فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

بعد 10 سنوات من اتفاق باريس.. هل فشل العالم في كبح التغير المناخي؟ الأزمة في التمويل وعدم تنفيذ التعهدات.. 300 مليون شخص مهددون بالنزوح.. وخبراء: سلوك الولايات المتحدة يشجع على التهرب من الالتزامات

التغير البيئي
التغير البيئي

هل آن الأوان لإيجاد اتفاقية جديدة لـ مكافحة التغير المناخي بدلًا من اتفاق باريس بعد حوالي عشر سنوات من إقراره أو إضافة ملحق للاتفاق يؤكد الزام الدول بتنفيذ إجراءات الاتفاق؟ سؤال أصبح يطرح نفسه داخل أروقة المؤتمرات ومراكز الأبحاث المعنية بملف خفض الاحتباس الحراري بسبب الانبعاثات الكربونية، والتي تسعى لإقناع العالم بأهمية اتفاق باريس الذي يهدف إلى خفض درجة ارتفاع حرارة الأرض إلى ١،٥ درجة مئوية فقط والوصول إلى صفر انبعاثات عام ٢٠٥٠، من أجل إنقاذ كوكب الأرض من ارتفاع درجة حرارته الذي كاد يصل إلى ٥ درجات بسبب الثورة الصناعية وزيادة انبعاث الغازات الضارة مثل الميثان وثاني أكسيد الكربون الناتج في معظمه عن الوقود الأحفوري مثل الفحم والبترول، الأمر الذي يؤدي إلى زيادة الكوارث الطبيعية مثل موجات الحرارة الشديدة والأعاصير والفيضانات وذوبان الجليد وارتفاع مستوى البحار وحرائق الغابات وحمضية المحيطات، وبالطبع فإن كل ذلك يؤدى إلى نقص الغذاء وتلوث البيئة وفقدان الآلاف لحياتهم وموارد رزقهم.

والحقيقة أن اتفاق المناخ التاريخي التي تم التوصل إليه عام ٢٠١٥ في باريس يعد من أفضل الاتفاقيات إلا أنه وبسبب عدم وجود نص إلزامي للدول خاصة الصناعية بتنفيذه وعدم وجود أى عقاب لعدم التنفيذ جعل ذلك الاتفاق عاجزًا عن تحقيق أهدافه بالنسبة للحد من ظاهرة احترار المناخ بالدرجة المطلوبة بسبب فشل المسارات المتبعة في تطبيقه.

وأدى عدم قدرة الدول الأكثر تأثرًا بـ التغير المناخي مثل الدول الإفريقية والدول الجزرية، والتي لم تساهم إلا بنسبة ضئيلة في الانبعاث الكربوني، على الحصول من الدول الصناعية والمتقدمة، التي تسببت في هذه الظاهرة، على التمويل المناسب لمجابهة آثار التغير المناخي بسبب مراوغات الدول الكبرى ورفضها تحمل المسئولية إلى مزيد من الأزمات الاقتصادية والهجرات والنزوح الجماعي وزيادة التطرف بسبب سوء الأوضاع الجغرافية وقلة الطعام وزيادة موجات الحرارة.

ظاهرة الاحتباس الحراري
ويرى عدد من الباحثين أن ظاهرة الاحتباس الحراري على الأرض أصبحت أسوأ وأسرع، جراء الزيادة في حرق الفحم والنفط والغاز الطبيعي الذي ينبعث منه تلوث الكربون الذي يؤدي إلى ظاهرة الاحتباس الحراري العالمي، الأمر الذي ادي الي نظرة البعض لاتفاق باريس كفرصة ضائعة لإنقاذ العالم من الدمار في المستقبل.

جدير بالذكر أن اتفاق باريس للمناخ تم إقراره عام 2015 بهدف الحد من ظاهرة الاحتباس الحراري العالمي عبر إبقاء ارتفاع متوسط درجة الحرارة أقل بكثير من 2 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الصناعة، والسعي للحد منه عند 1.5 درجة مئوية، وذلك من خلال التزام الدول بخفض الانبعاثات، ومراجعة الأهداف كل خمس سنوات، وتقديم الدعم للدول النامية لمواجهة آثار تغير المناخ، وتوفير آلية شفافة للرصد والتقييم. 

ويهدف الاتفاق إلى الحد من الاحترار وإبقاء ارتفاع درجة الحرارة العالمية أقل بكثير من 2 درجة مئوية، والسعي للحد من ارتفاعها إلى 1.5 درجة مئوية (وهو هدف لم يتم تحقيقه) وكذلك يهدف لتعزيز القدرة على التكيف مع الآثار الضارة لتغير المناخ (وهو هدف يواجه صعوبة في تحقيقه).

وأيضا يهدف الاتفاق إلى توجيه التدفقات المالية نحو مسار منخفض الانبعاثات ومقاوم للمناخ، مع التزام الدول المتقدمة بتقديم 100 مليار دولار سنويًا للدول النامية،(وهو الهدف الذي لم يتم تحققه في أي عام منذ إقرار هذا المبدأ)، ومن المفترض أن تقدم كل دولة منضمة للاتفاق تقرير أو المساهمات المحددة وطنيا (NDCs) وهي بمثابة خطة عمل مناخية وطنية محدثة كل خمس سنوات تتضمن أهداف الدول والإجراءات التي ستتخذها لتقليل انبعاثات غازات الاحتباس الحراري من أجل الوصول إلى أهداف اتفاقية باريس.

ومن المفترض أن تزداد طموحًا في كل جولة، وهو مبدأ تلتزم به الدول (وهو ما لم يحدث إلا في حالات قليلة فمعظم الدول تراوح مكانها في هدف خفض الانبعاثات بل إن البعض لا يقدم تقريره في الموعد المحدد بجانب بالطبع انسحاب دول أصلا من الاتفاقية مثل الولايات المتحدة التي انسحبت مرتين في إدارات الرئيس الأمريكي ترامب)، وأيضا يوجد في اتفاق باريس مبدأ التقييم العالمي وهو تقييم جماعي للتقدم المحرز كل خمس سنوات لتشجيع الدول على زيادة طموحها، (وهو أيضا هدف لم يحرز تقدما بالشكل الذي كان مأمولا).

والمعروف أن ١٩٧ دولة انضمت إلى اتفاق باريس في مؤتمر الأطراف في 12 ديسمبر 2015، وقد دخل الاتفاق حيز التنفيذ عام ٢٠١٦، وتدعو اتفاقية باريس البلدان إلى صياغة وتقديم استراتيجيات طويلة الأجل على عكس المساهمات المحددة وطنيًا، فهي ليست إلزامية.

وتوجه بعض المنظمات غير الحكومية المعنية بالبيئة انتقادات لتلاعب الدول الصناعية الكبرى ببنود اتفاق باريس للتهرب من الالتزام بما سبق أن تعهدت به وتؤكد أن ما يفتح مجال التهرب هو أن اتفاق باريس غير ملزم، فعلى النقيض من “بروتوكول كيوتو”٬ وهو آخر اتفاق مناخي كبير أُبرِم في عام 1997، وأفشلته الدول الكبرى بسبب بند الإلزام به، ترك اتفاق باريس الأمر لكل دولة أن تحدد المسار نحو خفض الانبعاثات المتسببة في ارتفاع درجة حرارة الأرض بطريقتها الخاصة، حيث لا يقضي الاتفاق باتخاذ إجراءات أو عقوبات محددة في حالة عدم الالتزام، ولا يضع عقوبات في حالة عدم التزام الدول الغنية بتوفير مليارات الدولارات لمساعدة الدول الفقيرة في التحول إلى اقتصاد صديق للبيئة.

ويرد ممثلو الدول الغنية الصناعية بأن هدف الوصول إلى صفر انبعاثات في ٢٠٥٠ وخفض ارتفاع درجة حرارة الأرض إلى واحد ونصف درجة مئوية هدف مستحيل وغير واقعي.

فحتى في حال احترام الالتزامات بخفض الانبعاثات المتسببة في ارتفاع درجة حرارة الأرض، فإن ذلك سيؤدي إلى ارتفاع حرارة الأرض بحوالي ثلاث درجات مئوية، وهو الأمر الذي سيكون له تداعيات اقتصادية وبشرية خطيرة وبالتالي توجد شكوك عميقة في جدوى الالتزام بـاتفاق باريس للمناخ من الأساس.

وتبقى المعضلة الأكبر وهي توفير التمويل، حيث تتمسك الدول المتقدمة، مثل الولايات المتحدة وبريطانيا واليابان وغيرها بأن تكون الالتزامات طوعية وليست إلزامية، وترفض الالتزام بدفع تعويضات عن “المسؤولية التاريخية” في انبعاثات الكربون، بدءًا من الثورة الصناعية، بل إن الولايات المتحدة انسحبت للمرة الثانية من الاتفاقية، حيث سبق أن انسحب الرئيس دونالد ترامب في ولايته الأولى من الاتفاق وعادت أمريكا في أول عهد الرئيس السابق بايدن إليها ثم كان أول قرار اتخذه ترامب في ولايته الثانية هو الانسحاب من اتفاق باريس مجددا، وبالتالي فأمريكا ليست طرفا في الاتفاق ولن تساهم لأى أموال منذ بداية العام الحالي إلى جانب إيران وليبيا واليمن، ويعود ذلك إلى عدم وجود أي نص باتفاق باريس خاص بالدول المنسحبة.

وبالتالي ينبغي من أجل تقوية الالتزام باتفاق باريس أن يتم إضافة ملحق بإلزام الدول بالتنفيذ، وألا يبقى الانفاق بين الحكومات فقط بل بين القوى الفاعلة في المجتمعات مثل القطاع الخاص ورجال الأعمال والمجتمعات المدنية، والأهم أن لا يستمر ملف التغير المناخي كملف سياسي يتم استخدامه من الدول الكبرى كسلاح اقتصادي وسياسي للضغط على الدول النامية لأن هذا هو العكس تماما من هدف اتفاق باريس، الأمر الذي أدى إلى توجيه البعض أصابع الاتهام لملف التغير المناخي العالمي ووصفه بأنه “سلاح جديد” للمحافظة على هرمية تنموية يقف فيها الكبار في القمة بينما تقف الدول النامية في أسفل الهرم، الأمر الذي يزيد من الشعور بعدم وجود أى عدالة مناخية ويزيد من أزمة الثقة بين الدول الصناعية الغنية والدول الفقيرة في وقت يتعرض فيه كوكب الأرض لأزمة حقيقية نتيجة التغير المناخي العالمي.

دكتور مصطفي كامل وزير البيئة الأسبق، فيتو
دكتور مصطفي كامل وزير البيئة الأسبق، فيتو

إعادة النظر في اتفاقية باريس 

ويرى الدكتور مصطفى كامل وزير البيئة الأسبق أن هناك حاجة بالفعل لإعادة النظر في اتفاقية باريس بسبب عدم وجود أي نوع من أنواع الالتزام لأي دولة، و يوضح أن الاتفاقية في حد ذاتها هي أفضل اتفاقية تم وضعها على مستوى كل الاتفاقيات لمكافحة التغير المناخي، ولكن العيب يكمن في عدم وجود إلزام للدول بتطبيق نصوصها الأمر الذي فتح المجال أمام عدم التزام الدول بالتنفيذ بشكل كامل لما ورد من التزامات في الاتفاقية كلها، وبالتالي فهناك حاجة لوضع تعديل جديد في الاتفاقية أو ملحق لها بضرورة إلزام الدول بالتنفيذ. 

وأشار إلى أنه تم التوصل لاتفاقية باريس بعد مفاوضات وعقد مؤتمرات واجتماعات، وكان هناك إجماع من دول العالم على التوقيع عليها وربما تكون الاتفاقية الوحيدة التي أجمع العالم حولها، ولكن ينقصها مبدأ الإلزام للدول بالتنفيذ، فالإجراءات المطلوب تنفيذها هي إجراءات طوعية ولا يوجد أى نوع من أنواع العقاب الدول غير الملتزمة، فمثلًا الولايات المتحدة انسحبت من الاتفاقية في فترة الرئيس ترامب الأولى ثم عادت في عهد الرئيس بايدن ثم انسحبت في أول يوم لفترة ترامب الثانية، وبالتالي هي نموذج قد تحتذي به دول أخرى بدون أي عواقب وتداعيات تتحملها لعدم الالتزام.

وأضاف أن هدف وضع تمويل مائة مليار دولار سنويا لمساعدة الدول خاصة النامية على التعامل مع التخفيف والتكيف والذي التزمت به كل الدول لم يتم تحقيقه في أي سنة على مدار خمس سنوات.

وأوضح الدكتور مصطفى كامل أن مؤتمرات مناخية عديدة تم عقدها كان آخرها cop 30 في البرازيل والوفود تأتي وتتحدث في نفس الموضوعات بنفس الكلمات، ولكن النتائج ضئيلة بسبب عدم الالتزام من الدول خاصة الدول الصناعية.

وأشار إلى أن إنشاء صناديق للتمويل ليس هو الحل، فكل الصناديق مثل الصندوق الأخضر وصندوق الخسائر والأضرار لا تجد التمويل الكافي من الدول الصناعية والغنية، وقد أقر مؤتمر البرازيل إنشاء صندوق جديد ولكنه ليس الحل الأمثل، بعد أن أصبحت كل تلك المؤتمرات تكرارا لما سبق.

وأضاف أن مؤتمر cop 27 الذي عقد في مصر كان ناجحا وعلامة فارقة في مؤتمرات المناخ ولكن المؤتمرات التي جاءت بعده لم تحقق الهدف منها، مشيرا إلى أن هناك عوامل تؤثر على ضعف التمويل وعدم التزام الدول مثل جائحة كورونا وتأثيرها السلبي على الاقتصاد العالمي والحروب مثل روسيا وأوكرانيا وغزة لها تأثيرها على الاقتصاد العالمي. 

وحول أسباب انسحاب أمريكا من اتفاقية باريس يرى وزير البيئة الأسبق أن إدارة ترامب غير مقتنعة أصلا بفكرة تأثير التغير المناخي على العالم، ولا تريد التخلي عن استخراج الوقود الأحفوري والبترول لعدم تأثر اقتصادها وشركات البترول الأمريكية الكبرى وعدم الرغبة في التحول بشكل كامل على الطاقة الجديدة والمتجددة وإلغاء استخراج الفحم، ولهذا انسحبت الولايات المتحدة مرتين في إدارات ترامب، ولكن هناك دولا لم تنسحب من الاتفاقية ولكنها لا تنفذها بشكل واضح مثل الصين مثلا، فهي لم تتخل عن استخراج الفحم وافتتاح مناجم فحم جديدة واكتفت بتقديم وعد بالتوقف عام ٢٠٦٠، بل إن مؤتمر القمة للدول أطراف معاهدة الأمم المتحدة لمكافحة التغير المناخي cop 30 في البرازيل نوفمبر الماضي لم تحضره أهم ثلاث دول صناعية وهي أمريكا والصين والهند واكتفوا بوفود قليلة المستوى أو مندوبين عنهم، الأمر الذي أضعف المؤتمر ونتائجه.

وأكد أن مصطلح العدالة المناخية لم يتم وضع تعريف واضح له ولهذا تقوم كل دولة بتعريفه بأسلوبها وحسب مصلحتها وايضا لا يوجد تعريف واضح لتمويل المناخ، مما يسمح للبعض بالخلط بين تمويل المناخ وتمويل التنمية، ولهذا فإن الدول الصناعية لا ترغب في تحمل اللوم وأن الثورة الصناعية والتقدم الصناعي يقفان خلف زيادة الانبعاثات الكربونية وبالتالى زيادة درجة حرارة الأرض وزيادة الظواهر المناخية التي تؤثر بالسلب على كافة الدول والإنسانية.

وأشار إلى أن الرئيس عبد الفتاح السيسي ذكر بوضوح في مؤتمر التغير المناخي الذي عقد في شرم الشيخ عام ٢٠٢٢، أهمية الانتقال من الأقوال إلى الأفعال، وقد قامت مصر بخطوات للانتقال إلى الطاقة الجديدة والمتجددة وهي خطوات ربما لم تلتزم بها دول أخرى، وبالتالي هناك حاجة لتسريع الجهود في دول العالم خاصة الدول الصناعية الكبرى لمكافحة التغير المناخي والالتزام بالتمويل المطلوب خاصة أن أكثر الدول تأثرا هي الدول النامية والدول الإفريقية والدول الجزرية. 

السفير وائل ابو المجد مساعد وزير الخارجية، فيتو
السفير وائل أبو المجد مساعد وزير الخارجية، فيتو

احتياج العالم لاتفاقية جديدة

ومن جانبه أشار السفير وائل أبو المجد مساعد وزير الخارجية للمناخ والبيئة والتنمية المستدامة إلى أن اتفاقية باريس لم تصل بالعالم إلى ما كان يصبو إليه في مسألة مكافحة انبعاثات الغازات والتغير المناخي واحتياج العالم لاتفاقية جديدة يعتبر سؤالا يتم طرحه. 

وقال: المشكلة أن الاتفاق قائم على فكرة الإسهامات المحددة وطنيا، وقد كان لدينا اتفاق كيوتو قبل اتفاق باريس ولكنه فشل، بسبب انسحاب الدول الكبرى منه ورفضت أمريكا وغيرها فكرة تحمل مسؤولية التغير المناخي وإجبار الدول على التنفيذ، وبالطبع فإن فكرة القسر أو الإلزام للدول فكرة جيدة ومطلوبة، لكن مع الدول ذات السيادة تصبح صعبة، فمثلا منظمة عصبة الأمم التي كانت موجودة قبل الأمم المتحدة كانت أفضل ولكن تم تغييرها وإنشاء منظمة الأمم المتحدة التي نشأت لتدارك الجوانب السلبية لعصبة الأمم وإنشاء مجلس الأمن الذي يميز الدول النووي والكبرى المنتصرة وهو أحد أسباب استمرار الأمم المتحدة، فأحيانا الواقعية تكون مطلوبة في القضايا العالمية. 

وتساءل السفير وائل أبو المجد هل هناك احتياج لاتفاقية جديدة؟ مضيفا أنه "لن يندهش" إذا تعالت أصوات في القريب تطالب بأداة قانونية أخرى غير اتفاق باريس، ولكن هل هذه الأصوات ستكون كافية للبدء في وضع اتفاق جديد؟ هل لو تم البدأ ستنجح؟ لا أعرف الإجابة بعد، وأعتقد أن تلك الأصوات ستأتي بشكل أكبر من المجتمع البحثي والأكاديمي الذي يبحث ويحلل الوضع ويخرج بنتائج في مسالة التغير المناخي، ولكن هناك نقطة مهمة جدًا فلا بد على المشتغلين المعنيين المؤيدين لمنظومة تغير المناخ والراغبين في نجاحها أن يمارسوا قدر من ضبط النفس فيما يعلنوه من انتقادات لهذه المنظومة.

وأكد أن هناك خيطا رفيعا بين أن أنتقدها بمحاولة تقويم وإصلاح وبين أن أنتقدها بما يؤدي إلى هدمها، ويضيف أنه في حقيقة الأمر فإنه بدون اتفاق باريس كانت الأرض تسير على مسار ارتفاع درجة حرارتها إلى 4.5 إلى 5 درجات مئوية، ولكن اتفاق باريس وضعنا الآن على مسار وصل إلى ارتفاع 2.5 درجة فقط.

واعرب عن أمله في السير على مسار أفضل، ويعترف بأنه لا بد وما زالت هناك حاجة لمزيد من العمل، ولكن أن أقول إن ذلك لم يحقق كل المأمول، ولهذا لا بد من إنهاء اتفاق باريس وإيجاد بديل أمر ليس صحيحا ولا بد من الاعتدال في النظرة للأمور، وأن يكون هناك مجال التقويم والتحسين ويمكن تحسين الاتفاق وأسلوب تنفيذه فالنقيصة الأساسية في أعين البعض هي الجزئية الخاصة بـ الإسهامات المحددة وطنيا، وتاريخيًا هي صيغة بهذا الشكل بناءً عن رغبة الولايات المتحدة تحديدًا، وإدارة الرئيس الأمريكي السابق أوباما كانت ترى صعوبة تمرير اتفاقية فيها إلزام وكانت الفكرة جيدة تسمح بجلب أكبر عدد من الدول الانضمام لها، وقد تحقق لها عالمية الإنضمام، فهذه واحدة من أسرع الاتفاقيات في الوصول للمعدل المطلوب في تاريخ الاتفاقات الدولية للدخول إلى حيز التنفيذ، بسبب أنها تعتمد على الإرادة لكل دولة واحترام سيادة الدول ولو كانت اتفاقية تجبر كل الدول على خطوات فربما لما كان لها القدرة على الحصول على موافقة معظم الدول ويتبقى الالتزام في التنفيذ للاتفاق من الدول. 

ويشير مختصون إلى تحقيق تقدم في العشر سنوات الماضية، حيث أصبحت الطاقة المتجددة الآن أرخص في معظم الأماكن من الفحم والنفط والغاز الطبيعي الملوث، ولكن لا تزال مستويات الميثان في الغلاف الجوي مرتفعة، حيث ارتفعت بنسبة 5.2% من عام 2015 إلى عام 2024، في حين قفزت مستويات ثاني أكسيد الكربون بنسبة 5.8% في الوقت نفسه، وفقا لبيانات الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي. 

كما خفضت عديد من البلدان النامية، وبعض دول العالم المتقدم، انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بنحو 7% منذ عام 2015، لكن بلدانا أخرى شهدت ارتفاع انبعاثاتها، مع ارتفاع انبعاثات الصين بنسبة 15.5% والهند بنسبة 26.7%، وفقا لبيانات مشروع الكربون العالمي.

وأكدت الدكتورة جويلين راسل أستاذة علوم المحيطات والأرض بجامعة أريزونا بالولايات المتحدة لـ فيتو أن ٧٢ % من الكرة الأرضية هي بحار ومحيطات، وأنه لا بد من تغيير أسلوب الحياة على كوكب الأرض، لأن هناك تأثيرات سلبية عديدة للتغير المناخي على الإنسان، وهناك العديد من الضحايا يتعرضون للموت سنويا بسبب ارتفاع درجات الحرارة، وبالتالي فمكافحة الانبعاث الحراري هي مسؤولية الجميع وإلا سيتم تعريض مستقبل الأجيال القادمة كلها للخطر، مشيرة إلي أن الكرة الأرضية تشهد موجات حرارة متعاقبة تزيد من التأثير السلبي على حياة الإنسان، كما تزيد من موجات الجفاف والفيضانات واختفاء الجزر في المحيطات تحت سطح الماء ونحر الشواطئ وتدمير الشعب المرجانية التي تكونت عبر آلاف السنين.

د. جولين راسل استاذة علوم المحيطات والارض بجامعة اريزونا الأمريكية، فيتو
د. جولين راسل أستاذة علوم المحيطات والأرض بجامعة اريزونا الأمريكية، فيتو


 مسؤولية كبيرة على الزعماء السياسيين 

ومن جانبه أكد الدكتور أندريا ماسولو المستشار العلمي لمنظمة جرين أكورد لموقع فيتو أن الإنسان يتجه إلى كارثة قد تؤثر على وجوده في الكرة الأرضية والحضارة الإنسانية، وهناك مسؤولية كبيرة على الزعماء السياسيين خاصة وأن هناك جزرا بأكملها تختفي حاليا تحت سطح المحيطات بسبب ارتفاع مستوى المياه وقد وصلنا إلى نقطة اللاعودة بسبب نقص المياه وفقدان آلاف الهكتارات من الأراضي الزراعية الأمر الذي قد يسبب مجاعات وكل ذلك بسبب التغير المناخي، مؤكدا أن جماعات الضغط التابعة للمستفيدين من استمرار الاعتماد على الوقود الأحفوري وزيادة التلوث والاحتراق والانبعاث الكربوني تضغط بشدة، وللأسف فإن الكوارث المناخية كانت سببا خلف وفاة ٣٠ % من من توفوا في ٢٠٢٣ بسبب الفيضانات وزيادة الأمطار وارتفاع مستويات البحار والمحيطات والجفاف وعدم وجود مياه صالحة للشرب.

وقال الدكتور ماسولو إن المسؤولية تقع على صانعي القرار ورجال الأعمال والمنظمات والإعلام ولا بد من التعاون معا للوصول إلى تحقيق الأهداف الدولية التي تم الاتفاق عليها مثل صفر انبعاثات في عام ٢٠٥٠ ولا بد من تسريع الخطوات ووضع التخطيط السليم والاعتماد على الطاقة الجديدة والمتجددة لأن العالم لا يسير إلى الأمام بالقوة الكافية والمطلوبة. 

وأوضح الدكتور أندريا ماسولو أنه “للأسف لم يتم بذل الكثير من الجهود، وقد دخلنا رسميًا عصر الخسائر والأضرار التي لا يمكن إلا أن يخفف منها التخفيف والتكيف”، موضحا أنه وفقًا لمنظمة إنقاذ الطفولة، فقد عدد الأشخاص الذين فقدوا حياتهم بسبب الكوارث المناخية في عام 2023 بنسبة 30% أكثر مقارنة بالعام السابق. 

وأشار إلى أن ما يقرب من نصف الأشخاص الذين لقوا حتفهم، أو 5326، جاءوا من بلدان مسؤولة عن أقل من 0.1% من الانبعاثات العالمية. 

وقال: “أصبحت الظواهر الجوية المتطرفة متكررة وشديدة بشكل متزايد، كما فقد 500 طفل حياتهم في الفيضانات المدمرة التي وقعت العام الماضي، وتسببت درجات الحرارة التي تزيد عن 50 درجة مئوية في مكة في مقتل نحو 1000 حاج في يونيو الماضي”. 

وأكد الدكتور اندريا ماسولو: إن الوضع الحالي والسيناريوهات التي يتوقعها العلماء والخبراء تحملنا مسؤوليات جديدة تجاه فقراء اليوم تجاه الأجيال القادمة فبحلول منتصف هذا القرن، قد يتعرض 300 مليون شخص، معظمهم من البلدان الأكثر فقرًا، لخطر النزوح الدائم لأسباب بيئية، ولن يحصل 2 مليار شخص على المياه الصالحة للشرب و3.4 مليار شخص يحصلون عليها بشكل متقطع، ويمكن أن يتأثر 171 مليون شخص بارتفاع منسوب مياه البحر بحلول عام 2050.

وقال: “بسبب تغير المناخ، سينضم 25 مليون طفل آخر إلى أولئك الذين يعانون حاليًا من الجوع بحاول ٢٠٥٠”، مشيرا إلى أننا “نشهد تركيزًا سريعًا للدخل، مما دفع أغنى خمس سكان العالم إلى الحصول على أكثر من 74% من الدخل العالمي، وأغنى خمسي سكان العالم لديهم حوالي 89% تحت تصرفهم، مما يترك 11% فقط لدخل العالم. أفقر ثلاثة أخماس. فالخُمس الأفقر من البشر لا يملكون سوى 1.5% من الدخل العالمي”.

أزمة التمويل 

جدير بالذكر أنه تم في عام ٢٠٠٩ الاتفاق على أن تخصص الدول الغنية ١٠٠ مليار دولار سنويا للدول النامية لمكافحة ظواهر التغير المناخي ولكن هذا المبلغ لم يتم جمعه تقريبا ولا سنة على مدار ست سنوات متتالية، كما لم يكن توزيع الأموال عادلا، حيث تذهب نسبة قليلة إلى البلدان المنخفضة الدخل ودول أفريقية على الرغم من أنها الأكثر تأثرا بالتغير المناخي. 

وكانت الدول المنضمة لاتفاق باريس قد اتفقت على إنشاء عدة صناديق مثل الصندوق الأخضر الذي يعمل على توجيه التمويل إلى البلدان النامية لمكافحة تغير المناخ، ويذهب نصف موارده إلى التخفيف من آثار تغير المناخ والنصف الآخر إلى التكيف معه. وكذلك يوجد صندوق الخسائر والأضرار الذي تم إقراره في coo 27 الذي عقد في شرم الشيخ بمصر.

كما اقترح الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش فرض ضرائب على الأرباح غير المتوقعة من الوقود الأحفوري كأحد الخيارات أو اعتماد مقايضات الديون، حيث يتم الإعفاء من الديون الحالية بحيث يمكن استخدام الأموال للاستجابات المناخية، كخيار آخر وكذلك اقترح مؤتمر cop 30 الذي عقد في مدينة بيليم بالبرازيل إنشاء صندوق جديد للتمويل.

اتفاقيات أخرى لمكافحة التغير المناخي

جدير بالذكر أن هناك عدة اتفاقيات لمكافحة التغير المناخي ومنها بروتوكول مونتريال لعام 1987 واتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ لعام 1992 والمعروفة باسم UNFCCC
والتي أنشأت منتدى سنويًّا، يُعرف باسم مؤتمر الأطراف أو "كوب COP"، من أجل تحفيز المناقشات الرامية لوضع الوسائل الكفيلة بخفض تركيز غازات الاحتباس الحراري في الغلاف الجوي، مما أسفر في وقت لاحق عن التوصل إلى بروتوكول "كيوتو" عام ٢٠٠٥، و"اتفاق باريس" عام ٢٠١٥. 

ولكن بسبب إخفاق دول العالم عن تنفيذ بعض أهداف اتفاق باريس فهناك عدة بدائل ومنها إضافة ملاحق لاتفاق باريس بإلزام الدول بالتنفيذ كما يدعو البعض إلى إنشاء "نوادي المناخ"، وهي فكرة دافع عنها عالم الاقتصاد "ويليام نوردهاوس"، ومن شأنها معاقبة الدول التي لن تفي بالتزاماتها تجاه اتفاقية "باريس" أو تلك الدول التي لن تنضم إليها. 

ومن جهة ثانية، يرى البعض أنه حان الوقت لصياغة اتفاق جديد يتلافى سلبيات اتفقا باريس أو لاستكماله، كما اقترح الرئيس البرازيلي سيلفا دي لولا في قمة بليم بالبرازيل cop 30 والتي لم تشارك فيها أمريكا ولا الصين ولا الهند بوفود عالية المستوى إنشاء مجلس مناخي تابع للأمم المتحدة لتعزيز التنفيذ لاتفاق باريس والمساءلة للدول غير الملتزمة.

ويؤكد الواقع الحالي أن الأمر يحتاج لوقفة أقوى لإنقاذ الأرض بعد أن اقتنعت معظم دول العالم بخطورة التغير المناخي على كوكب الأرض وبعد أن أدى مستوى المرونة المطروح في اتفاق باريس إلى محاولة بعض الدول الصناعية تفريغه من مضمونه وعدم الالتزام به وتصلب مواقف بعض الدول فيما يخص تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري.

كما أن هناك حاجة لإدخال القطاع الخاص المحلي والعالمي والمجتمعات المدنية في الاتفاقية الجديدة وإلزام شركات النفط العالمية بالحد من الانبعاثات، ويقترح البعض إنشاء أندية مناخية تتكون من حكومات وشركات ومجتمعات مهتمة بسياسات محددة مثل الأمن الغذائي وحماية الأطفال من آثار المناخ.

ويقترح آخرون السماح بالتقاضي المناخي لمحاسبة الحكومات على عدم التزامها بتنفيذ اتفاق باريس وذلك حتى لا تصبح مؤتمرات التغير المناخي سواء cop 31 القادم في تركيا هذا العام أو الذي يليه في اثيوبيا وcop 32 في الهند عام ٢٠٢٨، مكانا للحديث فقط بدون ضغوط حقيقية لتنفيذ ما يتم الاتفاق عليه خاصة من جانب الدول الصناعية الغنية في حين تتحمل دول جنوب الكرة الأرضية والتي لم تساهم في أزمة التغير المناخي معظم تداعيات الأزمة.