فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

مشروع بحثي يحول الطحالب إلى منظومة لإنتاج الطاقة ومعالجة المياه ودعم الأمن الغذائي

الطحالب، فيتو
الطحالب، فيتو

قدم فريق بحثي من المركز القومي للبحوث مشروعا لتحويل الطحالب إلى مورد إنتاجي متعدد الاستخدامات، يجمع بين إنتاج الطاقة الحيوية ومعالجة المياه وإنتاج الأسمدة ومحفزات النمو والاستفادة من البروتينات والأعلاف، ضمن نموذج يقوم على الاقتصاد الدائري الحيوي. 

ويضم الفريق الدكتورة هناء حسين عبد الباقي، أستاذ باحث بالمركز، والدكتور جمال سيد الباروطي، والدكتورة إيمان أحمد إبراهيم، فيما جرى تطبيق المشروع كنموذج للمستثمرين في مزرعة أكاديمية بحثية بالمغرة.
 

 

الطحالب تتحول من محصول إلى مصنع حيوي متعدد المنتجات
 

يقوم المشروع على استزراع سلالات مختارة من الطحالب الدقيقة وفقا للهدف الإنتاجي، سواء للحصول على كتلة حيوية غنية بالزيوت أو البروتينات أو المركبات الحيوية ذات القيمة الاقتصادية.
 

ويستهدف المشروع الاعتماد على مصادر مياه غير تقليدية، من بينها المياه المالحة ومياه الصرف الزراعي بعد المعالجة الأولية المناسبة، بما يقلل المنافسة على موارد المياه العذبة المستخدمة في الزراعة التقليدية.


وتبدأ دورة الإنتاج من المياه غير التقليدية، ثم استزراع الطحالب وإنتاج الكتلة الحيوية، وصولا إلى مجموعة من المنتجات ذات القيمة الاقتصادية، مع إمكانية استفادة الطحالب من المغذيات الموجودة في بيئة الاستزراع وامتصاص ثاني أكسيد الكربون خلال عملية البناء الضوئي.
 

الطحالب لإنتاج الطاقة الحيوية
 

تتيح بعض سلالات الطحالب استخراج الزيوت منها وتوظيفها في إنتاج الوقود الحيوي، ومنه الديزل الحيوي، كما يمكن الاستفادة من الكتلة الحيوية في إنتاج الغاز الحيوي وفقا للتكنولوجيا المستخدمة.
ويفتح ذلك المجال أمام استخدام الطحالب كمصدر للطاقة المتجددة، وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، ودعم الاتجاه نحو مصادر طاقة منخفضة الانبعاثات.
 

أسمدة حيوية ومحفزات نمو من الكتلة الطحلبية
 

لا تتوقف استخدامات الكتلة الحيوية عند إنتاج الطاقة، إذ يمكن توظيفها أو استخدام بعض مكوناتها في إنتاج الأسمدة الحيوية ومحفزات النمو النباتية، بما يساعد على دعم الإنتاج الزراعي وتقليل الاعتماد على بعض المدخلات الكيميائية.
ويربط هذا المسار بين التكنولوجيا الحيوية والزراعة، لتصبح الطحالب جزءا من دورة الإنتاج الزراعي وليس منتجا مستقلا فقط.
 

البروتينات والأعلاف ضمن منظومة الأمن الغذائي
 

تتميز بعض الطحالب بمحتواها من البروتينات والعناصر الغذائية والمركبات الحيوية، ما يتيح إمكانية توظيفها في تطبيقات الأعلاف وبعض الاستخدامات الغذائية وفقا لنوع السلالة والغرض من الاستخدام والاشتراطات التنظيمية.
ويمثل ذلك مسارا إضافيا لدعم الأمن الغذائي، في ظل الحاجة إلى مصادر بديلة ومستدامة للبروتين.
 

الطحالب تدخل على خط معالجة المياه
 

يعد دمج إنتاج الطحالب مع إدارة الموارد المائية أحد أبرز محاور المشروع، من خلال استخدام المياه المالحة أو مياه الصرف الزراعي بعد المعالجة الأولية في عمليات الاستزراع.
كما يستهدف المشروع الاستفادة من قدرة الطحالب على امتصاص المغذيات الزائدة وبعض الملوثات في بيئة النمو، بما يسمح بتصميم منظومة تجعل المياه جزءا من دورة المعالجة وإعادة استخدام الموارد.
ويفتح ذلك المجال مستقبلا أمام دمج وحدات الاستزراع الطحلبي مع بعض نظم معالجة المياه، مع تقييم جودة المياه ومعدلات إزالة الملوثات وإمكانية إعادة الاستخدام وفقا لطبيعة كل تطبيق.
ثاني أكسيد الكربون يتحول إلى كتلة حيوية
يعتمد المشروع كذلك على الاستفادة من ثاني أكسيد الكربون كمصدر للكربون اللازم لنمو الطحالب داخل نظم الاستزراع المناسبة.
ومن خلال البناء الضوئي، تستخدم الطحالب ثاني أكسيد الكربون في تكوين الكتلة الحيوية، بما يتيح إدخاله ضمن تصور للاقتصاد الدائري منخفض الكربون، وتحويله في النظم الملائمة إلى مادة أولية تساعد على إنتاج كتلة حيوية يمكن الاستفادة منها اقتصاديا.
الاقتصاد الدائري محور رئيسي للمشروع
تعتمد الفكرة على دورة إنتاج متكاملة، تبدأ باستخدام مصادر المياه غير التقليدية، ثم استزراع الطحالب واستغلال المغذيات وثاني أكسيد الكربون، قبل حصاد الكتلة الحيوية وتوجيه مكوناتها إلى إنتاج الطاقة أو الأسمدة الحيوية أو المركبات الغذائية أو الأعلاف.
كما يمكن توظيف بعض النواتج والمخلفات في مسارات إنتاجية أخرى، بما يقلل الفاقد ويرفع القيمة الاقتصادية للموارد.
 

التكنولوجيا الذكية تراقب عملية الإنتاج
 

ويتضمن التصور البحثي إمكانية دمج تقنيات الزراعة الذكية والاستشعار والتحكم البيئي لمتابعة ظروف نمو الطحالب والإنتاج.
وتشمل عوامل المتابعة والتحكم درجة الحرارة والإضاءة والرقم الهيدروجيني وتركيز المغذيات وجودة المياه ومعدل نمو الكتلة الحيوية.
ويمكن أن يساعد ذلك على تحسين الإنتاجية وتقليل استهلاك الموارد، خاصة عند الانتقال من النموذج البحثي إلى وحدات الإنتاج التجريبية والتوسع الصناعي.
 

حلول مترابطة لمشكلات المياه والطاقة والغذاء
 

يستهدف المشروع التعامل مع عدد من التحديات في وقت واحد، من بينها ندرة المياه العذبة من خلال استغلال مصادر مياه غير تقليدية، وتدهور جودة المياه من خلال توظيف الطحالب في نظم المعالجة المناسبة.
كما يستهدف إنتاج وقود حيوي للحد من الاعتماد على الوقود الأحفوري، وإنتاج أسمدة حيوية ومحفزات نمو، وتوفير مسارات للاستفادة من الطحالب الغنية بالبروتينات، إلى جانب توظيف ثاني أكسيد الكربون وإعادة تدوير الموارد والمخلفات المناسبة.
الطحالب تربط المياه بالطاقة والغذاء
يقدم المشروع نموذجا لمفهوم ترابط المياه والطاقة والغذاء، إذ تدخل المياه في عملية الإنتاج، ويمكن إنتاج الطاقة من الكتلة الحيوية، بينما يمكن توجيه المنتجات الطحلبية إلى مجالات الغذاء والأعلاف والزراعة.
ويقوم هذا التصور على ربط قطاعات المياه والطاقة والغذاء داخل منظومة حيوية واحدة متعددة الوظائف بدلا من التعامل معها كقطاعات منفصلة.
 

براءات اختراع تدعم المسار البحثي للفريق
 

يمتلك الفريق البحثي سجلا من الابتكارات وبراءات الاختراع المرتبطة بمجال الطحالب، ومن بينها إنتاج سبيرولينا فيكوسيانين في صورة تركيبة تزيد مدة حفظها وفاعليتها للاستخدام كإضافات غذائية ومستحضرات تجميل، برقم 762697 بتاريخ 23 ديسمبر 2018.
كما شملت الابتكارات فصل والتعرف على ببتيدات جديدة من السندزمس ذات استخدامات حيوية واقتصادية برقم 765745 بتاريخ 11 مارس 2019، وإنتاج تركيبة بديلة عن الجيلاتين الحيواني من الإسبيرولينا برقم 708590 بتاريخ 21 أغسطس 2019.
وتضمنت الابتكارات كذلك إنتاج ديزل حيوي من الطحالب بإضافات طبيعية تزيد من احتراقه ومدة حفظه برقم 8253 بتاريخ 1 سبتمبر 2019، ونموذجا أوليا لجهاز لاستخلاص السكريات المتعددة الكبريتية من الطحالب برقم 9973 بتاريخ 9 أكتوبر 2019.
وفي 2023 قدم الفريق تركيبة من بروتينات طحلب سبيرولينا لمنع تكوين اللون البني عند تجفيف الفواكه، برقم EG/P/2023/417 بتاريخ 14 مارس 2023.
 

من مزرعة أكاديمية بالمغرة إلى فرصة استثمارية
 

تجاوز المشروع مرحلة الفكرة النظرية، وأصبح مطبقا كنموذج للمستثمرين في مزرعة أكاديمية بحثية بالمغرة، بما يتيح دراسة الانتقال إلى وحدات إنتاج تجريبية.
وتشمل المرحلة المقبلة المقترحة دراسة الجدوى الفنية والاقتصادية، وتحديد أفضل السلالات وظروف الإنتاج، وتقييم المنتجات الناتجة والأسواق المستهدفة، تمهيدا للتوسع الصناعي وربط التكنولوجيا بقطاعات الزراعة والطاقة ومعالجة المياه والتكنولوجيا الحيوية.
 

إمكانات للتوسع في مصر والمنطقة العربية
 

يمتلك هذا النوع من التكنولوجيا مقومات للتطبيق والدراسة في مصر، في ظل توافر مصادر مياه غير تقليدية ومساحات واسعة وأشعة شمس، إلى جانب وجود قاعدة بحثية في مجالات التكنولوجيا الحيوية والطحالب.
كما تتيح الظروف المناخية واحتياجات المياه والطاقة والغذاء في عدد من الدول العربية فرصا لدراسة توطين التكنولوجيا وتطوير تطبيقاتها، بعد إثبات الجدوى الفنية والاقتصادية واستيفاء المتطلبات التنظيمية.


علي عبد العزيز: الهدف نقل الابتكار من المعمل إلى السوق


وقال الأستاذ الدكتور علي عبد العزيز، رئيس مسابقة الابتكار الزراعي من أجل التنمية المستدامة ومؤسس المبادرة الوطنية دولة الابتكار الزراعي، إن مشروع زراعة الطحالب يمثل نموذجا للابتكار الذي يتعامل مع أكثر من تحد في وقت واحد، ويربط بين المياه والطاقة والغذاء والزراعة والاقتصاد الأخضر.
وأوضح أن القيمة الحقيقية للابتكارات تظهر عندما تتجاوز البحث النظري إلى نموذج تطبيقي يستطيع المستثمر رؤيته وتقييمه وتطويره، مشيرا إلى أن هذا يمثل أحد الاتجاهات التي تستهدفها المسابقة والمبادرة في دعم الابتكار الزراعي المصري.
وأكد أهمية توفير مسار يربط الباحثين بالشركات والمستثمرين والجهات التمويلية والجهات المعنية بالتطبيق والتسجيل والتصنيع، بما يساعد على تحويل نتائج البحث العلمي إلى قيمة اقتصادية وتنموية.
 

دولة الابتكار الزراعي من اكتشاف الفكرة إلى احتضانها
 

تستهدف المبادرة الوطنية دولة الابتكار الزراعي بناء مساحة تجمع الباحث والمبتكر والمزارع والقطاع الخاص والاستثمار، بما يساعد على انتقال الأفكار العلمية من مرحلة البحث إلى التطبيق.
وتأتي مسابقة الابتكار الزراعي من أجل التنمية المستدامة كإحدى الأدوات لاكتشاف النماذج الابتكارية وإبرازها وإتاحة فرص التواصل بين أصحابها والمجتمع العلمي والزراعي والقطاع الخاص.
ويبرز مشروع الطحالب أهمية متابعة الابتكار بعد انتهاء المسابقة، وقياس قدرته على الانتقال إلى المزارع والتصنيع والاستثمار والأسواق، وليس الاكتفاء بمرحلة المنافسة والجوائز.
الإعلام حلقة وصل بين المبتكر والمجتمع
يمثل الإعلام الزراعي حلقة مهمة في تعريف المزارعين والشركات والمستثمرين بالابتكارات البحثية، من خلال تبسيط التكنولوجيا وعرض التجارب الميدانية واستضافة الباحثين وإبراز النماذج القابلة للتطبيق.
كما تكتسب متابعة رحلة الابتكار بعد المسابقة أهمية خاصة، لمعرفة مدى انتقاله إلى التطبيق والتصنيع والاستثمار وتحوله إلى منتج أو حل قابل للاستخدام.


دعوة لتبني دولة الابتكار الزراعي كمنظومة وطنية


في ضوء النماذج التطبيقية للابتكار الزراعي، تتجدد الدعوة إلى تبني المبادرة الوطنية دولة الابتكار الزراعي وتحويلها إلى منظومة مستدامة لدعم الابتكار في القطاع الزراعي.
وتشمل المنظومة المقترحة اكتشاف ودعم المبتكرين، وحماية وتسجيل الابتكارات، وتوفير التجارب الحقلية والتطبيقية، وإنشاء وحدات تجريبية للابتكارات الواعدة، وربط الباحثين بالشركات والمستثمرين.
كما تشمل توفير مسارات للتمويل والاحتضان، وتسهيل الانتقال من البحث إلى التصنيع، ودعم تسويق المنتجات الابتكارية، وفتح مسارات للتصدير، وإنشاء منصة وطنية متخصصة للابتكار الزراعي، وإقامة ملتقيات تجمع الباحثين بالمستثمرين والقطاع الزراعي.


الطحالب نموذج للابتكار الزراعي متعدد الاستخدامات


يكشف مشروع زراعة الطحالب عن إمكانية تجاوز مفهوم الابتكار الزراعي التقليدي إلى إعادة تصميم دورة الإنتاج بالكامل، بحيث تصبح المياه غير التقليدية موردا للإنتاج، ويدخل ثاني أكسيد الكربون في دورة حيوية، بينما تتحول الكتلة الحيوية إلى مسارات مختلفة تشمل الطاقة والأعلاف والأسمدة وبعض التطبيقات الغذائية.
ويطرح المشروع نموذجا لربط البحث العلمي بالتطبيق والاستثمار، بما يعزز فرص تحويل الابتكارات المصرية إلى حلول إنتاجية تخدم ملفات المياه والطاقة والغذاء وتدعم الاقتصاد الأخضر.