فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

أشرف سيد يكتب: ليلة الحصر في طرة البلد.. حين يثقل الانتظار قلوب الأهالي.. الشفافية أقصر الطرق لوأد الشائعات وإعادة الثقة

الدكتور إبراهيم صابر
الدكتور إبراهيم صابر محافظ القاهرة، فيتو

ليست ليلة عادية على طرة البلد.. فبينما تستعد لجان الحصر للنزول إلى المنطقة غدا، تعيش مئات الأسر ساعات ثقيلة من القلق والهم والغم، لا تعرف ماذا يحمل لها الصباح، ولا أين تقف حدود المشروع، ولا أي البيوت ستكون داخل نطاقه، ولا ماذا سيحدث بعد انتهاء أعمال الحصر!!

البيت.. عمر كامل وذكريات وأمان وستر وأولاد

فالبيت بالنسبة لأهله ليس مجرد حوائط وأبواب وشبابيك.. البيت عمر كامل وذكريات وأمان وستر وأولاد تربوا بين جدرانه.. وأب وأم قضيا سنوات في بنائه والحفاظ عليه وذكريات أجيال ارتبطت بهذا المكان.


فالحديث عن الإزالة بالنسبة للأهالي ليس مجرد إجراء هندسي على خريطة، وإنما حديث عن حياة كاملة تخشى الأسر أن تتغير في لحظة.

وما يزيد من وطأة القلق أن المحافظة أكدت نزول لجان الحصر مع ما تردد بشأن تنفيذ الإزالة في مرحلة لاحقة، بينما لا تزال أسئلة كثيرة تبحث عن إجابات رسمية واضحة تطمئن الناس وتضع حدًا لحالة الانتظار.

لكن ما رأيته أمس في طرة البلد جعلني أكتب، ليس باعتباري صحفيا فقط، وإنما باعتباري إنسانا رأى الخوف بعينيه وأحد أبناء المنطقة.

وما دفعني للكتابة ليس رغبة في الهجوم على أحد، وإنما ما رأيته بعيني أمس بين أهالي طرة البلد.. رأيت دموعا في عيني "محمد كمننا"، صاحب السوبر ماركت، ورأيت “صباح” بائعة الخردة تبكي، وكأن الدموع لم تعد تجد طريقها إلى عينيها، ورأيت الحالة النفسية للمحامي "سيد عفيفي"، وقد وصلت إلى أدنى درجاتها وعم "سيد عبد النبي" وآخرين.

كما خيم الصمت على طرة البلد.. صمت البيوت والشوارع والمحلات وأصحابها، في وقت كان الأهالي يتمنون أن يروا نوابهم بينهم، ليس بحثا عن مواجهة أو تصعيد، وإنما بحثًا عن سند وكلمة طيبة وطمأنة حقيقية.

وربما يكون السؤال الأهم هنا.. في مثل هذه اللحظات التي يشعر فيها المواطن بالخوف على بيته ورزقه ومستقبل أسرته من يطرق بابه، ويقول له: “احنا معاك.. اسمعنا وخلينا نعرف الحقيقة”.. فوجود النائب بين أهله في أوقات القلق ليس ترفًا سياسيا، وإنما صورة من صور المسؤولية تجاه من منحوه ثقتهم.

وماذا لو رفض بعض الأهالي دخول لجان الحصر؟

والسؤال هنا ليس رفضا للتطوير ولا اعتراضا على حق الدولة في تنفيذ المشروعات العامة، وإنما هو سؤال مواطن يريد أن يعرف الحقيقة: هل بيته داخل خط المشروع أم خارجه؟

وإذا كانت هناك إزالة لاحقة فما نطاقها؟، وما أساسها؟، وما مصير الأسر؟، وهل توجد بدائل سكنية؟، وكيف سيتم التعامل مع أصحاب المحال وأصحاب الأعمال اليومية؟، وماذا عن المدارس والطلاب؟، وماذا عن كبار السن والمرضى والأسر التي لا تملك مصدر دخل ثابتا؟.. أسئلة كثيرة.. وكل سؤال منها وراءه أسرة تنتظر الإجابة!!

وماذا لو رفض بعض الأهالي دخول لجان الحصر؟!

هنا يجب أن يكون صوت العقل حاضرا.

من حق المواطن أن يعترض وأن يسأل وأن يطلب الاطلاع على القرار والمخططات والمستندات التي تحدد نطاق المشروع، وأن يثبت اعتراضه بالطرق الرسمية والقانونية.... لكن الاعتراض شيء والدخول في مواجهة مع لجان الحصر أو رجال الأمن شيء آخر.

ولذلك فإن رفض أحد الأهالي الحصر داخل منزله اعتراضا على ما يراه من غموض أو خشية من الإزالة لا ينبغي أن يتحول إلى مشهد صدام أو اشتباك.

الأفضل أن يطلب المواطن إثبات موقفه رسميا، وأن يستعين بالطرق القانونية المتاحة، وأن يحافظ الجميع على الهدوء، فالهدف في النهاية ليس مواجهة الدولة، وإنما الوصول إلى الحقيقة.

والأهالي لا يريدون أن يتحول يوم الحصر إلى يوم مواجهة، ولا يريدون أن يجدوا أنفسهم في صدام مع موظف جاء لأداء مهمة أو مع رجل أمن جاء لتأمين المكان.

رجال الأمن.. ليسوا أصحاب القرار

وهنا كلمة واجبة في حق رجال الشرطة الذين قد يكونون موجودين غدا لتأمين أعمال اللجان.. فرجل الأمن في النهاية يؤدي مهمة حماية وتأمين وتنفيذ التعليمات والأوامر الصادرة إليه، وليس هو من وضع خط المشروع، ولا هو صاحب القرار في إزالة منزل ولا هو من يحدد مصير أسرة.

ولذلك فإن أي خلاف حول المشروع أو الحصر يجب أن يظل في إطاره الصحيح أي مع الجهات صاحبة القرار، وبالوسائل القانونية والرسمية بعيدا عن رجال الأمن الذين يؤدون واجبهم.

فالشرطي ابن هذا الوطن والمواطن أيضا ابن هذا الوطن، ولا ينبغي أن يتحول اختلاف الرؤى حول مشروع أو قرار إلى خصومة بين أبناء البلد الواحد.

طرة لا تحتاج إلى صدام.. وإنما إلى إجابات

ربما يكون يوم الحصر غدا فرصة لأن يسمع المسؤولون الأهالي كما يجب وأن يشرحوا لهم الحقيقة كاملة.
فإذا كانت هناك خرائط فلتعرض.. وإذا كان هناك قرار فليُشرح.. وإذا كانت هناك حدود للمشروع فلتُعلن.
وإذا كانت هناك إجراءات للحصر فليعرف الأهالي طبيعتها وما يترتب عليها..
وإذا كانت هناك إزالة في مرحلة لاحقة فليعرف الناس حقوقهم وكيف سيتم التعامل مع أسرهم ومنازلهم وأرزاقهم.

إن الشفافية في مثل هذه الملفات ليست رفاهية، وإنما هي الطريق الأقصر لتهدئة الناس ووأد الشائعات وإعادة الثقة.

فالمواطن عندما يعرف الحقيقة حتى لو كانت صعبة يستطيع أن يتعامل معها..

أما أن يظل واقفا أمام باب بيته لا يعرف هل سيبقى فيه أم لا فهذه هي أقسى صور الانتظار.

وفي هذه الليلة ربما تكون هناك أمٌّ تنظر إلى أطفالها، ولا تعرف ماذا تقول لهم، وأب يحاول أن يخفي قلقه عن أسرته، وشاب يفكر في مستقبله وصاحب محل يخشى على رزقه، وشيخ كبير ينظر إلى البيت الذي عاش فيه عمره كله ويسأل نفسه: هل سأظل هنا؟!

هؤلاء لا يحتاجون إلى صراخ.. لا يحتاجون إلى تهديد.. لا يحتاجون إلى أن يشعروا بأنهم في مواجهة مع أحد..

إنهم يحتاجون فقط إلى الحقيقة والرحمة والاحترام.

ومن هنا فإن النداء إلى محافظة القاهرة ليس نداء مواجهة، وإنما نداء إنساني: استمعوا إلى طرة البلد قبل أن تتحدث الجرافات، وأجيبوا عن أسئلة الأهالي قبل أن تزداد مخاوفهم.

فربما تكون كلمة واضحة من مسؤول قادرة على أن تطفئ نارا اشتعلت في قلوب مئات الأسر.

وربما يكون لقاء واحد صادق مع الأهالي كافيا لأن يعيد إليهم بعض الطمأنينة.

وفي النهاية التطوير حق للدولة والاعتراض حق للمواطن والقانون هو الفيصل بينهما.
لكن قبل القانون وبعده.. هناك شيء اسمه جبر الخاطر.
وهناك بيوت لا تطلب إلا أن تعرف مصيرها.

فاللهم كن لأهالي طرة البلد، وأبدل خوفهم أمنا وحزنهم طمأنينة وقلقهم سكينة، واحفظ بيوتهم وأولادهم وأرزاقهم، واكتب لهم الخير حيث كان..

« لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا»
إلى أهالي طرة البلد.. ربما لا أملك لكم قرارا ولا أستطيع أن أعدكم بما لا أملك لكنني أملك قلمي وهذا القلم سيظل معكم ينقل صوتكم ويعرض مخاوفكم ويسأل عن حقوقكم ويبحث عن الحقيقة بكل أمانة واحترام

سأظل إلى جواركم بما أستطيع بالكلمة الصادقة والقلم المسؤول والدعاء بأن يكتب الله لكم الخير وأن يطمئن قلوبكم ويحفظ بيوتكم وأرزاقكم.. قد لا أملك سوى قلمي.. لكنني لن أبخل به عليكم. 

وسأظل أكتب ما دام هناك سؤال يحتاج إلى إجابة وخاطر يحتاج إلى جبر وإنسان يحتاج إلى من يسمعه.
لا حول ولا قوة إلا بالله.. وحسبنا الله ونعم الوكيل.