فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

من المعمل إلى الحقل، براءة اختراع مصرية ترفع إنتاج المحاصيل 40% وتواجه الآفات

ابتكار زراعي لمكافحة
ابتكار زراعي لمكافحة الآفات، فيتو

في الوقت الذي تتجه فيه الزراعة المصرية إلى زيادة الإنتاجية وترشيد استخدام الموارد والحد من الاعتماد على المدخلات الكيميائية، يبرز ابتكار بحثي مصري يستهدف تقديم حل تطبيقي لعدد من التحديات التي تواجه الإنتاج الزراعي، من خلال استخدام محفز نمو طبيعي يساعد النبات على تحسين النمو ورفع الإنتاجية وتعزيز قدرته على مقاومة بعض الآفات والظروف البيئية الصعبة.

الابتكار يحمل عنوان «محفز نمو طبيعي لزيادة الإنتاجية ومكافحة الآفات»، وحصل على براءة اختراع مصرية رقم 31388 بتاريخ 27 مارس 2024، كما تحول إلى منتج جديد ونموذج عمل تجاري قابل للتوسع والتصنيع والتسويق.

 يأتي الابتكار في مجال الأسمدة والمبيدات الصديقة للبيئة، ويقوده فريق بحثي برئاسة  الدكتورة سهير نظمي عبد الرحمن قناوي، رئيس بحوث «أستاذ» بمعهد بحوث تكنولوجيا الأغذية بمركز البحوث الزراعية ورئيس قسم بحوث تكنولوجيا المحاصيل سابقا، وبمشاركة  الدكتور عمرو أحمد مصطفى والدكتور عادل سيد عفيفي.

محفز طبيعي لتحسين نمو النبات

تعتمد فكرة الابتكار على استخدام محفز نمو طبيعي يساعد النبات على تنشيط الجذور وتحسين كفاءة امتصاص العناصر الغذائية، بما ينعكس على معدلات النمو والإنتاجية وجودة المحصول.

وبحسب نتائج التجارب التي يعرضها الفريق البحثي، فإن استخدام المنتج خلال الموسم الزراعي يمكن أن يسهم في زيادة الإنتاجية تصل إلى نحو 40% في عدد من المحاصيل التي خضعت للاختبار، إلى جانب تعزيز قدرة النبات على التعامل مع بعض الظروف البيئية والبيولوجية الصعبة.

ولا يقتصر دور الابتكار، وفقا لنتائج الفريق، على دعم نمو النبات، وإنما يستهدف أيضا تعزيز المناعة الطبيعية للنبات ورفع قدرته على مقاومة بعض الآفات، ومن بينها حشرات الأنفاق الورقية.

وأشار الفريق البحثي إلى تسجيل نتائج وصلت في بعض التطبيقات إلى منع الإصابة بالحشرة بنسبة 100%، وفقا لنتائج التجارب التي أجريت على المنتج.

منع الإصابة ودعم المقاومة الطبيعية

ويقدم الابتكار نهجا مختلفا في التعامل مع الآفات الزراعية، إذ لا يعتمد دوره فقط على مكافحة الآفة بعد ظهورها، وإنما يستهدف دعم قدرة النبات نفسه على المقاومة من خلال آليات فسيولوجية ودفاعية طبيعية.

ويأتي هذا التوجه في إطار البحث عن بدائل أو حلول مساندة تقلل الاعتماد على الاستخدام المكثف للمدخلات الكيميائية، مع الحفاظ على الإنتاجية وجودة المحاصيل.

اختبارات على عدد من المحاصيل

خضع الابتكار لتجارب على عدد من المحاصيل، من بينها القمح والشعير والذرة والفاصوليا والفول البلدي والفلفل والخيار والبازلاء وغيرها.

وشملت الاختبارات مواقع وجهات بحثية وتطبيقية متعددة، من بينها كلية الزراعة بجامعة القاهرة، وشركة الصالحية، ومنطقة المغرة، ومركز البحوث الزراعية.

كما يستند الابتكار إلى نتائج بحثية منشورة دوليا، تناولت إحدى الدراسات تأثيره على الشعير تحت ظروف الإجهاد الملحي، وآليات مرتبطة بالبناء الضوئي والدفاعات المضادة للأكسدة والتخلص من ميثيل جليوكسال.

وتناولت دراسة أخرى أجريت على الفاصوليا دور الابتكار في تعزيز النمو ودعم المقاومة الطبيعية لحشرات الأنفاق الورقية.

من براءة الاختراع إلى المنتج

وتبرز أهمية الابتكار في انتقاله من مرحلة البحث العلمي إلى مراحل أكثر ارتباطا بالتطبيق، بداية من الحصول على براءة الاختراع، مرورا بالتجارب الحقلية، وصولا إلى منتج جديد ونموذج عمل تجاري قابل للتوسع والتصنيع والتسويق.

ويمثل هذا المسار أحد التحديات الرئيسية أمام منظومة البحث العلمي، حيث لا تتوقف قيمة البحث عند نشر نتائجه، وإنما تتعزز عندما يتحول إلى تطبيق يمكن أن يستفيد منه القطاع الزراعي والمزارعون.

حلول لتحديات الإنتاج الزراعي

يستهدف الابتكار عددا من التحديات التي تواجه الزراعة، من بينها ارتفاع تكلفة الإنتاج، وتحسين استفادة النبات من العناصر الغذائية، والتعامل مع الإجهادات البيئية مثل الملوحة والحرارة ونقص المياه، إلى جانب الحد من الاستخدام المكثف للمبيدات الكيميائية.

كما يمكن أن يدعم المنتج، وفقا لرؤية الفريق البحثي، التوجه نحو الزراعة المستدامة وإنتاج محاصيل أكثر ملاءمة للأسواق التي تضع اشتراطات مرتفعة فيما يتعلق بالجودة والسلامة.

ويمتلك الابتكار فرصا للتوسع في حالة استكمال مراحل التقييم الفني والاقتصادي والتصنيعي والتسويقي، بما يفتح المجال أمام إمكانية الاستفادة منه محليا والتوسع به في الأسواق الخارجية.

دولة الابتكار الزراعي.. من الفكرة إلى التطبيق

ويعكس هذا النموذج الفلسفة التي تقوم عليها مسابقة الابتكار الزراعي من أجل التنمية المستدامة، تحت مظلة المبادرة الوطنية «دولة الابتكار الزراعي»، والتي تستهدف تشجيع الباحثين والمبتكرين على الانتقال من مرحلة الفكرة والبحث إلى التطبيق وربط الابتكار بالقطاع الزراعي والاستثمار.

ولا تقتصر أهمية المسابقة على اختيار الفائزين أو تقديم الجوائز، وإنما تمتد إلى إتاحة الفرصة أمام أصحاب الابتكارات لعرض أفكارهم أمام المجتمع العلمي والقطاع الزراعي والقطاع الخاص، بما يمكن أن يفتح المجال أمام شراكات وتطبيقات جديدة.

وتضم المسابقة نماذج ابتكارية تستهدف التعامل مع عدد من القضايا الزراعية، من بينها المياه والطاقة والإنتاج الزراعي والتصنيع الزراعي والمدخلات الزراعية الصديقة للبيئة.

علي عبد العزيز: الهدف تحويل البحث إلى منتج يصل للمزارع

وأكد   الدكتور علي عبد العزيز، رئيس مسابقة الابتكار الزراعي من أجل التنمية المستدامة ومؤسس المبادرة الوطنية «دولة الابتكار الزراعي»، أن النماذج البحثية المتميزة تؤكد قدرة الباحث المصري على تقديم حلول عملية للتحديات التي تواجه القطاع الزراعي.

وأوضح أن التحدي لا يتمثل فقط في إنتاج البحث العلمي، وإنما في حماية الابتكار وتحويله إلى منتج قابل للتطبيق والوصول به إلى المزارع والسوق.

وأشار إلى أن وجود ابتكار حاصل على براءة اختراع ومدعوم بنتائج بحثية وتجارب تطبيقية يمثل نموذجا للهدف الذي تسعى إليه المسابقة والمبادرة، والمتمثل في نقل الابتكار من صفحات الأبحاث إلى أرض الواقع والإنتاج والاستثمار.

وأضاف أن دعم الباحثين والمبتكرين يجب ألا يتوقف عند إعلان نتائج المسابقات، وإنما يمتد إلى مراحل التسجيل والتجارب الموسعة والتصنيع والتمويل والتسويق، مع ربط أصحاب الابتكارات بالشركات والمستثمرين وفتح أسواق جديدة أمام المنتجات المصرية.

الإعلام شريك في نقل الابتكار إلى المزارع

ويبرز في هذا السياق دور الإعلام الزراعي في التعريف بالابتكارات المصرية وتقديمها للمزارعين والقطاع الخاص والمستثمرين بصورة مبسطة ومهنية.

فالابتكار الذي يظل داخل المؤسسات البحثية لا يحقق كامل قيمته الاقتصادية والإنتاجية ما لم يجد طريقه إلى المستخدم النهائي، ولذلك يمثل الإعلام حلقة مهمة في التعريف بأصحاب الابتكارات ونتائج تجاربهم والفرص التي يمكن أن توفرها منتجاتهم.

كما أن متابعة قصص نجاح الباحثين والمبتكرين يمكن أن تشجع الشباب والطلاب والباحثين على الانتقال من مرحلة الدراسة والنشر العلمي إلى براءات الاختراع والمنتجات والمشروعات.

دعوة لتبني «دولة الابتكار الزراعي»

ومع ظهور نماذج بحثية تستهدف تقديم حلول عملية للتحديات الزراعية، تبرز أهمية وجود منظومة متكاملة تربط البحث العلمي بالزراعة والصناعة والاستثمار.

ومن هذا المنطلق، تأتي الدعوة إلى تبني المبادرة الوطنية «دولة الابتكار الزراعي» وتوفير مظلة مؤسسية تساعد أصحاب الابتكارات على استكمال مراحل تسجيل الابتكارات وإجراء التجارب التطبيقية والتصنيع والتمويل والتسويق، وربط الباحثين بالشركات والمستثمرين.

كما يمكن أن يسهم وجود قاعدة بيانات متخصصة للابتكارات الزراعية في تعريف المستثمرين والشركات والجهات المعنية بالقطاع بالحلول البحثية القابلة للتطبيق، وفتح المجال أمام استغلالها اقتصاديا.

الابتكار المصري من المعمل إلى السوق

وتكشف تجربة «محفز النمو الطبيعي لزيادة الإنتاجية ومكافحة الآفات» عن أهمية تحويل نتائج البحث العلمي إلى تطبيقات عملية، خاصة عندما تتعلق هذه التطبيقات بزيادة الإنتاجية وترشيد استخدام الموارد ودعم الزراعة المستدامة.

 الحصول على براءة اختراع يمثل خطوة مهمة، لكن القيمة الأكبر تتحقق مع استكمال التجارب والتقييمات اللازمة وتحويل الابتكار إلى منتج يصل إلى المزارع ويثبت جدواه في الحقل والسوق.

وتبقى الحلقة الأهم هي بناء منظومة متكاملة تضمن ألا تتوقف الابتكارات المصرية عند حدود المعمل أو براءة الاختراع، وإنما تنتقل إلى التطبيق والإنتاج والاستثمار، بما يعزز قدرة البحث العلمي المصري على تقديم حلول حقيقية لقضايا الزراعة والأمن الغذائي.