أشرف سيد يكتب: لطفك يا رب.. ليلة بكت فيها طرة البلد
لطفك يا رب.. ربما تكون هذه العبارة هي الأصدق لوصف حال طرة البلد اليوم بعدما بدأت لجان الحصر عملها في المنطقة منذ الصباح الباكر وسط مخاوف الأهالي من أن تكون هذه الخطوة تمهيدا لإزالة منازلهم ضمن مشروع التطوير.
في لحظة كهذه عجز اللسان عن الرد ولم يعد السؤال فقط: ماذا سيحدث للبيوت؟ وإنما أصبح السؤال الأصعب: ماذا سيحدث لأصحاب هذه البيوت وللحياة التي عاشوها داخلها عشرات السنين؟
عم سيد: يا ابني.. أنا عاوز أموت هنا
عم سيد.. رجل تجاوز الثمانين من عمره لم يجد ما يقوله سوى جملة بسيطة تقطع القلب: يا ابني.. أنا عاوز أموت هنا.. لم يكن يتحدث عن أربعة جدران فقط وإنما عن عمر كامل وذكريات وجيران وأصدقاء وشارع يعرفه ويعرف تفاصيله ومكان يشعر فيه الرجل العجوز بالأمان.
فكيف يمكن أن يكون الرحيل على رجل في هذا العمر مجرد انتقال من مكان إلى آخر؟
أم راشد
وهناك أم راشد التي لديها ثلاثة أبناء من ذوي الدمج في مراحل تعليمية مختلفة.. بالنسبة إليها، المكان ليس عنوانا على بطاقة وإنما بيئة اعتاد أبناؤها عليها وأهالى يعرفون ظروفهم ويتعاملون معهم بصورة خاصة ويحاولون حمايتهم من أي تنمر أو مضايقات.
كما أن الأسرة تعتمد، إلى جانب ذلك على مساعدات شهرية تساعدها على مواجهة أعباء الحياة.
والسؤال هنا ليس اعتراضا على التطوير وإنما سؤال إنساني بسيط: ماذا سيكون مصير هؤلاء الأبناء إذا تغير المكان وتغيرت البيئة التي اعتادوا عليها؟ ومن سيوفر لهم الأمان والرعاية التي وجدوا عليها لسنوات؟
أم عيد وأم مريم
وأم عيد وأم مريم وغيرهما من النساء اللاتي يعولن أسرا كبيرة منهن من تتحمل مسؤولية ما يقرب من عشرين ابنا وحفيدا ومنهن من لا تملك في الدنيا إلا أربعة جدران تؤويها وأبناءها وتعيش على المساعدات التي تصل إليها من أهل الخير والجمعيات.
هؤلاء لا يملكن رفاهية البدء من جديد ولا مدخرات تكفي لتأمين حياة أخرى ولا قدرة على تحمل أعباء انتقال قد يكون أكبر من إمكاناتهن
كما يقف شاب في زاوية جانبية على النيل كان يجهز شقته استعدادا للزواج وفرحه اقترب فإذا بالحلم الذي بناه طوبة فوق طوبة يصبح مهددا أمام عينيه.
كم شابا مثل أشرف مشعل كان يدخر من قوته وعرقه ليبدأ حياته؟ وكم أسرة رتبت مستقبل أبنائها على أمل أن يكون لهم بيت صغير يستقرون فيه؟
أحيانا لا تحتاج الأحلام إلى جرافة حتى تموت يكفي أن يعيش صاحبها أياما طويلة وهو لا يعرف هل سيظل له مكان أم لا.
وهناك الجمعيات الأهلية التي ترعى ما يقرب من مائتي أسرة من خلال إعانات شهرية ومساعدات موسمية.
هذه الجمعيات ليست مجرد مقرات أو لافتات وإنما شبكة صغيرة من التكافل الاجتماعي نشأت وسط الناس ولأجل الناس... فإذا تغير المكان فكيف ستستمر هذه المنظومة؟ وأين ستذهب الأسر التي اعتادت أن تجد من يمد إليها يد العون في وقت الحاجة؟
أما أصحاب الأعمال الصغيرة فلكل واحد منهم حكاية أخرى. الحاج إسماعيل صاحب محل المكواة وعلي الترزي وأبو رامي وضياء وحمص أصحاب محلات السوبر ماركت، وغيرهم كثيرون، لم تكن محلاتهم مجرد أبواب خشبية تفتح صباحا وتغلق مساء، إنها مصدر رزق أسر بأكملها.
مشايخ المساجد
وكذلك مشايخ المساجد الذين عاشوا بين الأهالي يعرفون كبار السن والأطفال والأسر الأكثر احتياجا وتربطهم بالمنطقة علاقة تتجاوز حدود المكان.
وفي مقهى علي بعله حكاية أخرى فالمقهى الذي قد يراه البعض مجرد مكان يجلس فيه الناس يقول أهالي المنطقة إن دخله يساعد في الإنفاق على عدد من الأسر.
وفي طرة البلد كثير من تفاصيل الحياة متشابكة محل يساعد بيتا وجار يسند جارا وصاحب عمل يعرف ظروف العامل وجمعية تعرف الأسرة التي تحتاج إلى مساعدة ومسجد يعرف من غاب عنه فجأة.
عم ناصر الجزار والقروض
ثم يأتي عم ناصر الجزار الذي يعمل وعليه قروض والتزامات عديدة. الرجل لا يسأل فقط: أين سأعيش؟ وإنما يسأل سؤالا أكثر قسوة: إذا توقفت عن العمل، فمن سيسدد عني؟ وإذا فقد مصدر رزقه فهل تتوقف الأقساط معه؟ أم تظل الديون قائمة بينما يتوقف الدخل؟
إنها أسئلة بسيطة في ظاهرها لكنها بالنسبة إلى رجل يعيش يومه بيومه قد تعني مستقبل أسرته كله.
موت وخراب ديار
وحتى الموت الذي لا يستطيع أحد أن يمنعه أصبح له في طرة البلد سؤال آخر.
فإذا مات أحد الأهالي أين سيكون الدفن؟ فقد جرى نقل المقابر إلى العاشر من رمضان، فأصبحت المسافة والتكاليف عبئا إضافيا على أسرة فقدت عزيزا.. وهنا يخرج السؤال من مجرد أين نسكن؟ إلى أين سندفن موتانا؟. موت وخراب ديار كما يقول البعض في مرارة، بعدما أصبحت حتى تكلفة الوصول إلى المقابر والدفن فوق قدرة بعض الأسر.
دموع في عيون البسطاء
ولعل أكثر ما يوجع في المشهد أن الأهالي لا يفكرون فقط في اليوم التالي وإنما في تفاصيل حياتهم التي قد تختفي إذا تغير المكان.. هل سنجتمع مرة أخرى في صلاة الجمعة؟ هل ستظل مواسمنا وأفراحنا وأحزاننا في المكان نفسه؟ هل سيظل الجيران جيرانا؟ وهل سيعرف أبناؤنا المكان الذي ولدنا وعشنا ومتنا؟
هذه ليست أسئلة رفض للتطوير ولا دعوة إلى مواجهة أحد وإنما أسئلة مواطنين يريدون أن يعرفوا مصيرهم بوضوح.. فالحصر بالنسبة إلى المواطن الخائف ليس مجرد إجراء ميداني إنه لحظة ثقيلة جدا لأنه يرى أشخاصا يدخلون إلى المكان الذي عاش فيه عمره كله ولا يعرف ماذا تعني هذه الخطوة بالنسبة إلى بيته ومستقبل أسرته
ولذلك فإن طرة البلد اليوم لا تحتاج إلى مزيد من الغموض.. تحتاج إلى كلمة واضحة وشرح صريح وخرائط يعرف المواطن من خلالها هل بيته داخل خط المشروع أم لا ومعرفة مصير الأسر وأصحاب الأعمال والطلاب وذوي الاحتياجات الخاصة وكبار السن وأصحاب المعاشات والمساعدات وأصحاب القروض والالتزامات
فالبيت ليس حائطا فقط، والمحل ليس بابا فقط، والمقهى ليس كراسي وطاولات، والمسجد ليس مبنى، والمقبرة ليست قطعة أرض... هذه كلها أجزاء من حياة الناس وذاكرتهم وعلاقاتهم وأرزاقهم.
لطفك يا رب
وفي نهاية هذا اليوم ربما لا يملك أهالي طرة البلد إلا أن يقولوا: لطفك يا رب.
ولعل أملهم الأخير أن تصل أصواتهم قبل أن تصل أي جرافة، وأن يسمع المسؤولون حكايات هؤلاء الناس فردا فردا، لأن بعض القرارات حين تتعلق بالبيوت والرزق والعمر لا يكفي أن تشرح في الأوراق، وإنما تحتاج إلى أن تفهم أولا في قلوب البشر الذين ستتغير حياتهم بسببها
يا رب.. إن كان في التطوير خير فاجعله خيرا على الناس لا عليهم، وإن كان الرحيل قدرا مكتوبا فارزقهم من الأمان والستر والبديل ما يجبر خواطرهم، واحفظ بيوت طرة البلد وأهلها من كل سوء
لا حول ولا قوة إلا بالله.