رئيس التحرير
عصام كامل

الصين القوية المنسية في الصراع السوري


يعد دور الصين تجاه الأزمة السورية، من أهم وأبرز الأدوار التي لم يُسَلط عليها الضوء في ظل خريطة الحل السوري في 5 أو 6 دول، وهي الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا والسعودية وإيران وتركيا، ويغيب تمامًا الحديث عن الدور الصيني الذي كان له دور قوي في مجلس الأمن، وفقًا للمصالح الصينية في سوريا، مع توافق الموقف الصيني الروسي تجاه الصراع في سوريا.


تعدى الموقف الصيني تجاه الأزمة السورية، مع الولايات المتحدة من حدود الاختلاف إلى حد التصادم والمواجهة، في مواقف لافتة وقوية تجاه الفيتو الصيني لصالح الحكومة السورية، وضد قرارات أمريكية وأوربية تستهدف حكومة الرئيس السوري بشار الأسد.

معروف أن الصين لا تستخدم حق النقض "الفيتو" في مجلس الأمن إلا نادرًا، لكن في الصراع السوري استعملت "بكين" الفيتو أربع مرات؛ لإحباط وإفشال صدور قرارات عن مجلس الأمن، اثنان منها تدعوان إلى تنحي الرئيس بشار الأسد، وثالث طالب بتطبيق الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة على الحكومة والدولة السورية، فيما أفشل الفيتو الرابع تحويل الملف السوري إلى محكمة الجنايات الدولية.

وتعد أهم توجهات السياسة الخارجية الصينية، عدم التدخل لتغيير أنظمة الحكم بالقوة، كما ترفض المبدأ الذي تتبناه الولايات المتحدة والدول الغربية، الذي يقوم على فرض عقوبات على الدول التي تعارض سياساتها.

وعلى صعيد العلاقات والمصالح القوية للصين في سوريا، فإن العلاقات بين بكين ودمشق قوية منذ أُعلنت جمهورية الصين الشعبية في 1949، فقد زودت بكين في منتصف التسعينيات من القرن الماضي، الرئيس السوري حافظ الأسد، بمائة وخمسين صاروخ "أرض - أرض" مضاد للدبابات، متمردة على قرار الحظر الذي فرضته الولايات المتحدة على البلدان العربية، وخاصة سوريا لشراء السلاح.

ويأتي موقف الصين تجاه الحكومة السورية للعديد من الأسباب، منها خدمة مصالح الصين في منطقة الشرق الأوسط، فالصين تخشى أن يؤدي سقوط النظام السوري وصعود جماعات في الحكم موالية للغرب وواشنطن، إلى أن تفقد حليفًا مهمًّا لها في الشرق الأوسط، وهو ما يؤثر عليها عسكريًّا وأمنيًّا واقتصاديًّا، وهو الحلقة الأهم في الموقف الصيني تجاه سوريا.

فالصين تعتبر منطقة الشرق الأوسط وخاصة سوريا، منطقة ذات أهمية اقتصادية إستراتيجية وأمنية لها، فاهتمت الصين مبكرًا بمد نفوذها السياسي والاقتصادي إلى سوريا، عبر إقامة علاقات اقتصادية وسياسية قوية، فوقع الطرفان على اتفاقية دفع التجارية 1955، ومع اندلاع حرب الخليج الأولى بين إيران والعراق، زادت الأهمية الإستراتيجية والاقتصادية لسوريا في السياسة الصينية، فوقعت مع دمشق العديد من الاتفاقيات، في 1982 وقعت اتفاقًا تجاريًّا طويل الأجل، وفي 1985 قدمت الصين لسوريا مساعدات عسكرية، كما أرسلت مفاعلات نووية لأغراض عسكرية، وساعدت الحكومة السورية في بناء مصانع لإنتاج الصواريخ بمحافظتي حلب وحماة.

ومع بداية الألفية الجديدة شهدت العلاقات قفزة قوية، فوقعت الصين وسوريا اتفاقية بقيمة أربعة وخمسين مليون دولار، كما منحت بكين قروضًا بين 2004 و2005 لدمشق، وارتفعت الاستثمارات الصينية بسوريا في مجالات مختلفة أهمها مجال النفط والغاز والأسمنت، ووصل حجم التبادل التجاري بين البلدين إلى 900 مليون دولار أمريكي في 2005.

وتعد سوريا مهمة عسكريًا للصين، فبكين تخشى من النفوذ الأمريكي في منطقة شرق آسيا والمحيط الهادئ، مع الدعم المتواصل من الولايات المتحدة لحكومة تايوان والمناورات العسكرية المشتركة بين اليابان وكوريا الجنوبية وأمريكا، الذي تعتبره الصين تهديدًا مباشرًا لها.

بكين لم تُخْفِ قلقها من بيع واشنطن أسلحة لتايوان بقيمة ستة مليارات دولار، ومساهمة واشنطن في الدرع الصاروخية للناتو في تركيا، وتزايد الضغوط الإستراتيجية على الصين للتدخل في منطقة الشرق الأوسط بعد التغييرات السياسية التي حدثت في دول الربيع العربي، ووصول جماعات دينية للحكم في عدد من الدول، ما قد يفقدها حليفها الأهم وهي سوريا، ويضيق حلقات الدفاع عن الصين، وفقًا للسياسة الخارجية الصينية التي وضعتها، التي حددها شين باي أستاذ علم الاجتماع بجامعة بكين، في كتابه "الصين التي ستقود العالم"، أهمها العمل على تشكيل تكتلات سياسية حول الصين، تشكل الصين محورها.

وكذلك تقوية الوجود الصيني في منطقة الشرق الأوسط عبر إستراتيجية منظمة وطويلة الأمد، بالإضافة إلى التحرك العسكري الصيني في أنحاء العالم، خصوصًا في الممرات المائية الهامة، فقامت بتمويل بناء قاعدة بحرية في ميناء غوادر الباكستاني المطل على بحر العرب، القريب من مدخل الخليج العربي ومضيق هرمز؛ لتأمين النفط، ومصالحها الاقتصادية.

وفي نهاية 2009، أعلنت الصين إنشاء قاعدة بحرية في خليج عدن؛ لحماية سفنها من القرصنة الصومالية أو أعمال اعتداء، وأرسلت مدمرات حربية إلى الخليج العربي، في أكبر وجود بحري لها في المنطقة، وأرسلت أساطيرها لحماية النفط المستورد من أفريقيا والخليج، وكذلك تجارتها بهذه المناطق.

فالنظام الحاكم في سوريا هو الأقرب إلى الرؤية السياسية الخارجية للصين، مع ارتفاع موجة الجماعات الإرهابية في المنطقة والعالم، فتشكل دمشق رأس حربة للصين في مواجهة التهديدات الأمريكية لها، وهو موقف متوافق مع الرؤية الروسية لسوريا.

الأمر لا يتوقف عند الأهمية الإستراتيجية، فهناك أهمية أمنية، وذلك مع ارتفاع التحاق المسلمين الصينيين بالجماعات الإرهابية كتنظيم "القاعدة" وتنظيم "داعش"، ما يشكل خطرا على الأمن الصيني، في ظل وجود إقليم كردستان المسلم وقومية "الأغور" والدعوات الانفصالية.

فمواجهة الإرهاب في مناطقه قبل التمدد إلى الصين، أو عودة المسلمين الصينيين الذين تدربوا على يد تنظيم "داعش" أو القاعدة في تنفيذ عمليات بالداخل الصيني، ما يهدد الاقتصاد وإستراتيجية الصين القوية، فيأتي دعم بَيِّن لحكومة الأسد لمحاربته الإرهاب، فبقاء النظام السوري ومواجهة الجماعات الإرهابية يوقف ويحد من وصول الأحزاب الدينية - التي تعتبرها الصين حليفًا وأداة أمريكية - من السيطرة على منطقة الشرق الأوسط، بما يهدد مصالحها الاقتصادية ويقوض أمنها الداخلي.

أما اقتصاديًّا، فتعد منطقة الشرق الأوسط، وخاصة البلدان العربية، سادس أكبر شريك اقتصادي للصين، وهو ما يشكل تهديدًا لاقتصادها في حالة همينة أمريكا بشكل كامل على المنطقة، فسوريا تمثل نقطة محورية في السياسة الاقتصادية الصينية في المنطقة العربية.

كما تعتبر العراق ودول الخليج وسوريا من أهم الدول التي تستورد منها الصين النفط، فهي تعتمد بشكل كبير على نفط الخليج والدول العربية، وتخشى سقوط نظام الأسد، وسيطرة الجماعات الدينية على الحكم في سوريا، ويمتد أثره في العراق المهتز، ما يؤثر على وارداتها من النفط، ما يؤثر على اقتصادها.

لذلك الصين تلعب دورًا كبيرًا في دعم حكومة الرئيس بشار الأسد، باعتبار سوريا ومنطقة الشرق الأوسط من أهم دوائر المصالح والتراب الصيني، بالإضافة إلى أن دمشق تمثل الحليف الأقرب فكريًا لبكين، كما يمثل التناغم الروسي الصيني في الحفاظ على الدولة السورية والتواجد بقوة في القرار السياسي الدولي، ومواجهة الهيمنة الأمريكية والأوربية، جزءًا من قرارات بكين لصالح دمشق.
الجريدة الرسمية