عودة الجدل حول قانون الإجراءات الجنائية الجديد، أبو شقة: لا يجوز حرمان المواطن من حقوقه الدستورية
مع اقتراب تطبيق قانون الإجراءات الجنائية الجديد، عاد الجدل حول حقوق المتهم وضمانات الدفاع إلى الواجهة، خاصة ما يتعلق بحق الاستعانة بمحام خلال مراحل التحقيق والمحاكمة.
هل يستطيع قانون عادي أن يحرم المواطن من حق كفله له الدستور؟!.. وهل يفقد المتهم حقه في توكيل محام بمجرد أن يصبح متهما في قضية؟!.. وما الضمانات التي وضعها قانون الإجراءات الجنائية الجديد أمام جهات التحقيق؟!
أسئلة يجيب عنها المستشار بهاء الدين أبو شقة، وكيل مجلس الشيوخ السابق، ورئيس حزب الوفد الأسبق، موضحا حدود سلطة المشرع في تنظيم الحقوق الدستورية، وضمانات المتهم في القانون الجديد، وحالات ندب المحامي والاستثناءات التي حددها القانون، إلى جانب الضمانات المرتبطة بالتحقيق والحبس الاحتياطي.
هل يمكن للمواطن أن يُحرم من حقوقه الدستورية؟
قال المستشار بهاء الدين ابو شقة: إن الأصل هو ألا يُحرم المواطن من حق دستوري بقانون عادي؛ لأن الدستور هو القانون الأعلى، والقانون لا يملك أن يهدم ما قرره الدستور من حقوق وحريات، وإنما يملك فقط أن ينظم كيفية ممارستها، بشرط ألا يمس أصل الحق أو جوهره.
وأشار أبو شقة إلى أن هذا ما أكدته المادة 92 من الدستور صراحة بقولها: «الحقوق والحريات اللصيقة بشخص المواطن لا تقبل تعطيلًا ولا انتقاصًا. ولا يجوز لأي قانون ينظم ممارسة الحقوق والحريات أن يقيدها بما يمس أصلها وجوهرها».
وأوضح أن هذه القاعدة تتأكد في المجال الجنائي بصفة خاصة؛ لأن المتهم، بمجرد توجيه الاتهام إليه، لا يفقد صفته كمواطن ولا يسقط عنه ما كفله له الدستور من حقوق.
وأكد أن المادة 96 تنص على أن «المتهم بريء حتى تثبت إدانته في محاكمة قانونية عادلة، تكفل له فيها ضمانات الدفاع عن نفسه»، كما كفلت المادة 98 حق الدفاع أصالة أو بالوكالة، وقررت المادة 54 ضمانات جوهرية لمن تقيد حريته، من بينها تمكينه من الاتصال بمحاميه فورًا، وعدم بدء التحقيق معه إلا في حضور محاميه، فإن لم يكن له محامٍ نُدب له محامٍ.
ومن ثم، فإن قانون الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025، شأنه شأن أي قانون عادي، لا يجوز أن يُفسر أو يُطبق على نحو ينتقص من هذه الضمانات الدستورية. فالمشرع يستطيع أن ينظم الحق، لكنه لا يستطيع أن يصادره؛ ويستطيع أن يضع له إجراءات وضوابط، لكنه لا يستطيع أن يجعل هذه الإجراءات وسيلة لإفراغ الحق من مضمونه.
وأوضح بهاء الدين أبو شقة أن الفارق هنا دقيق ولكنه جوهري؛ فتنظيم الحق يعني وضع القواعد التي تكفل ممارسته بصورة منضبطة، أما الانتقاص منه فيعني أن يصبح الحق موجودًا في النص، لكنه معطل أو صوري في الواقع. ولذلك فإن أي نص إجرائي يجب أن يُقرأ دائمًا في ضوء الدستور، وألا يتحول ما يسمى «تنظيمًا للحق» إلى وسيلة للالتفاف عليه.
ولفت الى أن الحقيقة أن قوة الدولة لا تظهر في قدرتها على مواجهة المتهم وحدها، وإنما في قدرتها على ممارسة سلطتها في إطار القانون والدستور؛ فالدولة التي تحمي حق المتهم في الدفاع لا تحمي المتهم وحده، وإنما تحمي العدالة نفسها من أن تتحول من ميزان للحق إلى مجرد أداة للعقاب.
لا يجوز حرمان المواطن من حقوقه الدستورية!
ومن هنا تكون الإجابة واضحة: لا يجوز حرمان المواطن من حقوقه الدستورية بقانون عادي، ولا يجوز الانتقاص من أصل هذه الحقوق أو جوهرها، وإنما يجوز تنظيم ممارستها في الحدود التي رسمها الدستور.

هل سيُحرم المتهم من توكيل محامٍ في القضايا المختلفة؟
وهنا أثير عن حرمان المتهم من توكيل محامي في القانون الجديد نفى أبو شقة، قائلا: "لا يجوز القول إن قانون الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025 يحرم المتهم من حقه في توكيل محامٍ؛ فهذا الحق أصلٌ من أصول الدفاع، كفله الدستور صراحة، ولم يجعل الاستعانة بالمحامي منحة يجوز سلبها عن المتهم متى شاء المشرع موضحا ان المادة 98 من الدستور نصت على أن: «حق الدفاع أصالة أو بالوكالة مكفول»، كما أكدت المادة 96 أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته في محاكمة قانونية عادلة تكفل له ضمانات الدفاع عن نفسه.
القانون الجديد لا ينتزع حق المتهم في توكيل محام
وقد جاء قانون الإجراءات الجنائية الجديد مؤكدًا لهذا الأصل، فنص في المادة 105 على أنه لا يجوز لعضو النيابة العامة استجواب المتهم أو مواجهته بغيره من المتهمين أو الشهود إلا في حضور محاميه، فإذا لم يكن له محامٍ، أو لم يحضر محاميه بعد دعوته، وجب على المحقق أن يندب له محاميًا.
واشار الى ان القانون قرر في المادة 70 حق المتهم ومحاميه في حضور إجراءات التحقيق، وأجاز لهما تقديم الدفوع والطلبات والملاحظات، فضلًا عن الضمانات المتعلقة بالاطلاع على أوراق التحقيق والحصول على صور منها في الحدود التي رسمها القانون.
وشدد بهاء أبو شقة على انه لا يتوقف الأمر عند مرحلة التحقيق؛ فقد حرص القانون كذلك على عدم ترك المتهم بغير دفاع في الحالات التي تستوجب وجود محامٍ، فأوجب ندب محامٍ للمتهم في الجنايات إذا لم يكن قد وكل محاميًا، كما أوجب ندب محامٍ في الجنح التي يجوز فيها الحبس وفق الضوابط التي حددها القانون. ومن ثم فإن عدم قدرة المتهم على توكيل محامٍ لا تعني سقوط حقه في الدفاع، وإنما يرتب في الحالات التي أوجب فيها القانون ذلك تدخل جهة التحقيق أو المحكمة لندب محامٍ له.
هناك إجراءات ترتبط بالظروف الاستثنائية
إلا ان ابو شقة عاد وقال: إن القانون وضع بعض الاستثناءات الإجرائية المرتبطة بظروف استثنائية محددة، ومنها الحالات التي تتوافر فيها ضرورة عاجلة يحددها القانون، وهو ما يجب فهمه في نطاقه الضيق دون أن يتحول الاستثناء إلى أصل أو إلى وسيلة لتجاوز الضمانة الدستورية. فالأصل هو حضور المحامي، والاستثناء لا يقاس عليه ولا يجوز التوسع فيه بما يؤدي إلى إهدار حق الدفاع.
ومن هنا، فإن المسألة ليست في أن المتهم «سيُحرم من المحامي»، وإنما في مدى كفاية الضمانات التي أحاط بها القانون ممارسة هذا الحق، ومدى التزام سلطات التحقيق والمحاكمة بها عمليًا. فوجود النص وحده لا يكفي إذا تحولت ضمانة الدفاع إلى مجرد حضور شكلي لا يستطيع المحامي معه الاطلاع أو المناقشة أو إبداء الطلبات والدفوع بصورة حقيقية.
واوضح ابو شقة ان الخلاصة أن المتهم لا يفقد حقه في توكيل محامٍ بسبب الاتهام، ولا يجوز للقانون العادي أن يصادر أصل هذا الحق الدستوري؛ وإنما ينظم القانون كيفية ممارسته، ويُلزم في الحالات التي حددها بندب محامٍ عند عدم وجود محامٍ موكل. ويبقى التحدي الحقيقي هو ضمان أن يكون الدفاع حقيقيًا وفعالًا، لا مجرد وجود محامٍ في الأوراق.
ما هي ضمانات التقاضي أمام جهات التحقيق؟
وعن ضمانات التقاضي امام المحكمة في القانون الجديد، أوضح أبو شقة أنه إذا كانت مرحلة التحقيق هي البداية الحقيقية للمواجهة بين المواطن وسلطة الاتهام، فإن ضمانات العدالة يجب أن تبدأ منها، لا أن تنتظر حتى يصل المتهم إلى قاعة المحكمة؛ لأن ما يُتخذ في التحقيق من إجراءات قد يرسم منذ البداية ملامح الدعوى الجنائية ومركز المتهم فيها.
ولفت إلى الدستور وقانون الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025 حرص على إحاطة هذه المرحلة بمجموعة من الضمانات التي تحول دون أن تتحول سلطة التحقيق إلى سلطة مطلقة لا يحدها حق الدفاع أو رقابة القضاء.
حق المتهم في الاستعانة بمحامٍ أمام جهات التحقيق
وقال إنه يأت في مقدمة هذه الضمانات حق المتهم في الاستعانة بمحامٍ وحضوره إجراءات التحقيق، وهو حق يستند إلى المواد 54 و96 و98 من الدستور، وأكده القانون الجديد، فلا يجوز استجواب المتهم أو مواجهته بغيره من المتهمين أو الشهود إلا في حضور محاميه، فإذا لم يكن له محامٍ وجب ندب محامٍ له في الحالات التي حددها القانون.
حق المحامي في الحضور دفاعا عن المتهم
كما كفل القانون للمتهم ومحاميه حق الحضور وتقديم الطلبات والدفوع والملاحظات، وأوجب إخطار الخصوم بمواعيد التحقيق ومكانه، وأتاح لهم الاطلاع على أوراق التحقيق والحصول على صور منها وفق الضوابط القانونية. وهذه الضمانات ليست إجراءات شكلية، وإنما هي الوسيلة التي يستطيع بها الدفاع أن يراقب سلامة التحقيق وأن يواجه ما يقدم فيه من أدلة وأقوال.
رقابة قضائية على الحبس في القانون الجديد
وأكد أن من أهم الضمانات كذلك الرقابة القضائية على الحبس الاحتياطي؛ إذ لم يترك القانون أمر استمرار تقييد حرية المتهم لإرادة جهة التحقيق وحدها، وإنما وضع مددًا وضوابط ومددًا تستلزم عرض الأمر على القضاء للنظر في استمرار الحبس أو الإفراج عن المتهم، مع تقرير حقه في التظلم واستئناف أوامر الحبس ومده وفقًا للقواعد التي حددها القانون.
وأوضح أنه تكتمل هذه الضمانات بمبدأ جوهري هو خضوع إجراءات التحقيق للقانون ورقابة القضاء؛ فلا يجوز أن تتحول سلطة التحقيق إلى غاية في ذاتها، وإنما تظل وظيفتها الوصول إلى الحقيقة في إطار الشرعية الإجرائية واحترام الحقوق والحريات. ولذلك فإن أي إجراء يمس الحرية أو حق الدفاع يجب أن يجد سنده في القانون، وأن يمارس في الحدود التي رسمها، وألا يتحول الاستثناء إلى وسيلة لتجاوز الأصل.
ضمانات التحقيق ليس معناها تعطيل العدالة!
وأشار أبو شقة إلى أن ضمانات التحقيق لا تعني تعطيل العدالة أو حماية المتهم من المساءلة، وإنما تعني أن الوصول إلى الحقيقة يجب أن يتم بوسائل مشروعة؛ لأن العدالة الجنائية لا تكتسب قيمتها من النتيجة وحدها، وإنما من الطريق الذي وصلت به إلى هذه النتيجة.