فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

أشرف سيد يسأل محافظ القاهرة: لماذا الصمت؟ طرة البلد في حالة حداد.. رجال قلت حيلتهم أمام مشهد أكبر من قدرتهم.. نساء يحملن الخوف في عيونهن وأطفال يشعرون بالتشرد

محافظ القاهرة
محافظ القاهرة

حالة من الحزن الصامت تخيم على بيوت طره البلد وعلى وجوه الرجال الذين اعتادوا أن يكونوا سندا لأسرهم فإذا بهم اليوم يقفون عاجزين أمام مستقبل لا يعرفون ملامحه.

رجل يخاف على بيته وعلى أولاده وعلى لقمة عيشه وعلى سنوات عمره التي قضاها في هذا المكان.. ولا يعرف ماذا سيحدث غدا.

وأب يخشى أن يستيقظ يوما فيجد أبناءه مطالبين ببدء حياة جديدة في مكان لا يعرفونه ومدارس تتغير وأرزاق تتعطل وبيوت تتفرق وذكريات عمر كامل تصبح فجأة معلقة بين الحصر والقرار.

نساء يحملن الخوف في عيونهن 

هناك رجال قلت حيلتهم أمام مشهد أكبر من قدرتهم ونساء يحملن الخوف في عيونهن وأطفال يشعرون أن شيئا ما يحدث حولهم ولا يعرفون تفسيره.

البيوت التي كانت تعج بالحياة أصبحت يخيم عليها الصمت والمحلات التي كان أصحابها يفتحون أبوابها كل صباح أصبحت تنتظر المجهول وكأن المنطقة كلها تعيش حالة حداد على شيء لا تعرف حتى الآن هل ستفقده أم لا وهنا تكمن قسوة المشهد.
أن يخاف على بيته دون أن يعرف هل هو داخل خط المشروع أم خارجه، وأن يقلق على مستقبله ومستقبل أولاده دون أن يسمع كلمة واضحة من المسؤولين.

أن يعيش الإنسان حزن الفقد قبل أن يعرف أصلا ماذا سيفقد.

هذه ليست رفاهية وليست محاولة لتعطيل عمل اللجان.. إنها مشاعر بشرية طبيعية أمام مستقبل مجهول.

ولذلك فإن كلمة واحدة واضحة من المسؤول المختص قد تطفئ نارا مشتعلة في قلوب مئات الأسر بينما الصمت يترك الخوف يكبر يومًا بعد يوم.

ثلاثة أيام مرت على لجان الحصر في منطقة طرة البلد والأهالي يعيشون حالة من القلق والخوف والحيرة ليس لأنهم يرفضون أن تقوم الجهات المختصة بعملها وإنما لأنهم ببساطة لا يعرفون حتى الآن: لماذا يتم الحصر؟ وما القرار الذي يستند إليه؟ وما طبيعة المشروع؟ وهل منازلهم بالفعل تقع في نطاقه أم لا؟

صمت المحافظ

أسئلة تبدو بسيطة ومشروعة لكنها حتى الآن لا تجد إجابات واضحة أمام المواطنين.

اللجان تنزل إلى المنطقة تقوم بعملها تصور العقارات وتضع العلامات على بعض المنازل وعندما يسأل الأهالي عن السبب يأتي الرد في حدود: إحنا جايين نحصر فقط.. دي التعليمات.

لكن المواطن لا يسأل موظف الحصر عن شيء خارج اختصاصه ولا يطلب منه أن يتخذ قرارا أو يفسر قرارا ليس من صلاحياته.. المواطن يريد فقط أن يعرف من الجهة المسؤولة:
ماذا يحدث؟ ولماذا يحدث؟ وما الذي سيترتب عليه؟
وهنا يأتي السؤال إلى محافظة القاهرة والقائمين على هذا الملف:

لماذا لا توجد حتى الآن آلية واضحة ومباشرة للتواصل مع الأهالي؟
لماذا لا يخرج مسؤول مختص لشرح الصورة كاملة؟ لماذا لا يتم عقد لقاء مفتوح في المنطقة مع المواطنين، بحضور ممثلي المحافظة والحي والجهات المعنية، يتم خلاله عرض ما يمكن عرضه من معلومات، والإجابة عن الأسئلة التي أصبحت تؤرق مئات الأسر؟
الأمر لا يحتاج إلى أكثر من كلمة واضحة
الشفافية تطمئن والصمت يفتح باب القلق والتفسيرات والشائعات
والأكثر إيلاما أن بعض الأهالي بدأوا يشعرون بأنهم لا أحد يستمع إليهم وأنهم أصبحوا ولاد البطة السودا.. وهو شعور قاسٍ لا ينبغي أن يصل إليه مواطن يعيش في بلده ويطلب فقط أن يعرف مصير بيته وأسرته ومستقبل أولاده.

أين الالتحام مع المواطنين في أماكن الأزمات؟

الأهالي يرون جولات لمسؤولي المحافظة في مناطق مختلفة ولقاءات مع المواطنين وتفقدا لمشروعات ومواقع متعددة وهو أمر محمود في حد ذاته لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا:
أين الالتحام مع المواطنين في أماكن الأزمات؟
فالمناطق التي تشهد مشكلات حقيقية هي الأولى بالزيارة والاستماع والحوار لا أن يظل المسؤول بعيدا عن المواطن الذي يعيش الأزمة يوما بيوم.

وهنا لا نتحدث عن طرة البلد وحدها وإنما عن مبدأ إداري وإنساني بسيط:
المواطن وقت الأزمة يحتاج إلى من يسمعه قبل أن يحتاج إلى من يطلب منه أوراقه.

أما لجان الحصر فلا يمكن تحميلها ما لا تملك موظفو اللجان ينفذون مهمة محددة وليس من المنطقي أن نطلب منهم تفسير مشروع أو إعلان قرار أو تحديد مصير عقار إذا لم تكن تلك اختصاصاتهم.

لكن في المقابل لا يجوز أن يظل المواطن بلا إجابة لأن لجنة الحصر ليست الجهة صاحبة القرار.

إذا كانت هناك تعليمات للجنة بأن تقوم بالحصر فقط، فلتقم بدورها كاملا.. لكن من حق الأهالي أن يعرفوا من الجهة التي تملك الإجابة عن أسئلتهم.

ولماذا لا يتم توجيه المسؤول المختص بالنزول إلى المنطقة والتحدث مع الأهالي؟

ولماذا يظل المواطن هو آخر من يعرف رغم أن الأمر يتعلق ببيته ومحل رزقه وأسرته ومدارس أبنائه وحياته التي بناها على مدار سنوات طويلة؟

إن طرة البلد لا تطلب امتيازات خاصة، ولا تريد معاملة فوق القانون ولا تطلب إيقاف أي إجراء قانوني بالقوة.. الأهالي يطلبون شيئا واحدا:
أن يفهموا
يريدون معرفة حقيقة المشروع وحدوده وأساسه والجهة المسؤولة عنه وموقف المنازل الواقعة في نطاقه وما هي الإجراءات التي ستأتي بعد الحصر وما حقوق المواطنين إذا كان هناك نزع ملكية أو إزالة أو تطوير أو أي إجراء آخر.

وإذا كانت هناك معلومات لا يمكن إعلانها في هذه المرحلة لأسباب قانونية أو إجرائية فليُقال ذلك بوضوح أيضا.

الناس أمام لجان صامتة

أما ترك الناس أمام لجان صامتة وعلامات على البيوت وتصوير للعقارات وأسئلة بلا إجابات فهو بطبيعته يخلق مساحة واسعة للقلق.

والأهالي عندما يخافون يبدأون في تفسير ما يرونه بطريقتهم وتنتشر الأحاديث عن مشروعات واستثمارات وأسباب مختلفة للحصر.. وهنا يجب أن نقول بوضوح
لا يجوز تحويل المخاوف أو الأحاديث المتداولة إلى حقائق أو اتهامات دون مستند أو إعلان رسمي.

لكن في الوقت نفسه لا يمكن مطالبة المواطن بأن يتجاهل مخاوفه بينما لا يجد أمامه المعلومة الرسمية.

لذلك فإن الكرة الآن في ملعب محافظة القاهرة والجهات المعنية

افتحوا باب الحوار.. قولوا للناس ما يمكن قوله.. اشرحوا لهم ما يحدث.. واستمعوا إلى مخاوفهم.

فالمواطن الذي يجد مسؤولا أمامه ويسمع منه الحقيقة حتى لو كانت الحقيقة صعبة، يكون أقدر على التعامل معها من مواطن يعيش في الظلام ويستقي معلوماته من الأقاويل.

وإذا كان الهدف هو التطوير وتحقيق المصلحة العامة، فالمواطن جزء من هذا المجتمع والاستماع إليه لا يعطل التنمية بل يساعد على تنفيذها بصورة أكثر وضوحا وهدوءا وإنسانية.
وفي طرة البلد السؤال ما زال قائمًا وبكل احترام:
لماذا هذا الصمت؟
لماذا لا أحد يشرح للأهالي؟
ولماذا لا يعرف المواطن حتى الآن: هل بيته في خط المشروع أم لا؟

لا نريد اتهاما لأحد ولا نريد صداما مع أحد، ولا نريد تعطيل عمل أي جهة.. نريد فقط أن يصل صوت الناس إلى المسؤول وأن يعرف أهالي طرة البلد أنهم مواطنون مثل غيرهم لهم حق السؤال وحق المعرفة وحق أن يجدوا من يستمع إليهم عندما تضيق بهم السبل.
طرة البلد لا تريد المستحيل.. تريد مسؤولا يجلس مع أهلها، يسمعه، ويقول لهم الحقيقة.

فالكلمة الواضحة في وقت الخوف قد تمنع مئات الشائعات واللقاء المباشر قد يطمئن قلوبا أنهكها الانتظار.

وفي النهاية يبقى السؤال الذي لا يحتاج إلى لجان ولا خرائط ولا قرارات معقدة:
هل بيوتنا في خط المشروع أم لا؟