أثر سيد درويش على المسرح الغنائي، ثنائيته مع بديع خيري لحظة فارقة ولحن أعمال هذا الثلاثي
في كل عام، حين تحل ذكرى خالد الذكر الشيخ سيد درويش، لا يتم الاحتفاء فقط بملحن سابق عصره، بل بتجربة فنية أسهمت في إعادة تشكيل الوجدان الفني المصري، ولم تكن تجربة سيد درويش مجرد محطة مهمة في تاريخ الموسيقى المصرية فقط، وإنما امتد تأثيرها إلى المسرح، الذي وجد في ألحانه وسيلة جديدة للتعبير عن الشارع المصري وتفاصيل الحياة اليومية، ومع اقتران موسيقاه بالكلمة المسرحية، بدأت الأغنية تأخذ دورا يتجاوز حدود الاستعراض، لتصبح جزءا من البناء الدرامي وشريكا في التعبير عن الشخصيات والأحداث.
كما تبرز في هذه التجربة العلاقة الفنية التي جمعته بالكاتب بديع خيري والفنان نجيب الريحاني، والتي أسهمت في تقديم لون مختلف من المسرح الغنائي والكوميدي، وتقاطعت تجارب الثلاثة مع مرحلة مهمة من تطور المسرح المصري، خاصة في السنوات التي سبقت ثورة 1919 وما تلاها، وهي مرحلة شهد فيها المسرح اتجاها متزايدا نحو الاقتراب من الحياة اليومية والتحولات الاجتماعية والسياسية في مصر.
في ذكرى رحيل سيد درويش، التي تحل في سبتمبر، تعود هذه التجربة إلى الواجهة، ليس فقط باعتبارها جزءا هامًا من تاريخ المسرح المصري، وإنما لأنها تكشف كيف تركت ألحان سيد درويش وتعاونه مع بديع خيري وارتباطه بتجربة نجيب الريحاني أثرا امتد إلى أجيال لاحقة، وكيف بقيت أعماله حاضرة في الذاكرة الفنية المصرية حتى اليوم.

وفي هذا السياق، قالت الدكتورة سامية حبيب، أستاذ النقد والدراما بأكاديمية الفنون، إن الاحتفاء بذكرى الشيخ سيد درويش أمر مهم، مؤكدة أن "سيد درويش ذكرى لا تموت"، وأنه ملحن ومطرب ومسرحي مهم، ترك أثرًا واضحا في الثقافة الموسيقية والغنائية المصرية والعربية.
وأوضحت أن التاريخ يؤكد مكانة سيد درويش باعتباره مجدد الموسيقى العربية الحديثة، لما أدخله من نغمات وألحان، وما قدمه من تطوير للقوالب التقليدية مثل الطقاطيق والموشحات وغيرها، مضيفة: "طبعا كلنا بنردد في كل المناسبات النشيد الوطني "بلادي بلادي" اللي هو ألحانه وكلمات الشيخ يونس القاضي، وما زال هذا اللحن الخالد يحيا في وجداننا ووجدان كل مصري وطني على مر التاريخ".
وأكدت أن الشيخ السيد درويش البحر أحدث تأثيرا كبيرا في المسرح الغنائي المصري والعربي، وقالت: "المهم ونحن ندرسه نتأمل أعماله الخالدة زي "الباروكة" و"العشرة الطيبة"، و"شهرزاد"، دي الأوبريتات أو المسرحيات الغنائية اللي هو عملها مخصوص للمسرح".
لحن مسرحيات جورج أبيض والريحاني والكسار
وأضافت أن سيد درويش تعاون في هذه الأعمال مع عدد من أبرز كتاب وشعراء عصره، قائلة: "تعاون فيها طبعا مع البديع المبدع بديع خيري، محمد بك تيمور، عمر وصفي، ودول كانوا من عيون العصر في الكتابة والأشعار والأزجال"، ولم يقتصر دور سيد درويش على الأوبريتات والمسرحيات الغنائية، إذ لحن أيضا مسرحيات أخرى، وهو ما أوضحته سامية حبيب قائلة: "إنما سيد درويش كان ملحن لمسرحيات أخرى وليست أوبريتات، بمعنى إنه لحن مسرحيات في مسرح جورج أبيض وفي مسرح نجيب الريحاني وفي مسرح علي الكسار".
وأشارت إلى أن هذا يعود تاريخيًا إلى أن العصر كان مزاجه غنائيا وموسيقيا، حيث قالت: "كان هناك انتعاش في تجربة المسرح وبالتحديد المسرح الغنائي أو المسرح اللي جواه أغاني وألحان"، وتابعت: "وكما نعلم إنه كان في مسارح متخصصة في الغناء زي مسرح الشيخ سلامة حجازي، ومسرح منيرة المهدية أول ممثلة ومخرجة وصاحبة فرقة قدمت مسرح غنائي من بطولتها وغنائها"، وأكدت أن سيد درويش كان عنصرا أساسيا في هذه الأعمال وفي ذلك العصر، وبالتالي امتد تأثيره إلى غيره من زملائه وإلى عصور فنية جاءت من بعده، موضحة أن الرواج المسرحي الذي امتد من عام 1905 تحديدا وحتى وفاته عام 1923 شهد نشاطا كبيرا، وأسهم في تطوير الألحان ودمجها دمجا دراميا داخل قصة أو حكاية أو حدوتة إنسانية.. والأهم إنها كمان موضوع وطني.. شهرزاد موضوع وطني عن كفاح مصر.. العشرة الطيبة”، وتابعت "فكان فنان عنده الحس الوطني والحس الجمالي، والعصر كله كان بيحب المسرح الغنائي وبيشجعه وبيعمق تجربته".
وتابعت موضحة: "وطبعا استمر بعده للأسف.. لأن هو من حظنا إنه كان قصير العمر ولكنه كان كثير الإنجاز، علشان كده تاريخيا كل الدراسات دايما بيسموه الشيخ خالد الذكر السيد درويش، المؤسس لنهضة الدراما والمسرح والأوبريت الغنائي منذ مطلع القرن العشرين لحد وفاته، واللي أثر بعد كده سواء في تطوير الألحان اللي أخدها الجيل اللي بعده، منهم طبعا الأستاذ محمد عبد الوهاب، أو في تطوير المسرح الموسيقي والغنائي برضه اللي جه بعد كده في مرحلة الثلاثينيات والأربعينيات"، واختتمت حديثها قائلة: "رحم الله سيد درويش.. ويعني ما زالت أعماله وكتاباته وإبداعاته تستحق الدراسة وتستحق التقدير والتحية".

وقال الدكتور أسامة أبو طالب أستاذ الدراما والنقد بأكاديمية الفنون إن سيد درويش كان له تأثير على المسرح المصري وعلى الموسيقى المصرية والعربية بأكملها، موضحا: "هو طبعا هضم الموسيقى العربية كلها.. إحنا ما ننساش رحلته لدمشق عشان يتعرف على القدود الحلبية، ولا ننسى أيضا رحلته للمغرب، ولا ننسى أيضا الحديث الهام جدا اللي هو أدلى بيه وقال: "أنا بتمنى اليوم يجي الذي أستطيع أن أزور فيه إيطاليا فأشاهد وأستمع إلى الأوبرات العالمية".
وأضاف أن سيد درويش أسهم في نقل الموسيقى والأغنية العربية من شكلها القديم إلى التعبير عن المعنى، قائلا: "سيد درويش فعلا هو الذي بعث الموسيقى العربية وخلصها من الأغنيات القديمة التي كانت تسمى أغنيات "الهنك والرنك"، وتابع: “أيضا لأنه أخرج الموسيقى العربية من حالة التطريب السمعي فقط الفاقد للمعنى، إلى حالة التعبير عن المعنى.. الأغنيات التي كتبها طبعا بديع خيري وهو شخصية بالغة الأهمية في الثقافة المصرية”، وتابع: "فعلا سيد درويش وللمرة الأولى في تاريخ الموسيقى العربية ويمكن الشرقية، أعطى للكلمة معناها، للقصيدة مفهومها ومحتواها تعبيرا باللحن، تعبيرا بالنغم، يعني بالموسيقى".
وأشار إلى أن هذا الجانب ظهر بوضوح في ألحان سيد درويش، قائلا: "عندما نستمع إلى "عطشان يا صبايا دلوني على السبيل" ودي أغنية فولكلورية دي أغنية شعبية قديمة مطلع تم تنميته، إحنا نرى فيها هذا الاشتياق.. الرغبة في الارتواء"، وأضاف: "لما نسمع أكتر تزيد الحالة لما بيقول "عشان ما نعلى ونعلى ونعلى لازم نطاطي نطاطي نطاطي"، فيتجسد المعنى في صورة أمامنا".
وتحدث أبو طالب أكثر عن سيد درويش قائلا: “سيد درويش عارف يعني متى يكون اللحن نغميا مقتصر على النغمة، ومتى يكون اللحن معبرا عن المعنى، ومتى يكون اللحن أيضا مهم جدا معبرا عن الحالة النفسية التي تصورها الكلمات”.
وأردف أبو طالب: "هنا كان نفس المسرح أو الملمح الدرامي المسرحي موجود في أعمال سيد درويش، لأن الأعمال الغنائية فيها صور بتتحرك أمامنا، فيها أصوات متعددة، كل ده اللي يسمى: درامية اللحن أو درامية الأغنية، سيد درويش استطاع أن يحقق ذلك في هذه السن الصغيرة".
ثنائيته مع بديع خيري لحظة فارقة في تاريخ المسرح الغنائي
وتطرق إلى مصادر ثقافة سيد درويش الموسيقية، موضحا: "استفاد سيد درويش كتيرا جدا من قارئي القرآن في عصره، استفاد من معرفة المقامات والنغمات، استطاع أن يعرف يعني متى يكون الوقف بأنواعه، ومتى يكون الابتداء بأنواعه"، وتابع: "سيد درويش ثقافة كبيرة تعلم الموسيقى بنفسه من الشارع المصري، من أغاني بياعي الخضار والطماطم والدندرمة، كل هذه المسائل قبل أن توجد المعاهد الموسيقية في مصر على الإطلاق".
وأكد أن استلهام سيد درويش للألحان الشعبية من الشارع كان له دور أساسي في طبيعة موسيقاه، قائلا: "اقتباسه أو استلهامه اللحن الشعبي من أصوات البائعين، المسألة بالغة الأهمية جعلت موسيقاه موسيقى حية، ليست موسيقى منفردة لا نستطيع أن نقول إنها موسيقى تطريبية ممتعة، لكنها موسيقى درامية تحمل المعنى، وتصور المعنى الذي تحمله الألفاظ".
وعن علاقته ببديع خيري ونجيب الريحاني، قال أبو طالب: "لقاؤه ببديع خيري ده كان هام جدا، هو الذي كتب له أكثر أعماله، بديع خيري كان مفعما بحب مصر وبأحلام الوطن.. ونجيب الريحاني كمان، هو عصر عظيم جدا، العصر الذي تمخض عن ثورة 1919".
