رئيس التحرير
عصام كامل

الرقص مع الجثث

دفع الرجل ذو البالطو الأبيض المخضب بالدماء، الباب المعدني بكتفه، بينما كان يضم إلى صدره بيديه وذراعيه كتلا من اللحم البشري، إذ كان بإمكاني أن أميز بعض الأعضاء مثل القلب والكبد.. تلك الأعضاء كانت على ما يبدو مازالت تنبض بالحياة، فربما كانت قد أخذت للتو من بعض الجثث، أو ربما انتزعت انتزاعا من أصحابها وهم أحياء!

 

دخل الرجل إلى الغرفة المظلمة، وتبعته دون أن يشعر بي، حيث وجدته يضع ما كان يحتضنه من كتل اللحم والأعضاء الطازجة على الترولي المثبت في الأرض وتعلوه وحدة إضاءة تركز نورها على تلك البقعة دون غيرها من ذلك المكان الموحش، الذي يتوسط منطقة مهجورة، تضم مبان مهدمة وأخرى فرت منها الفئران والكلاب الضالة خوفا من ساكنيها الذين ينتمون إلى عالم لا نراه نحن. كان جسدي ينتفض، ومع ذلك صممت أن أشاهد ما يجري، ففضولي للمعرفة وكشف سر ذلك الرجل، أقوى من مخاوفي.

 

بدأ الرجل ذو البالطو الأبيض يضع كتل اللحم والأعضاء البشرية جنبا إلى جنب، ثم راح ينظمها ويرتبها ويصلها ببعضا البعض، وهو يحكم تخييطها.. قبل أن يغرس في غير موضع منها كثير من الإبر والخراطيم التي تصل الجلوكوز والدم وسوائل أخرى لا أعرفها.

 

مرت ساعة وساعة، والرجل يواصل عمله، بينما كنت أنا أصارع مخاوفي ورغبتي في التقيؤ، إلى أن تنهد هو ومسح عن جبينه العرق بيديه الملطختين بالدماء، فبدا كمسخ أحمر اللون، ثم جلس على مقعد بجوار الترولي، وغفى. بعد دقائق، وحين تيقنت من أنه نائم، اقتربت من الترولي، فكدت اسقط من هول ما رأيت.

الطيور التي التهمتني

 

لقد أصبحت كتل اللحم جثة كاملة، لكن لا حراك فيها، إلى أن انتفضت فجأة، وفتحت عينيها الواسعتين.. لقد كان ذلك المجنون يصنع امرأة! إعتدلت الجثة، وراحت تنظر نحوي، فسارعت إلى الباب لأهرب، غير أن الرجل استيقظ مندهشا، ومد قدمه أمامي، فعرقلني لاسقط على رأسي فاقدا وعيي.

 

حين استفقت، وجدتني مقيد إلى المقعد، بينما الرجل ذو البالطو الأبيض وجثته، يرقصان على أنغام  أصوات تصدر عن طيور جارحة عظيمة الحجم تقف على نافذة الحجرة.. صرخت بأعلى صوت، فضحك الرجل والجثة، وواصلا الرقص، بينما دخلت الطيور واقتربت مني، وراحت تنهش لحمي.

 

لقد مت أو لنقل أنني فقدت جسدي تماما، غير أنني وجدت روحي متفرقة في أجساد تلك الطيور الجارحة، إذ كان بإمكاني أن أرى بأعينها وأن أتحرك عن طريق أقدامها، بل كنت أشعر من خلالها. والغريب أنني لم أكن أحمل اية ضغينة تجاه الرجل وجثته، فقد شعرت بنشوة لم أشعر بمثلها من قبل، ورحت أرقص معهما.. بالطبع لم أكن أرقص بجسدي الذي أُكل وفني تماما، لكنني كنت أرقص من خلال أجساد تلك الطيور التي إلتهمتني.

 

2

اقترب مني بائع الروبابيكيا وقال بصوت مبحوح إن كسرة خبز لم تدخل جوفه منذ يومين، فمنحته ثلاثة جنيهات فضية كانت في جيبي، فأخذ يقلب النقود بين يديه، وقال وهو يمط شفتيه ممتعضا: «على كل حال كتر خيرك»، ثم راح يدفع العربة الخشبية بدلا عن الحصان الهزيل الذي نفق قبل أيام بسبب الجوع. بعد خطوات قليلة، استدار الرجل عائدا إلي، ثم ألقى نحوي بفردة حذاء وحيدة ومهترئة، وقال إنه لا يملك غيرها، ويبدو أنه أراد أن يعطيني شيئا في مقابل الجنيهات الثلاثة.

 

 

أمسكت بفردة الحذاء، المحتفظة برائحة قدم من كان ينتعلها من قبل، وخجلت من أن أتخلص منها أمام الرجل كي لا أكسر بخاطره، فوضعتها داخل حقيبتي وعدت إلى البيت. في ثلاجتي لم أجد شيئا أتعشى به، فعدت أجر أذيال الخيبة، وحين لمحت الحقيبة فتحتها لأتخلص من فردة الحذاء، غير أن شيئا خفيا طلب مني أن أنتعلها.

الحذاء الملعون

 

حين وضعت قدمي داخل فردة الحذاء، ابتلعت ساقي ثم باقي جسدي، وكأنه بئر عميق، واستغرقت رحلة سقوطي إلى القاع وقتا طويلا أظنه ساعة. في القاع وجدت آثارا لأقدام من إنتعلوا الحذاء قبلي، أو لنقل من سكنوا الحذاء قبلي، فهو أشبه بمدينة صغيرة، مظلمة ورطبة. والغريب أن آثار الأقدام تلك كانت تشي بأن من انتعلوها يختلفون في أعمارهم، ما بين الطفل والشيخ.. أقدام ذكور وأخرى لإناث، بل إنني وجدت آثار أقدام حيوانات ومخلوقت أخرى غريبة.

 

رحت أقتفي أثر قدم تقارب قياس قدمي، أظنها لرجل في مثل عمري، فوجدتني في حضرة كائن غريب يشبه التنين، لكنه قصير القامة وسمين بشكل مفرط. حاولت إخفاء الرعب الذي يسري في بدني، واقتربت من ذلك التنين لعلي أفهم شيئا، غير أنه حين رأني فر هاربا وهو يصرخ: «إنسان.. إنسان»، وسرعان ما لحقت به كائنات وحيوانات أخرى إبتلعها الخوف بمجرد أن سمعت ذلك النداء الذي يحذرهم من وجود إنسان في عالمهم هذا.

 

رحت أبحث عن مخرج، لأغادر ذلك الحذاء الملعون، فلم أجد، إلى أن رأيت نملة صغيرة تحفر في الأرض، فمددت أصبعي لأخرجها، فاستدارت نحوي وأخذت تلتهمني، بينما لم أحرك ساكنا.

3

كان الغراب الضخم يخطو فوق سجادة من أوراق الشجر اليابسة في الحديقة المهجورة قبالة بيتنا، مصدرا أزيزا مخيفا، متقدما نحوي، حيث انزويت أنا في ركن من غرفتي، التي يطل شباكها على الشارع المزروع بالقطط النافقة.. دخل الغراب الغرفة، ثم أغلق الباب وسد كل النوافذ، فصار المكان مثل كتلة سواد كونية لا أول لها ولا آخر، بينما قلبي يخفق كغسالة متهالكة تجفف الملابس.

الغراب الباكي

 

وفجأة لمعت عينا الغراب، الذي بدا في هيئة شبح يكاد رأسه يلامس السحاب، وفتح منقاره عن آخره، ثم هم بقضم رأسي، غير أنه حين أغلق مصراعي ذلك المنقار شعرت بأسنانه تتفتت حول عنقي.

إلى جواري جلس الغراب الشبح يبكي كطفل تائه، ثم راح يحكي بصوت ممزوج بالنحيب، عن طفولته العجيبة التي لا تقل بؤسا عن طفولتي أنا، فتنبهت إلى أن هناك تشابها بين قصتينا، وأنه لم يستهدفني عن طريق الصدفة، بل هو قدري.

 

عن طيب خاطر، اقتلعت رأسي من فوق كتفي، ومنحته للغراب الباكي، والذي أكله بشهية.. وددت لو كان بإمكاني أنا أراه في تلك اللحظة وهو يتلذذ بمذاقي، غير أن ما تبقى من أسنانه المهترئة كانت تطحن جمجمتي وتلتهم عيني في سلام.

الجريدة الرسمية