فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

4 روافد صنعت عبقرية سيد درويش، حكاية 7 سنوات غيرت شكل الموسيقى العربية

سيد درويش
سيد درويش

تحل في سبتمبر من كل عام ذكرى رحيل مجدد الموسيقى العربية وباعث نهضتها الحديثة، "فنان الشعب" الموسيقار سيد درويش، الذي ترك رغم رحيله المبكر عام 1923 بصمة خالدة شكلت وجدان الأمة وأعادت رسم هوية الفن المصري والعربي، فمن قلب حي "كوم الدكة" بالإسكندرية، حيث ولد في 17 مارس 1892، انطلقت مسيرة استثنائية بدأت شرارتها الأولى عام 1899 في أروقة المدرسة بدعم من أستاذ الموسيقى، ليتقن وهو ابن ثماني سنوات غناء الموشحات والأشعار الدينية، قبل أن يتجه عام 1905 للدراسة بالمعهد الديني بالإسكندرية.

مسيرة سيد درويش 

ولم تكن مسيرة سيد درويش مجرد رحلة احترافية بدأت بصدفة قادته إلى فرقة سليم عطا الله والسفر إلى الشام والتعمق في أصول الفن والتخت الشرقي على يد أقطاب الموسيقى كعثمان الموصلي، بل كانت بمثابة ثورة فنية نقلت الموسيقى من النمط التقليدي إلى رحاب التعبيرية والواقعية.

فمع انتقاله إلى القاهرة عام 1917 وانطلاقه في تلحين روايات أكبر الفرق المسرحية بشارع عماد الدين كفرق نجيب الريحاني وجورج أبيض وعلي الكسار، أحدث درويش نقلة نوعية بإدخاله التقنيات الغربية الحديثة كـ "الغناء البوليفوني" وتوزيع الهارموني والكونتربوينت في ألحانه، ليتوج هذه النجاحات بتأسيس فرقته الخاصة عام 1921 وتأليفه لرائعة "بلادي بلادي" التي أصبحت السلام الوطني الرسمي لمصر.

وتحدثت “فيتو” مع الدكتور أشرف عبد الرحمن، أستاذ النقد الموسيقي بأكاديمية الفنون، لتسليط الضوء على المحطات المفصلية في حياة فنان الشعب، وأبرز قوالبه وأعماله التي جعلت منه أبا للموسيقى العربية بلا منازع.

مغنى جميع الطوائف

فأكد الدكتور أشرف عبد الرحمن، أن الموسيقار سيد درويش يعد "أبو الموسيقى العربية" ومغني جميع الطوائف دون استثناء، موضحا أن نشأته في حي "كوم الدكة" بالإسكندرية وسط بيئة شعبية، واختلاطه المباشر بالفئات البسيطة والعمال، بالإضافة لعمله بمهنة البناء في بدايات حياته، جعله الأقدر على التعبير عنهم، ونتيجة لهذا الاندماج، ابتكر ما يعرف بـ "أغاني الطوائف"، فغنى لكل فئة حرفية ومجتمعية من عمال وفلاحين وموظفين وسقايين وشحاتين وبنائين والعربجية، في ألحان غير مسبوقة لم يسبقه إليها أحد ولم يأت بعده من يماثلها، حيث كان يمتص روح الطائفة وأسلوبها في النداء والعمل ليقدمها بأصالة تامة.

سيد درويش
سيد درويش

أربعة روافد صنعت العبقرية.. أبعاد الثقافة الموسيقية لدى درويش 

​واستعرض أستاذ النقد الموسيقي الروافد الأربعة الأساسية التي شكلت عبقرية سيد درويش الموسيقية وثقافته الفريدة، حيث تمثل الرافد الأول في البيئة الشعبية التي نشأ وتشرب أسلوبها، وجاء الرافد الثاني من خلال رحلتيه إلى بلاد الشام ولبيئة لبنان في عامي 1909 و1912، حيث امتص الموسيقى الشامية بإيقاعاتها وأغانيها التراثية والمسرح الغنائي هناك، مما منح هويته الموسيقية أبعادا جديدة لم تتوفر لمعاصريه من الموسيقيين المصريين كالشيخ سلامة حجازي الذين لم يتأثروا بتلك الثقافات الخارجية.

​أما الرافد الثالث فكان الإنشاد الديني واحتكاكه المباشر بالبيئة الدينية، وهو ما أطلق عليه لقبه الشهير "الشيخ سيد" وأكسبه حسا تطريبيا عاليا، وقد تجلى هذا الحس في تطويره لـ "الدور"، وهو قالب غنائي قديم نشأ قبل سيد درويش بنحو مائتي عام وازدهر في القرن التاسع عشر على يد عبده الحامولي ومحمد عثمان، وقد طور سيد درويش هذا القالب إلى أقصى درجة في القرن العشرين وقدم من خلاله 10 أدوار فقط، ليكون هو والشيخ زكريا أحمد آخر من أبدعوا فيه قبل أن يبدأ بالاندثار، حتى أن الموسيقار محمد عبد الوهاب لم يقدم بعد ذلك سوى 6 أدوار فقط ثم تلاشى القالب تماما من الساحة.

انبهار سيد درويش بالأوبرا الخديوية أدى لتغيير الموسيقية العربية

​وكان الرافد الرابع والأهم هو شغفه الكبير بحضور عروض الأوبرا الخديوية التي أنشئت عام 1869، والتي لم يتأثر بها رواد القرن التاسع عشر لكبر سنهم واكتمال شخصيتهم الفنية قبل ظهورها، بينما انهمك سيد درويش في متابعتها منذ انتقاله إلى القاهرة عام 1917، وانبهر بالآلات الأوركسترالية والغناء الأوبراوي التمثيلية مقارنة بالتخت الشرقي التقليدي المكون من ثلاثة أو أربعة عازفين فقط، ويروي الفنان عبد الوارث عسر في تسجيل إذاعي نادر، وكان صديقا مقربا له، كيف كان يتمشى مع الشيخ سيد في شوارع وسط البلد، فيجدان ألحانه تعزف في خمسة مسارح في وقت واحد بينما لا يملك درويش “مليم” واحد في جيبه، مؤكدًا حرصه الدائم على مشاهدة الأوبرات الأوروبية لدرجة حضور بعض المسرحيات أكثر من عشر مرات.

​وأوضح الدكتور أشرف عبد الرحمن أن هذا الانبهار بالأوبرا كان السر وراء دخول "التعبيرية" إلى الموسيقى العربية والمسرح الغنائي على يد سيد درويش، مثل لحنه الخالد "أنا المصري كريم العنصريين"، فانتقلت هذه المدرسة التعبيرية لاحقا إلى القصائد والأغاني مع محمد عبد الوهاب ورياض السنباطي ومحمد الموجي وكمال الطويل وبليغ حمدي، الذين ساروا جميعا على نهج المدرسة التي أرساها درويش.

وأشار الناقد الموسيقي إلى أن سيد درويش يعد حالة استثنائية لم يتجاوز عمرها الفني سبع سنوات فقط، لكن إنتاجه الغزير يعادل عمل سبعين عاما، فقد قدم خلال هذه الفترة القصيرة 31 مسرحية غنائية، وكان عام 1919 وحده شاهدا على إنجاز تسع مسرحيات تضمنت أكثر من 74 لحنا صاغها خلال 12 شهرا فقط، ونجح من خلال هذا الإنتاج في تخليص الموسيقى المصرية والعربية من التأثر بالغناء التركي والموشحات القديمة، ومنحها هوية قومية خاصة قائمة بذاتها جعلته بحق "أبو الموسيقى العربية".

الدكتور أشرف عبد الرحمن 
الدكتور أشرف عبد الرحمن 

​كما تطرق الدكتور أشرف إلى الأسبقيات التقنية والقوالب الموسيقية الجديدة التي أدخلها سيد درويش، وفي مقدمتها "الغناء البوليفوني" (تعدد الأصوات وتداخلها) الذي استوحاه من الأوبرا واستخدمه لأول مرة في الموسيقى العربية عبر أوبريت "شهرزاد"، فضلا عن إدخاله آلة البيانو في العمل نفسه، وكان يطمح لمتابعة دراسته الموسيقية عبر بعثة إلى إيطاليا إلا أن وفاته المفاجئة عام 1923 حالت دون ذلك.

وشدد الناقد الموسيقي أنه قبل ظهوره سيد درويش كانت الساحة تقتصر على قالبي الموشحات والأدوار التطريبية، فقدم هو قالب "المونولوج" الغنائي الذي يحكي قصة ذات بداية ونهاية أو يخاطب فيها الفنان مشاعره ونفسه، كطقطوقة ومونولوج "والله تستاهل يا قلبي ليه تميل"، وأدخل "الطقطوقة" الخفيفة عام 1914 بلحن "خفيف الروح بيتعاجب" وقدم منها نحو 150 طقطوقة، بالإضافة إلى إدخاله "الدويتو" أو الثنائيات الغنائية إلى المسرح.

سيد درويش جعل الموسيقى ملكا للشعب

واختتم الدكتور أشرف عبد الرحمن بالحديث عن بدايات سيد درويش الصعبة، حيث لم يستقبل بالورود في البداية لرفض الجمهور المعتاد على التطريب القديم لأي تجديد، فعندما قدمه الشيخ سلامة حجازي على المسرح عام 1917 قائلا للجمهور "هذا هو مستقبل مصر"، لم يتقبله الحاضرون لتفضيلهم أسلوب سلامة حجازي، ولكن مع رحيل الأخير في العام نفسه، انتقلت الراية إلى سيد درويش، وسرعان ما جذبت ألحانه السلسة الشعب بمختلف طبقاته، فصار الناس يحفظون نغماته ويرددونها في الشوارع عقب خروجهم من المسارح.

وهكذا تحول الغناء على يديه من حصري للمطربين والطبقات الخاصة إلى ملك للشعب كله، فقد أخذ التراث وطوره، حيث قدم نحو 40 موشحًا قديمًا بأسلوب حديث، وابتكر الأغنية الوطنية بمفهومها المعاصر، ليكون بامتياز "الخلاط" الذي يجمع كل القوالب الموسيقية ويعيد تقديمها ببساطة وعمق لا يزال حيا حتى اليوم.