صندوق النقد: الاقتصاد المصري يمتص صدمة الشرق الأوسط بمرونة أكبر والدين يهدد المكاسب
قال خبراء في صندوق النقد الدولي إن الاقتصاد المصري أظهر قدرة أكبر على استيعاب تداعيات الحرب في الشرق الأوسط، مقارنة بموجات الاضطراب السابقة، مدعوما بمرونة سعر الصرف، وتحسن الاحتياطيات الدولية، وسرعة استجابة السلطات.
وحذروا في الوقت نفسه من أن ارتفاع الدين العام، وكبر الاحتياجات التمويلية، والحضور الواسع للدولة في الاقتصاد، تبقى من أبرز مصادر المخاطر.
جاء ذلك في مقال كتبه أمين ماطي، رئيس بعثة صندوق النقد الدولي إلى مصر والمدير المساعد في إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، ويفجيينيا كورنيينكو، الخبيرة الاقتصادية الأولى في الإدارة نفسها، ونشر على موقع الصندوق.
برنامج الصندوق في دعم النمو
وبحسب المقال، دخلت مصر الصدمة الإقليمية الأخيرة من موقع اقتصادي أقوى نسبيا، بعد أن أسهمت سياسات الاستقرار المنفذة في إطار برنامج الصندوق في دعم النمو، وخفض التضخم، وتعزيز الاحتياطيات، وتحسين صافي الأصول الأجنبية لدى البنوك.
الجنيه يمتص الصدمة
تعرضت هذه المكاسب لاختبار سريع مع تصاعد الحرب في الشرق الأوسط، إذ أدت موجة خروج رؤوس الأموال إلى تراجع حيازات غير المقيمين من أدوات الدين الحكومي بالعملة المحلية من 39.1 مليار دولار في فبراير إلى 22.2 مليار دولار مطلع أبريل.
وتحت ضغط التدفقات الخارجة، فقد الجنيه المصري ما بين 14% و17% من قيمته، لكن السلطات أبقت سعر الصرف مرنا، ما سمح للعملة بأداء دور ممتص الصدمات، إلى جانب تعديل أسعار الطاقة بعد ارتفاع أسعار النفط العالمية، وضبط الإنفاق، وتوسيع الدعم الموجه للفئات المستحقة.
ومع انحسار الاضطرابات الإقليمية، عادت تدفقات استثمارات الحافظة، واقتربت حيازات المستثمرين الأجانب من مستوياتها السابقة للصراع، واستعاد الجنيه جزءا كبيرا من خسائره الأولية.
ويرى الكاتبان أن ذلك يعكس تحولا في آلية امتصاص الصدمات الخارجية، إذ أتاحت مرونة سعر الصرف تمرير جزء من الضغوط عبر الأسعار بدلا من الدفاع عن مستوى محدد للعملة عبر استنزاف الاحتياطيات.
النمو يصمد مع عودة المستثمرين
لم تنتقل اضطرابات الأسواق المالية إلى انكماش واسع في النشاط الاقتصادي، إذ نما الناتج المحلي الإجمالي 5% في الربع الثالث من السنة المالية 2025-2026، بينما حافظ قطاع السياحة على صموده، وسجلت تحويلات المصريين العاملين في الخارج مستويات قياسية.
كما واصل نشاط قناة السويس تعافيه التدريجي بعد اضطرابات مؤقتة مرتبطة بالتوترات الإقليمية، وارتفع التضخم بفعل انخفاض الجنيه وزيادات أسعار الطاقة، لكن الزيادة جاءت أقل حدة من المتوقع، رغم أن الصدمة أخرت العودة إلى مستهدف التضخم بنحو عام.
وانعكس تحسن شهية المستثمرين على تكلفة المخاطر السيادية، التي تراجعت إلى ما دون مستوياتها السابقة للحرب، بالتزامن مع عودة مصر إلى أسواق الدين الدولية.
وأصدرت مصر في مايو سندات يوروبوند بقيمة مليار دولار، وسط طلب تجاوز حجم الإصدار بأكثر من خمسة أضعاف، ثم أصدرت في يونيو سندات ساموراي تعادل 500 مليون دولار، وبحلول أغسطس، هبطت علاوة المخاطر على الديون السيادية إلى أدنى مستوياتها منذ 2014.
الدين يبقى مصدر الخطر
رغم تحسن قدرة الاقتصاد على مواجهة الصدمات، يرى كاتبا المقال أن مواطن الضعف الهيكلية لا تزال قائمة، وفي مقدمتها ارتفاع الدين العام وضخامة الاحتياجات التمويلية، إلى جانب اعتماد جزء كبير من التمويل على آجال استحقاق قصيرة وارتفاع انكشاف البنوك على الدين الحكومي.
ومن المتوقع أن يظل إجمالي الاحتياجات التمويلية عند نحو 40% من الناتج المحلي الإجمالي في الأجل القريب، قبل تراجعه تدريجيا إلى أقل من 30% بحلول 2030، ما يجعل الاقتصاد حساسا لتحولات شهية المستثمرين وأسعار الفائدة والسيولة العالمية.
ويرى ماطي وكورنيينكو، أن الحفاظ على المكاسب يتطلب استمرار مرونة سعر الصرف والانضباط المالي، وتحسين إدارة الدين، إلى جانب تسريع سياسة ملكية الدولة وبرنامج التخارج من الأصول الحكومية، وتحسين حوكمة الشركات المملوكة للدولة وتعزيز المنافسة، بما يقلص بصمة الدولة ويفسح مساحة أكبر أمام الاستثمار الخاص.
المراجعة السابعة لبرنامج مصر
وكان المجلس التنفيذي لصندوق النقد قد استكمل في يوليو المراجعة السابعة لبرنامج مصر في إطار تسهيل الصندوق الممدد، والمراجعة الثانية ضمن تسهيل الصلابة والاستدامة، ما أتاح للقاهرة سحب ما يعادل نحو 1.8 مليار دولار.