فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

مرقس سميكة باشا.. الرجل الذي أنقذ التراث المسيحي في مصر.. 16 ألف قطعة أثرية داخل المتحف القبطي.. مخطوطات وأيقونات ترسم ملامح الكنائس القديمة

المتحف القبطي
المتحف القبطي

قبل أن تدخل المتحف القبطي في مصر القديمة، لا تستقبلك قاعة عرض، بل مدخل له هيبة التاريخ. بوابة تعلوها زخارف قبطية، وأسود حجرية رابضة في صمت، تحرس المكان لا لتخيف، بل لتُعلن أنك تعبر من الشارع إلى الذاكرة. في الساحة الأمامية، يقف تمثال رجل بملامح صارمة ونظرة بعيدة: مرقس سميكة باشا، مؤسس المتحف، وحارس التراث القبطي الأول.

مرقس سميكة باشا رجل قرر أن الذاكرة لا تُترك للصدفة

لم يكن إنشاء المتحف القبطي عام 1908 قرارًا إداريًّا، بل مشروع إنقاذ. مرقس سميكة باشا، أحد أبرز الشخصيات القبطية في مطلع القرن العشرين، أدرك مبكرًا أن التراث القبطي يتعرض للتفكك: قطع تُهمل في الكنائس، مخطوطات مهددة بالضياع، وأعمال فنية تُباع أو تُنقل بلا توثيق.

لم ينتظر دعمًا رسميًّا كاملًا، بل بدأ بمبادرة شخصية، مستندًا إلى شبكة علاقاته وإيمانه بأن الفن القبطي ليس شأنًا طائفيًّا، بل جزء أصيل من تاريخ مصر. تمثاله عند المدخل ليس تكريمًا شكليًّا، بل تذكير بأن المتحف نفسه فعل مقاومة ضد النسيان.

بوابة الأسود حماية الرمز قبل حماية الحجر

الأسود الحجرية على بوابة المتحف ليست زينة معمارية. في الوعي المصري القديم، كان الأسد رمزًا للحراسة والقوة، وفي الفن القبطي تحوَّل إلى دلالة على حماية المقدس. اختيار هذا الرمز عند المدخل يؤكد فكرة مركزية: ما بالداخل كنز يجب حمايته.

المدخل نفسه يعكس فلسفة المتحف: عمارة تستلهم الكنائس القبطية القديمة، بزخارف خشبية ونقوش حجرية، لا تبحث عن الفخامة بقدر ما تسعى إلى الثبات. هنا، العمارة ليست إطارًا، بل جزء من السرد.

أقدم وأكبر متحف قبطي في العالم

يُعد المتحف القبطي في مصر القديمة أقدم متحف أُنشئ خصيصًا للفن والآثار القبطية في العالم، وأكبرها من حيث عدد القطع وتنوعها. يمتد مجمع المتحف على مساحة تقارب ثمانية آلاف متر مربع، ويضم مبنى تاريخيًا أنشأه مرقس سميكة باشا، وآخر حديثًا أُضيف لاحقًا.

يعرض المتحف مجموعاته عبر طابقين رئيسيين، موزعة على أقسام زمنية وموضوعية، تضم ما يقرب من ستة عشر ألف قطعة أثرية، تغطي الفترة من القرن الأول الميلادي وحتى بدايات العصر الإسلامي.

القاعات والأقسام رحلة عبر الزمن والموضوعات

المتحف القبطي يُنظَّم على طابقين رئيسيين، ويضم مجموعة من القاعات المتخصصة التي تسمح للزائر بمتابعة تطور الثقافة القبطية والفن المسيحي المصري بطريقة زمنية وموضوعية. كل قاعة تمثل مرحلة محددة أو مادة فنية، وتتواصل مع القاعات الأخرى في سرد متكامل:

قاعة الرهبنة: بداية الرحلة، حيث تُعرض أيقونات الرهبان، أدوات الزهد، ومخطوطات الرهبان الأوائل. هنا يتعلم الزائر كيف بدأت الهوية القبطية في الصحراء وكيف تحوّلت العزلة إلى حركة روحية عالمية.

قاعة المخطوطات: تحتوي على النصوص القبطية واليونانية والعربية، بما في ذلك المخطوطات النادرة، وتبرز دور الأقباط كحماة للمعرفة خلال العصور القديمة والمتوسطة.

قاعة الأيقونات: تقدم الأيقونات القبطية بطريقة تسمح للزائر بفهم فلسفة الفن المسيحي المصري، حيث التركيز على الروحانية والتواصل مع العالم الخارجي، لا مجرد الجماليات.

قاعة النسيج: تشمل قطعًا من الأقمشة والملابس والأكفان المطرّزة، التي كانت تعكس الحياة اليومية للفئات المختلفة، مع زخارف نباتية وحيوانية تعبّر عن ثقافة الشعب القبطي.

قاعة الخشب: تضم أبواب الكنائس، حواجز الهيكل، ومنابر خشبية محفورة بدقة، تُظهر مهارة الصانع القبطي والتأثيرات الفنية المتبادلة مع الحضارات المحيطة.

قاعة الحجر والعمارة: تعرض تيجان الأعمدة، شواهد القبور، الصلبان الحجرية، وتوضح أساليب البناء البسيطة لكنها ذات دلالة رمزية على صمود الكنيسة القبطية في وجه التاريخ.

قاعة الأدوات والطقوس: تعرض الأدوات الطقسية المستخدمة في العبادة اليومية، مثل أواني المذبح والصلبان المحمولة، ما يجعل الزائر يشعر بتقارب بين العبادة اليومية والطقوس الاحتفالية.

هذه القاعات مجتمعة تجعل من المتحف رحلة تعليمية وبصرية، تربط بين الفن والديانة والتاريخ، وتُظهر كيف استطاع التراث القبطي أن يحافظ على هويته عبر آلاف السنين.

من الرهبنة تبدأ الحكاية

اختيار أن يبدأ المتحف بقسم الرهبنة ليس صدفة. الرهبنة المصرية هي أعظم ما قدمته الكنيسة القبطية للعالم. من صحراء مصر خرجت فكرة العزلة المنظمة، التي انتقلت لاحقًا إلى أوروبا.

يعرض هذا القسم أدوات نسك بسيطة، أيقونات للقديسين الأوائل، ومخطوطات تؤرخ لحياة اختارت الفقر والزهد كطريق للإيمان. هنا، يتضح أن الهوية القبطية تشكّلت في الصحراء قبل أن تُبنى في المدن.

المخطوطات والأيقونات الكلمة والصورة وجهان لذاكرة واحدة

في قاعات المخطوطات، يحتفظ المتحف بنصوص نادرة مكتوبة بالقبطية واليونانية والعربية. هذه المخطوطات لا توثق العقيدة فقط، بل تكشف دور الأقباط في حفظ المعرفة خلال عصور التحول السياسي والديني.

أما الأيقونات، فهي ليست لوحات تزيينية. الوجوه الأمامية، العيون الواسعة، وغياب المنظور الواقعي كلها اختيارات فنية تعكس رؤية لاهوتية: القديس خارج الزمن. الأيقونة هنا نافذة، لا مشهدًا.

النسيج والخشب الفن الذي عاش مع الناس

من أبرز أقسام المتحف، قسم النسيج القبطي، حيث تظهر قطع قماش كانت جزءًا من الحياة اليومية: ملابس، أكفان، وستائر. الزخارف النباتية والحيوانية تكشف كيف نزل الفن من الكنيسة إلى الشارع.

وفي قسم الخشب، تظهر أبواب الكنائس وحواجز الهيكل المحفورة بدقة مذهلة. هنا، يمكن ملاحظة التأثيرات الإسلامية في الزخرفة الهندسية، في دليل على تجاور حضاري لا صراع.

كيف يحكي المتحف التاريخ القبطي… وتاريخ مصر؟

المتحف القبطي لا يروي قصة طائفة معزولة، بل قصة مصر في مرحلة انتقالية حاسمة. من خلال القطع المعروضة، نرى كيف تفاعلت الهوية المصرية مع التأثيرات الفرعونية، اليونانية، الرومانية، ثم الإسلامية.

بهذا المعنى، المتحف ليس نهاية حكاية، بل حلقة وصل بين العصور.

المكان ومواعيد الزيارة

يقع المتحف القبطي في قلب مجمع الأديان بمصر القديمة، بجوار الكنيسة المعلقة وحصن بابليون. يفتح أبوابه يوميًا عادةً من التاسعة صباحًا حتى الخامسة مساءً، مع اختلافات محتملة في بعض المواسم.

 تمثال يحرس الفكرة

عند الخروج، تعود لترى تمثال مرقس سميكة باشا مرة أخرى. تدرك حينها أن الرجل لم يؤسس متحفًا فقط، بل أسّس ذاكرة مؤسسية للتراث القبطي. وبين أسود البوابة وصمت القاعات، ينجح المتحف القبطي في أداء مهمته الأصعب: أن يحكي تاريخ مصر من زاوية لم تُحكَ بما يكفي… دون أن يرفع صوته.