فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

بعد رحيله، آخر شهادة لأحد الناجين من مذبحة بحر البقر لـ«فيتو»: التختة كانت طوق نجاة ومفيش جريمة حرب تسقط بالتقادم

فقيد بحر البقر،فيتو
فقيد بحر البقر،فيتو

شهدت محافظة الشرقية حالة من الحزن الشديد، بعد وفاة أحمد علي الدميري، أحد الناجين من مذبحة مدرسة بحر البقر، خلال الساعات الماضية إثر صراع مع المرض، فيما شيع أهالي قرية بحر البقر جثمانه في جنازة مهيبة، ودفن بمقابر أسرته، وسط حالة من الحزن بين أبناء القرية على رحيل أحد شهود واحدة من أبرز المآسي التي رسخت في ذاكرة المصريين.

استهداف مدرسة بحر البقر الابتدائية عام 1970

وكان الراحل قد نجا طفلًا من القصف الذي استهدف مدرسة بحر البقر الابتدائية عام 1970، وظل لأكثر من خمسة عقود يحمل تفاصيل ذلك اليوم في ذاكرته، ويروي شهادته عن اللحظات التي تحولت فيها المدرسة إلى أنقاض، وسقط عشرات الأطفال بين شهداء ومصابين.

أحمد الدميري.. طفل نجا من الموت وبقي شاهدًا على مذبحة مدرسة بحر البقر

وكان أحمد علي الدميري قد روى في شهادة سابقة تفاصيل اليوم الذي غير حياته، مؤكدًا أنه كان وقتها تلميذًا بالصف الثاني الابتدائي، وتوجه صباح يوم الأربعاء إلى المدرسة كالمعتاد.

وقال إن اليوم بدأ بصورة طبيعية، وكان التلاميذ يتوجهون إلى المدرسة حاملين كتبهم وكراساتهم وأقلامهم، مشيرًا إلى أن أبناء المنطقة كانوا قد اعتادوا خلال تلك الفترة على تحليق الطائرات الحربية وسماع أصواتها في سماء المنطقة، في ظل أجواء حرب الاستنزاف.

«فوجئنا بصوت الطائرات والسقف انهار فوق رؤوسنا».. الدميري يستعيد لحظات الرعب داخل الفصول

وأضاف الدميري أنه في نحو التاسعة صباحًا، فوجئ التلاميذ بأصوات الطائرات الحربية تحلق فوق المدرسة، قبل أن تتعرض المدرسة للقصف، وسرعان ما انهار السقف فوق رؤوس الأطفال داخل الفصول.

وأوضح أن المدرسة تحولت خلال لحظات إلى أنقاض، وسقط عشرات التلاميذ بين شهداء ومصابين، مؤكدًا أن مشاهد ذلك اليوم ظلت محفورة في ذاكرته طوال حياته.

وتشير المصادر التاريخية إلى أن قصف مدرسة بحر البقر وقع في 8 أبريل عام 1970، وأسفر عن استشهاد 30 طفلًا وإصابة أكثر من 50 آخرين.

التختة كانت طوق نجاة لي من الموت»..تفاصيل نجاة أحمد الدميري من القصف

وروى الدميري أنه أصيب خلال القصف بارتجاج في المخ وعدة كسور في اليد والقدم، وفقد الوعي، قبل أن يستعيد وعيه داخل مستشفى الحسينية المركزي.

وقال إن التختة التي كان يجلس عليها داخل الفصل كانت بمثابة طوق نجاة له من الموت، بعدما احتمى بها من آثار انهيار المدرسة، مشيرًا إلى أنه مكث فترة داخل المستشفى قبل أن يستكمل علاجه في منزله.

وكان الدميري قد تحدث في شهادته السابقة عن إصابته خلال القصف ونقله إلى مستشفى الحسينية المركزي، وهي التفاصيل التي وردت أيضًا في شهادات منشورة سابقة عن الناجين من المذبحة.

«لن أنسى مشهد جثة صديقي».. ذكريات أليمة حملها الناجي معه طوال حياته

وأكد الدميري أن من أكثر المشاهد التي ظلت عالقة في ذاكرته مشهد جثة صديقه أحمد عبدالعال، الذي وصفه بأنه كان الابن الوحيد لوالديه بين خمس بنات، إلى جانب مشهد إحدى زميلاته التي تحولت إلى أشلاء بجواره عقب القصف.

وأشار إلى أن المصابين تم نقلهم إلى المستشفى بواسطة جرار زراعي، فيما عاش الأهالي لحظات من الخوف والهلع بحثًا عن أبنائهم والاطمئنان على المصابين والناجين.

وأضاف أن الرئيس الراحل أنور السادات، وكان وقتها نائبًا لرئيس الجمهورية، زار المصابين في مستشفى الحسينية المركزي، إلى جانب عدد من المسؤولين والفنانة الراحلة أم كلثوم ووفود عربية وأجنبية، بحسب شهادات منشورة عن الواقعة.

«مفيش جريمة حرب تسقط بالتقادم»

وفي آخر شهادة له لـ«فيتو»، تحدث أحمد علي الدميري عن أمنيته الأخيرة، مؤكدًا تمسكه بحقوق ضحايا مذبحة بحر البقر، ومشددًا على ضرورة استمرار المطالبة بحقوقهم وعدم طي صفحة القضية مع مرور السنوات.

وقال الدميري: «مفيش جريمة حرب تسقط بالتقادم.. ولحد آخر نفس هنحارب حتى نحصل على حقوقنا كاملة من هؤلاء القتلة».

وظلت تلك الكلمات حاضرة حتى رحيله، لتصبح آخر شهادة للناجي الذي عاش تفاصيل المذبحة طفلًا، ثم حمل ذكرياتها وشهادته عنها لأكثر من خمسة عقود، قبل أن يرحل بعد صراع مع المرض.

مذبحة بحر البقر..مدرسة تحولت إلى أنقاض وذاكرة لا تزال حاضرة بعد 56 عامًا

وتظل مذبحة مدرسة بحر البقر واحدة من أبرز الوقائع التي ارتبطت بذاكرة محافظة الشرقية وحرب الاستنزاف، بعدما استهدفت الغارة المدرسة صباح 8 أبريل عام 1970، وأسفرت عن استشهاد عشرات الأطفال وإصابة آخرين.

وبقيت مقتنيات المدرسة ومتعلقات التلاميذ شاهدًا على المأساة، فيما تناقلت الأجيال حكايات الناجين وأهالي الضحايا عن ذلك اليوم الذي خرج فيه الأطفال إلى مدرستهم ولم يعودوا إلى منازلهم.

أهالي بحر البقر يودعون أحمد الدميري..رحيل شاهد حمل ذاكرة المذبحة لأكثر من خمسة عقود

وشيع أهالي قرية بحر البقر جثمان الدميري في جنازة مهيبة، قبل أن يوارى الثرى بمقابر أسرته، وسط حالة من الحزن بين أبناء القرية.

وبرحيله، تفقد بحر البقر أحد أبنائها الذين عاشوا تفاصيل المذبحة ونجوا منها، ثم حملوا شهادتهم عن ذلك اليوم لعقود طويلة.

ورحل الدميري، لكن شهادته بقيت جزءًا من ذاكرة بحر البقر، شاهدة على طفل نجا من الموت، وعاش بقية حياته يحمل في ذاكرته وجوه زملائه ومشاهد يوم لم تنسه السنوات.