الجامع الأموي في حلب وأسماؤه وسر بنائه
الجامع الأموي في حلب من أشهر مساجد سوريا، يقال إنه صالح المسلمون أهل حلب على موضع الجامع الأموي بحلب يوم الفتح، وكان موقعه حديقة كنيسة الروم القديمة التي بنتها هيلانة أم قسطنطين.
وقالوا: إنه كان يضاهي جامع دمشق بالزخرفة والرخام والفسيفساء، وإن سليمان بن عبد الملك هو الذي بناه وتأنق في بنائه ليضاهي به ما عمله أخوه الوليد في جامع دمشق. وقيل: إن بانيه الوليد نفسه، وإن بني العباس نقضوا ما كان فيه من الرخام والآلات ونقلوه إلى جامع الأنبار في جملة ما نقضوا من آثار بني أمية بالشام.
وعاصر الجامع الأموي بحلب أحداثا ووقائع وحروبا عاشتها منطقة الشام، ورممه سلاطين وأمراء، وتعرض لحرائق وعمليات تخريب، حيث أسقطت مئذنته التاريخية وأحرقت جنباته.

أسماؤه
تشير مصادر تاريخية إلى أن الخليفة الأموي سليمان بن عبد الملك هو الذي أمر ببنائه، فيما تشير مصادر أخرى إلى أن الوليد بن عبد الملك هو الذي قام بذلك، ولذلك أطلق عليه المسجد الأموي، كما يحمل كذلك اسم جامع زكريا بسبب روايات غير ثابتة تزعم أن قطعة من جسد النبي زكريا عليه الصلاة والسلام موجودة فيه.
عمارة المسجد الأموي بحلب
أقيم الجامع الأموي على مساحة أرض طولها 105 أمتار من الشرق إلى الغرب، وعرضها نحو 77.75 مترا من الجنوب إلى الشمال، وللمسجد أربعة أبواب، شمالي قرب مكان المئذنة، وغربي يطل على شارع المساميرية، وشرقي ينفذ إلى سوق المناديل، وجنوبي قرب سوق النحاسين، وكان للمسجد صحن واسع محاط بأروقة ثلاثة.
في أيام الملك الظاهر بيبرس كان المحراب الأصفر للحنابلة، والمحراب الكبير للشافعية، والمحراب الغربي للحنفية، أما الشرقي فكان للمالكية.
ويقول العارفون بالآثار: إن بناء الجامع الحالي قد قام على الصورة التي عملت عليه زمن سابق بن محمود من بني مرداس على يد القاضي ابن الخشاب، وإن في أسفل المنارة كتابة تاريخها سنة 483 ذكر فيها اسم ملكشاه وابن الخشاب، وفي جهة أخرى ذكر اسم تتش أخو ملك شاه، ويستدل من مجموع البناء، وليس في جدرانه من كتابة مزبورة، أن هذا الطراز قديم صمد على مر السنين.
ومحرابه من عهد قلاوون والمنبر من عهد الناصر محمد، ويرد عهد الباب الأوسط للحرم إلى أوائل زمن المماليك وإن كانت فيه كتابات أحداث من عهد السلطان مراد الثالث 996.
وأسس المنارة المربعة ذات الخمس طبقات القاضي ابن الخشاب، وهي منقوشة أبدع نقش وهي بما كتب عليها من الكتابات الكوفية والنسخية المثال الوحيد من الهندسة الإسلامية.
ووصف ابن جبير في القرن السادس جامع حلب بقوله: وهذا الجامع من أحسن الجوامع وأجملها، وقد أطاف بصحنه الواسع بلاط كبير متسع مفتح كله أبوابًا قصرية الحسن إلى الصحن عددها ينيف على الخمسين بابًا، فيستوقف الأبصار حسن منظرها، وفي صحنه بئران معينتان، والبلاط القبلي لا مقصورة فيه، فجاء ظاهر الاتساع رائق الانشراح.

أحداث تاريخية
حين جاء الروم حلب أحرقوا الجامع والبلد فرمم بعضه سيف الدولة ثم ابنه سعد الدولة، وأحرقته الإسماعيلية مع الأسواق التي حوله، فعمره نور الدين زنكي وقطع الأعمدة الصفر من بعادين ونقل إليه عمد مسجد قنسرين، وأحرقه الأرمن أيام كانوا محالفين للتتار.
وعمره قراسنقر وبنى فيه غيره بعض جهات منه مثل الأمير ألطون بغا الصالحي نائب حلب والأمير يشبك اليوسفي.
وأحرقه إمبراطور الروم، قبل أن يأمر الأمير سعد الدولة بإصلاحه.
وتعرض المسجد لحريق كبير لم تتضح أسبابه، واجتهد الملك نور الدين زنكي في إصلاحه وترميمه وزيادة مساحته، وقطع له أعمدة صفراء من بعاذين (من قرى حلب).
وحينما استولى التتار بقيادة هولاكو على حلب أحرقوا الجامع ودمروا المدينة، وذلك مباشرة بعدما خربوا بغداد ودمروها، ومع مجيء المماليك تذكر المصادر التاريخية أنهم منحوا اهتماما ملموسا للمسجد، حيث رمم المسجد وزين بالنقوش والزخارف الإسلامية، كما بني محراب يشير إلى اتجاه القبلة، وأمر السلطان الناصر محمد بن قلاوون بتشييد المنبر الجديد أو ما يطلق عليه منبر الواعظ.
ومع اندلاع الثورة السورية في 2011 دمرت الأسواق المغطاة المحيطة بالمسجد في المعارك بين قوات النظام ومقاتلي المعارضة، لكن ورغم الأضرار الجسيمة لم تتأثر وقتئذ أجزاء كبيرة منه.
ولاحقا - ومع استمرار القصف- تعرض مصلى النساء أثناء المعارك لعملية حرق كاملة، فيما لم يتعرض مقام النبي زكريا في تلك الفترة للتدمير، واختفت منه بعض آثار الرسول صلى الله عليه وسلم، ومنبر الخطيب وهو الثاني من نوعه في العالم الإسلامي، حيث يوجد الأول في القدس.
وتعرض الجامع الأموي لكارثة محققة بعد إسقاط المئذنة بسبب القصف، حيث بادرت قوات النظام السوري إلى اتهام المعارضة المسلحة بهدمها، فيما نفت المعارضة مسؤوليتها، مؤكدة أن النظام هو المتورط. وكانت المئذنة فريدة من نوعها على مستوى المعمار، وقد وصف عالم الآثار إرنست هرتسفلد النمط المعماري للمئذنة بأنه نتاج حضارة البحر المتوسط.
وتشير المصادر السورية إلى أن ارتفاع المئذنة كان قد وصل إلى 54 مترا، ورممت وأدخلت عليها تحسينات أكثر من مرة، واعتبرت نموذجا لتطور الهندسة في العهدين الأيوبي والمملوكي تحديدا.