فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

"ذا جارديان": ترامب يعلن "الحرب الحضارية" على أوروبا، ولا أحد يعلم كيفية الرد

الرئيس الأمريكي دونالد
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فيتو

نشرت جريدة "ذا جارديان" البريطانية مقال رأي كتبه الباحث في مركز السياسة الأوروبية بول تايلور، حذرت فيه من أن استراتيجية الأمن القومي الأمريكي الجديدة تمهد الطريق أمام شن هجوم متواصل على القيم الديمقراطية الأوربية، مدفوعة بسياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والذي وصفته بأنه "أعلن الحرب الحضارية على أوروبا".

ويشير مصطلح "الحرب الحضارية" أو "صراع الحضارات" إلى أن الصراعات المستقبلية الكبرى لن تكون بين الدول القومية والمصالح المادية، بل بين مجموعات ثقافية ودينية مختلفة حول الهويات والقيم، وقد اشتهر المصطلح بعد الحرب الباردة خاصة مع نظرية السياسي الأمريكي الراحل صمويل هنتنجتون التي تنبأت بهذا النوع من الصراعات.

وغداة هجمات 11 سبتمبر 2001 التي ضربت الولايات المتحدة، استدعت وسائل الإعلام الأمريكية نبوءة هنتنجتون عن صدام الحضارات، وشرعت عقب خطاب جورج بوش "الابن"، الذي أعلن فيه عن بدء الحرب الصليبية ضد محور الشر، بالإعلان عن بدء عصر الحروب الحضارية بعد عصر الحرب الباردة.

ترامب يوجه انتقادات صارخة لأوروبا

تزامن نشر المقال مع هجوم شنه الرئيس الأمريكي على قارة أوروبا، متهما إياها باتخاذ مسارات وصفها بالخطرة، وذلك بعد أيام قليلة من نشر استراتيجيته الأمنية، والتي حملت انتقادات صارخة للقارة الأوروبية بأكملها بسبب قضية الهجرة.

وندد ترامب خلال حديثه للصحفيين، بالغرامة التي فرضها الاتحاد الأوروبي، بنحو 140 مليون دولار، على منصة التواصل الاجتماعي إكس التي يمتلكها رجل الأعمال الشهير إيلون ماسك، قائلا: "أوروبا تسير في اتجاهات خطِرة، وهذا أمر بالغ السوء، وسيئ جدًّا لشعوبها. نحن لا نريد لأوروبا أن تتغير إلى هذا الحد وهم ينحون مناحي سيئة جدًّا".

واشنطن تستدعي "صراع الحضارات" و"نهاية التاريخ" 

يقول تايلور: "بعد ثلاثة عقود من إعلان الفيلسوف السياسي الأمريكي فرانسيس فوكوياما نهاية التاريخ و"عولمة الديمقراطية الليبرالية الغربية باعتبارها الشكل النهائي للحكومة البشرية، يتعرض النموذج الديمقراطي للهجوم في أجزاء كثيرة من العالم، وخاصة هنا في أوروبا؛ ويبدو أن الشعبويين العازمين على إضعاف سيادة القانون، والتراجع عن حماية حقوق الإنسان، وإخضاع القضاء والصحافة المستقلة، يجري تضخيمهم من خلال خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي التي تشجع الغضب والاستقطاب حول الخطاب العقلاني.

ويتابع: "لقد حصلوا الآن على تفويض من إدارة ترامب، التي أعلنت فعليا الحرب الحضارية على الاتحاد الأوروبي وقيمه من خلال استراتيجية الأمن القومي الأمريكية الجديدة.

وفي الوقت نفسه، فإن الفشل المتزايد لديمقراطيات السوق لدينا في توفير الإسكان الميسر، والتعليم الجيد والرعاية الصحية الشاملة، وأمن التوظيف ــ وهو ما أسماه الخبير الاقتصادي جوزيف ستيجليتز "حالة طوارئ عدم المساواة"ــ يؤدي إلى كراهية عديد الشباب وأفراد الطبقة العاملة من الديمقراطية، ويغذي صعود النزعات المعادية لليبرالية والاستبداد.

الفاشية التكنولوجية تشكل خطرا على نظام الحكم في أوربا

يقول تايلور: "إن الجمع بين سياسات الهوية القائمة على المظالم وما يسميه البعض الفاشية التكنولوجية يشكل خطرا على نظام الحكم الديمقراطي لدينا. فهو يمزق نسيج سياساتنا الليبرالية، ويعكس حقوق المرأة والمثليين، ويخفف من تدابير حماية العمالة والرعاية الاجتماعية التي تشكل جزءا من العقد الاجتماعي في أوروبا".

وفي الأشهر الـ12 الماضية فقط، قوض أعداء الديمقراطية الليبرالية نزاهة الانتخابات، وأضروا بقدرة الحكومات على تنفيذ السياسات القائمة على الأدلة بشأن قضايا مثل تغير المناخ والتطعيم، وأضعفوا دور الهيئات الرقابية مثل المحاكم والهيئات التنظيمية الرقمية وسلطات مكافحة الفساد.

وقد جرى تحديد مجموعة من الاقتراحات حول كيفية الرد على استراتيجية ترامب في المؤتمر السنوي لمركز السياسة الأوروبية في بروكسل الأسبوع الماضي. لكن كل واحد منهم محفوف بالصعوبة.

يتمتع الاتحاد الأوروبي بسلطة فرض غرامات على عمالقة التكنولوجيا الأمريكيين

يرى كثير من الناس أن الاتحاد الأوروبي والسلطات الوطنية الرئيسية مثل هيئة تنظيم الاتصالات في أيرلندا يجب أن تعمل على تسريع إنفاذ القوانين الرقمية الحالية في الاتحاد الأوروبي. ويتمتع الاتحاد الأوروبي بسلطة فرض غرامات على عمالقة التكنولوجيا في الولايات المتحدة بسبب فشلهم في تخفيف وإزالة المحتوى غير القانوني، والكشف عن خوارزمياتهم للباحثين والمنظمين، وحماية البيانات الخاصة للمستخدمين الأوروبيين.

وبالنسبة للبعض، وخاصة اليسار، فإن مفتاح الحفاظ على الديمقراطية الليبرالية هو تلبية احتياجات الناس الأساسية من السكن بأسعار معقولة، ووظائف جيدة الأجر، وخدمات عامة فعالة،ـ مؤكدين أن السبب الرئيسي وراء صعود اليمين المتطرف واليسار الراديكالي، وجاذبيتهم للشباب والعمال الصناعيين المسنين، هو فشل أحزاب يسار الوسط ويمين الوسط السائدة التي حكمت لعقود من الزمن في الوفاء بهذه القضايا.

المفوضية الأوربية تتصدى لتهديدات "جوجل" و"تيك توك" و"إكس"

يضيف تايلور: أصدرت المفوضية الأوروبية سبع قرارات ضد عمالقة التكنولوجيا مثل "أبل" و"ميتا" و"جوجل" و"تيك توك"، واتهمت المفوضية تلك الشركات بانتهاك قواعد التكنولوجيا في الاتحاد الأوروبي بشأن قضايا مثل حرمان الباحثين من الوصول إلى بيانات المنصات، والقدرة على إخطار المحتوى غير القانوني وتحدي قرارات الاعتدال. وكان آخر إجراء اتخذته هو فرض غرامة قدرها 120 مليون يورو على منصة "إكس"، لأنها جعلت المستخدمين يدفعون مقابل مصادقة العلامة الزرقاء دون إجراء أي تحقق فعال؛ حيث اختارت عديد شركات التكنولوجيا الأمريكية أن تتخذ مقرها الرئيسي في أوروبا، وتعيين أحد أعضاء جماعات الضغط السابقين في "ميتا" –على سبيل المثال- كواحد من أكبر ثلاثة منظمين لحماية البيانات.

ويختتم الكاتب البريطاني مقاله قائلا: قد يكون هناك أمل في إنقاذ الديمقراطيات الليبرالية في أوروبا، ولكن في الوقت الحالي يبدو أن المد يتدفق بقوة في الاتجاه المعاكس.