأكل أفضل الطعام، وطالما أن لديه القدرة المادية فحقه أن يشتري ما يريد، لكن هذا الحق ليس مطلقًا، فمن الأخلاق ألا يتفاخر أمام الناس بقدرته المالية الكبيرة على شراء سلع كمالية، وأخلاقيًا يجب أن تدعم طبقات المجتمع بعضها معنويًا وماديًا، فالمواطن يريد حياة بسيطة يستطيع خلالها شراء الأساسيات وتوفير متطلبات حياته، فما هو الداعي لإعلان البعض تكلفة حفلات زفافهم بتكاليفها المليونية، فالمفروض ألا يعلن ذلك حتى لا يثير حفيظة المواطنين الفقراء، وهذا يثير الحقد الاجتماعي والطبقي ويدخل المجتمع في مشكلات مجتمعية، ويزيد شعور التذمر لدى الناس، وتشعر الناس بالإحباط وتقلل من قدرتهم الإنتاجية، وللأسف تظهر الدراما المصرية أن طبقة الأغنياء يعيشون في مستوى وحياة مختلفة تمامًا.

وأوضح أن الحد الأدنى للأجور المطلوبة لمواكبة ارتفاع الأسعار يجب أن يبدأ من 15 ألف جنيه، لكن هناك 3 عوامل مرتبطة ببعضها وهي زيادة الحد الأدنى للأجور وزيادة الإنتاج وزيادة الأسعار، حتى نستطيع تطبيق الحد الأدنى للأجور لـ 15 ألف جنيه، وظلت الأسعار في نفس المستوى، وقتها يستطيع المواطن أن يعيش في مستوى مناسب، لكن المشكلة في حالة رفع الحد الأدنى للأجور دون وجود إنتاج يلبي ارتفاع طلبات الشراء للمواطنين، فإننا سنضطر لطباعة نقود لا يقابلها زيادة حقيقية في الإنتاج أو السلع والخدمات، فلو لم يكن هناك زيادة في الإنتاج تعادل الزيادة في الأجور، فإنه سيحدث ارتفاع في الأسعار مرة أخرى، وسيحدث مثلما حدث في بعض الدول بأن «الفلوس ليست لها قيمة».

ارتفاع أسعار السلع والخدمات

ومن جهته، قال  عبد العزيز السيد، رئيس شعبة الثروة الداجنة بالغرفة التجارية بالقاهرة، إن غالبية المواطنين يواجهون مشكلات في توفير احتياجاتهم الأساسية مع انخفاض الدخل، فهناك طبقات تشتري أدنى طعام، مثل هياكل ورؤوس الدواجن، لأنها غير قادرة على شراء الدواجن مع ارتفاع سعرها في بعض الأوقات، وانخفاض الدخل يحرم المواطن المصري من شراء ما يحتاجه نظرًا لارتفاع أسعار السلع أيضًا، فالأجور لا تتناسب مع الارتفاعات في أسعار السلع والخدمات، فأسعار السلع ترتفع من 20 إلى 30% مقابل الزيادة في الأجور والعلاوات الدورية من 5 إلى 10%.

وأضاف أن فئة كبيرة من المواطنين محرومة من الحصول على الغذاء المناسب والمطلوب للحفاظ على صحة الأبناء، والغذاء المناسب ليس رفاهية بل أساس في حياة الفرد، وبخاصة الأطفال، لأنهم يحتاجون إلى بناء أجسامهم، كما يقال: العقل السليم في الجسم السليم، وهذا يعني ارتباط الصحة البدنية بالعقلية، ولذلك نجد ضرورة قصوى لتوفير غذاء جيد للأطفال، لكن هناك أسر لا تستطيع توفير الغذاء الجديد لأطفالها، وبالأخص من أصحاب الدخول المتدنية.

واستطرد قائلًا: لا توجد طبقة وسطى، فهي نزلت واضمحلت ودخلت في سياق الطبقة الدنيا، وهي من ضمن المشكلات التي تواجه المجتمع.

وقال إن هناك فرقًا كبيرًا جدًا بين الإنفاق الشهري لأعلى شريحة في المجتمع وباقي الطبقات، ونلمس ذلك من خلال ازدحام المواطنين من الطبقات الغنية في المطاعم الفاخرة، التي سعر وجبة فيها يعادل أو يزيد عن مرتب شهري لمواطن من الطبقة الدنيا، التي تحاول أن «تقضي يومها بأي شيء»، فمع غلاء المعيشة وتدني الدخول أصبح المواطنون الذين كانوا في السابق يشترون الدواجن مرتين في الأسبوع يشترون فرخة كل 3 أسابيع، أو يشترون «الأوراك والهياكل».

وأوضح أن أسعار اللحوم الحمراء تعكس الفرق الشاسع بين الطبقات، فأسعار اللحوم الحمراء في المناطق المتوسطة تصل إلى 450 جنيهًا، بينما يشتري المواطنون من الطبقات العليا اللحوم حسب القطعية بأسعار تبدأ من 550 جنيهًا، أما الطبقات الدنية فتحاول شراء اللحوم المجمدة بسعر 280 جنيهًا، أو المدعمة في المجمعات، أي يوجد فرق نحو 50% بين أسعار اللحوم للطبقة العليا والدنيا.

مراعاة محدودي الدخل

وأكد أن هناك فروقًا كبيرة ومتفاوتة بين الطبقات في جودة الغذاء وسعره، والعدالة الاجتماعية لا يمكن تحقيقها لأن الطبقات العليا تعمل في مجالات الاستثمار، وتملك القدرة على شراء ما تحتاجه من رفاهيات، والمواطنون يحتاجون إلى صافي أجر 10 آلاف جنيه حتى يستطيعوا العيش حياة كريمة، ولدينا دعم للطبقات الدنيا وتحاول الحكومة توفير السلع في الشركات القابضة والمجمعات، بنسب تقل عن السوق الحر، في محاولة لتخفيف العبء عن المواطنين.

وأضاف أن نوعية الطعام تختلف من شريحة مجتمعية إلى أخرى وكمياته أيضًا؛ بناء على المدخلات، وفي السنوات الأخيرة وضح جليًا أن المواطن يحاول جاهدًا تكييف احتياجاته وفق مدخوله المادي، وهناك سلع كثيرة جدًا خارج قدرة المواطنين من أصحاب الدخول المتدنية.

وأشار إلى أن هناك اختلافًا في القيمة الغذائية بين من يأكل هياكل الدواجن، وهي مجرد عظام، وغيرهم من الذين يحصلون على نسب عالية من البروتين الحيواني، فضلًا عن تحول البعض لاعتماد البروتين النباتي، فالأسر الأكثر فقرًا تعاني في توفير الطعام الجيد لها، وهي من الأشياء التي تؤثر على الصحة العامة، والدواء مرتفع، فالأفضل توفير الغذاء ونسب البروتين المناسب لبناء الجسم، ومن المهم جدًا مراعاة محدودي الدخل ووضع الحلول لرفع معيشة أفراد الدخل المتدني ليستطيعوا مواكبة التغيرات في الأسعار والجودة ليحيوا حياة كريمة.