الجدران والسراديب ترفض النسيان.. بيت ريا وسكينة في حي اللبان يتحول من مسرح لأبشع جرائم القرن إلى أشهر مزار سياحي في قلب الإسكندرية
في زقاق ضيق بحي اللبان الشعبي في الإسكندرية، يقف منزل صغير يحمل على جدرانه المتآكلة ذكريات من أحلك فصول الجريمة في تاريخ مصر الحديث. هذا هو بيت ريا وسكينة، المكان الذي شهد جرائم صدمت المجتمع المصري في بدايات القرن العشرين، والذي تحول بمرور الوقت من موقع رعب إلى مزار سياحي يجذب الفضوليين من جميع أنحاء العالم العربي.
شهادات من قلب التاريخ
“عرفت من أهلي أن هذا المنزل كانت تسكنه ريا وسكينة، لكنهم لم يحكوا الكثير عن التفاصيل”، يروي متولي محمد عبد العال، البالغ من العمر 70 عامًا، والذي قضى حياته في هذا الحي. يضيف بنبرة تحمل مزيجًا من الحنين والدهشة: “الحقيقة عرفناها من المسلسل الذي عرض قصتهم كاملة. بعد القبض عليهم وخروج الجثث من البيت، تم تأجير المنزل لفترة، وكنت في طفولتي ألعب داخله مع أبناء الجيران بشكل عادي”.




هذه الشهادة تكشف عن جانب مثير في قصة المنزل، فعلى الرغم من الجرائم البشعة التي شهدتها جدرانه، لم يكن السكان المحليون يشعرون بالخوف أو الرهبة تجاهه. بل كان جزءًا طبيعيًا من حياتهم اليومية، حتى إن الأطفال كانوا يلعبون فيه دون وجل.
عندما تحول التاريخ إلى فن
من اللافت أن السينما المصرية لم تتأخر في توثيق هذه القصة المثيرة. ففي عام 1953، أي بعد حوالي 30 عامًا من إعدام ريا وسكينة، تم تصوير فيلم يحمل اسمهما بطولة أنور وجدي ونجمة إبراهيم وزوزو حمدي، داخل نفس المنزل الذي شهد الجرائم الحقيقية. هذا الأمر يضفي على المكان بعدًا فنيًا إضافيًا، حيث امتزج الواقع التاريخي بالخيال السينمائي في نفس الموقع الجغرافي.
تحولات المكان عبر العقود
الحاج سيد، صاحب ورشة النجارة المجاورة للمنزل منذ 30 عامًا، يشهد على التغيرات الجذرية التي طرأت على المنطقة. “زمان كانت المنطقة مختلفة، كان فيه قسم اللبان قبل ما يهدم ويتغير مكانه، والناس كانت ساكنة في غرف صغيرة مش شقق زي دلوقتي”، يقول الحاج سيد موضحًا كيف تغيرت ملامح الحي بالكامل.
ويكشف معلومة مهمة حول الجغرافيا التاريخية للمكان: “البيت ده كان آخر بيت عاشوا فيه قبل القبض عليهم. البيت اللي قبله اتشال واتبنى مكانه عمارة جديدة”. هذا يعني أن جزءًا من مسرح الجريمة قد اختفى تحت وطأة التطوير العمراني، مما يجعل البيت الباقي أكثر قيمة تاريخية.




انتعاش الذاكرة الشعبية
مع عرض الأعمال الفنية التي تناولت قصة ريا وسكينة، خاصة المسلسلات التلفزيونية، انتعشت ذاكرة المكان بشكل ملحوظ. بدأ السكان في تعليق صور قديمة للشقيقتين على جدران العقار، وأصبحوا يحكون التفاصيل للزوار القادمين من مختلف المحافظات المصرية والدول العربية، بل وحتى السياح الأجانب.
هذا التحول من الصمت النسبي إلى الانفتاح في الحديث عن القصة يعكس تغيرًا في النظرة المجتمعية للحدث، حيث تحول من مجرد جريمة مخجلة يفضل عدم التطرق إليها، إلى جزء من التراث الشعبي والذاكرة التاريخية للمدينة.
مزار سياحي من نوع خاص
اليوم، رغم إغلاق المنزل منذ 44 عامًا بقرار من ملاك العقار، يقصده الزوار من مختلف البلدان. “الناس بتيجي من بلاد مختلفة علشان يشوفوا البيت، في منهم اللي سمع عن القصة في المسلسلات أو الأفلام وعايز يعيش لحظة من التاريخ”، يقول متولي.





بين الذاكرة والحاضر
ما يميز هذا المكان أنه لا يقدم نفسه كمزار تقليدي بمرشدين سياحيين أو تذاكر دخول، بل يعتمد على السكان المحليين الذين تحولوا إلى رواة شعبيين للقصة. هم من يستقبلون الزوار، ويحكون لهم التفاصيل، ويشاركونهم ذكرياتهم الشخصية مع المكان.
هذا الطابع الشعبي العفوي يضفي على الزيارة أصالة خاصة، حيث لا يسمع الزائر قصة محفوظة ومكررة، بل يستمع إلى حكايات متنوعة من أشخاص عاشوا في المكان وتربوا على هذه الحكايات.
إرث يتجدد عبر الأجيال
قد يبدو غريبًا أن مكانًا شهد جرائم بشعة يتحول إلى مزار يفخر به السكان، لكن هذا يعكس قدرة الذاكرة الشعبية على تحويل المأساة إلى تراث. فالأهالي لا يحتفون بالجريمة ذاتها، بل بكونهم شهود على لحظة تاريخية مهمة، وحراس لذاكرة جماعية تحكي فصلًا من فصول التاريخ الاجتماعي المصري.
اليوم، وبعد مرور أكثر من قرن على الجرائم، يقف بيت ريا وسكينة كنصب تذكاري غير رسمي، يذكر بحقبة من التحولات الاجتماعية، وبقصة غيرت نظرة المجتمع المصري للأمان والثقة. قد تكون أبوابه موصدة، لكن حكايته مفتوحة على مصراعيها في قلوب الناس وذاكرتهم، تتناقلها الأجيال وتعيد صياغتها الأعمال الفنية، لتبقى حية في وجدان مدينة الإسكندرية التي احتضنت هذا التاريخ المعقد والمثير.