رئيس التحرير
عصام كامل

حكاية شحتة راس القرد

ولد شحتة لأب مقطوع من شجرة عائلة كانت ممتدة ولها جذور ضاربة في عمق التاريخ، عائلة ثرية وأصيلة، غير أن لعنة ضربتها حيت تجرأ الجد وطرد خادم الضريح من البلدة، متهما إياه بالتعدي على خادمته.. لا أحد يعلم، هل كانت الخادمة صادقة في اتهامها لخادم الضريح، أم أن الأخير كان رجلا مبروكا فعلا وله من الكرامات ما تسبب في قطع نسل عائلة الخربوطلي، فمات معظم أفرادها ولم يتبق منها سوى كارم الذي لم ينجب إلا بعدما تعدى عمره الخامسة والخمسين.

 

كان كارم رجلا مليح الخلقة، دمث الخلق، وربما كان ذلك السبب في بقائه رغم موت كل أفراد عائلته، كما يقول الناس في البلدة، المكورة في آخر بقعة بمحافظة الدقهلية.. تزوج كارم سبع نساء حتى أذن الله لواحدة من زوجاته أن تصبح حبلى، وفي يوم الولادة أخذها إلى المستشفى العام، كي يشرف على توليدها كبير الأطباء، غير أن ذلك اليوم لم يكن ككل الأيام.

 

 

على غير العادة، سمح لكارم أن يشهد عملية توليد زوجته، وما أن شاهد الرجل رأس المولد، إلا وسقط مغشيا عليه، وحين استفاق أمسك بالرضيع بين يديه وأخذ يطالع سحنته الغريبة، وهو يتمتم بكلمات غير واضحة، ثم ألقى «حتة اللحمة الحمرا» على السرير إلى جانب «الست الوالدة»، وترك الغرفة قاصدا اللاشيء.

 

طفل برأس قرد

 

يقول الناس إنه جن، وظل يطوف الشوارع، يقسم أن رأس ابنه المولد تم زرعها بين كتفيه، فهو لا يعرف كيف لرجل وسيم مثله أن ينجب مسخا كهذا.. طفل برأس قرد كما يقولون، فالشعر يغطي معظم وجهه.. مات كارم، وتولت زوجته تربية الطفل، الذي أطلقت عليه اسم شحتة، كي تضمن بقاءه حيا، أملا في أن يكبر ويرث ثروة عائلته، ويعيد للخربوطلي نسله الذي انقطع أو كاد.

 

شب الطفل القرد، والجميع حوله يلاطفونه ويدللونه، رغبة منهم في الحصول على هبات وعطايا الأم، التي كانت تسكتهم بما لديها من مال، منذ أن دوت الشائعات في البلد، بأن ذلك الطفل ابن حرام، فالأب مليح والأم مليحة، وهو ما يعني أن نسلهما لابد وأن يكون مليحا.. إلا إذا كان هناك طرف ثالث.. أي والد آخر للطفل الدميم.

 

ورغم أن تلك التهم كانت غارقة في البطلان، إلا أنها راجت بين الناس، «فكيف لامرأة جميلة متزوجة من رجل وسيم أن تقيم علاقة غير شرعية مع آخر دميم؟!».. ذلك ما كان يردده العقلاء..

 

في الخامسة عشر من عمره، ماتت الأم واضحى شحتة يتيم الأبوين، فبدأ أهل البلدة ينهشون لحمه وماله كما نهشوا عرض أمه، ثم طردوه إلى خارج البلدة.. في البراري المتاخمة للبلدة، التقى شحتة رجلا عجوزا يرعى بضع غنمات، ويعيش حياة الزاهدين، فلما تعرف إليه علم أنه خادم الضريح الذي طرده والده قبل سنين طويلة، ومع ذلك كان العجوز ألطف من عامل الصبي من بين الناس.

سنوات عاشها شحتة رفقة الشيخ العجوز في البراري، إلا أن آن الآوان، وأخبره الأخير أنهما لابد وأن يعودا إلى البلدة، فلما استنكر ذلك الشاب، قال له: «لا تخف.. أنا معك».

 

شحتة وخادم الضريح

 

في البلدة استقبل الناس الصبي بوابل من الحجارة والشتائم والتهم، غير أن العجوز استعاد شبابه وقوته وصرخ فيهم، معلنا أنه خادم الضريح المطرود، فانصاعوا له وخروا مطيعين متلمسين البركة والرضا.. نجح خادم الضريح في أن يعيد لشحتة ممتلكاته، بعدما أقنع أهل البلدة بأنه رأى في المنام ما يؤكد أن الصبي صاحب معجزات، لكنه لم يفطن لها بعد، وأخبرهم إن الأمارة ستظهر خلال أيام.

 

عاش أهل البلدة في ترقب، حتى إذا جاء يوم الأحد، حيث تقام سوقا اسبوعية تباع فيها الخضروات والأقمشة والمواشي والحاجات، وقف خادم الضريح وإلى جواره شحتة، ثم راح يسن موسا كبيرا، قبل أن يقوم بحلق الشعر الكثيف الذي يملأ وجه الصبي، فإذا به يظهر مليح الوجه بملامح تطابق ملامح خادم الضريح.. رأى المتجمعون المشهد، فأخذتهم رجفة وراحوا يسبحون باسم الله ويهللون ويكبرون..

 

عاش شحتة لنحو مائة عام في البلدة، حتى مات كل الذين شهدوا حكايته، ثم مات هو وبقيت حكايته تتردد، لكن أحدا لا يعرف هل هو ابن عائلة الخربوطلي.. أم أنه ابن حرام وأبيه هو خادم الضريح.. بيد أن هناك سؤالا آخر: هل حدثت هذه الحكاية أصلا أم أنها محض خيال..

 

ليست هناك إجابة قاطعة في هذا الأمر، لكن الغريب أن البلدة نفسها مازالت تحوي دار الخربوطلي على حالها، فلا أحد يمكنه الاقتراب منها، خاصة وأن شبح شحتة يسكنها ويطرد كل من يحاول الاقتراب منها، والأغرب من ذلك أن الضريح انتقل بقدرة قادر من مكانه على أطراف البلدة إلى داخلها ليجاور الدار، وكأن جنا حمله من مكانه إلى حيث تقبع دار الخربوطلي.

الجريدة الرسمية