شبكات المياه الأمريكية تحت رحمة القرصنة الإلكترونية.. استهداف 30 منشأة خلال شهر.. وقانون تبادل المعلومات السيبرانية طوق النجاة من هجمات روسية وصينية محتملة
تشكل البنية التحتية للمياه في الولايات المتحدة هدفا هشا لهجمات القراصنة الإلكترونيين، مثلما حدث في أواخر شهر يوليو الماضي، عندما تعرضت شبكات المياه ومرافق الصرف الصحي الأمريكية لهجمات إلكترونية مما أدى إلى تعطيل الخدمات عن مئات الآلاف من المواطنين الأمريكيين.
وأدت هذه الهجمات، التي طالت 30 منشأة في 12 ولاية، ويشتبه في وجود صلات بين منفذيها والحكومة الإيرانية، إلى تعطل أنظمة التحكم عن بعد وآليات المراقبة الآلية، فيما واجهت المجتمعات المحلية انخفاضا في ضغط المياه، وصدرت تحذيرات بضرورة غلي المياه قبل استهلاكها، وإعلان حالة الطوارئ المحلية في بعض المناطق.
وعلى الرغم من استعادة إمدادات المياه في غضون ساعات وعدم تأثر مياه الشرب، إلا أن الهجوم يسلط الضوء على مدى هشاشة العديد من الأنظمة الحيوية الخاصة بالمياه في الولايات المتحدة، وضعف حمايتها، وفق تقرير نشره موقع "ذا ناشيونال إنترست" الأمريكي المتخصص في الشؤون السياسية والأمنية.
هجمات متعددة في أزمنة مختلفة
يقول التقرير الذي أعدته مساعدة مدير في المبادرة الجيواستراتيجية التابعة لمركز "سكوكروفت" للاستراتيجية والأمن في المجلس الأطلسي جينجر ماتشيت: لا يعد هذا الأمر مفاجئا؛ فقد أعلنت وسائل إعلام بريطانية هذا الأسبوع أن الهجمات ذاتها تسببت في إيقاف عمل محطة لتوليد الطاقة للمرة الأولى في تاريخها. وفي عام 2023، قامت مجموعة مماثلة باختراق أنظمة الحاسوب وأنظمة التحكم الصناعي الخاصة بمرافق المياه ومياه الصرف الصحي في الولايات المتحدة وخارجها. كما تمكنت المجموعة ذاتها في عام 2013 من اختراق أنظمة التحكم في الفيضانات الخاصة بأحد السدود في ولاية نيويورك.

وتضيف ماتشيت: القدرة على التلاعب بخدمات المياه ومياه الصرف الصحي بسهولة وعن بعد تزيد من حدة أعمال التخريب، وتعطل سبل العيش وقدرة المجتمع على الصمود، وذلك بتكلفة ومخاطر أقل بكثير بالنسبة للجهات الفاعلة، سواء كانت دولا أو كيانات غير تابعة لدول.
تلويث الأنظمة المائية
وتعد الهجمات الأخيرة –بحسب التقرير- مجرد نقطة في بحر؛ حيث يمكن للقراصنة استغلال أنظمة تحكم رقمية مماثلة لتلويث الأنظمة المائية بمواد ضارة، أو تغيير مستويات المعالجة الكيميائية، أو إلحاق أضرار كارثية بشبكات الأنابيب.
توجد في الولايات المتحدة نحو 152 ألف شبكة مياه، تخدم حوالي 90% منها أقل من 10 آلاف نسمة، بينما تخدم أكثر من 50% منها أقل من 500 نسمة، مما يعني أن معظم هذه الأنظمة تحظى بدعم محدود.

ويحصل تسعة من كل عشرة أمريكيين على مياه الشرب من هذه الأنظمة، وأي اضطراب فيها قد يؤثر على قطاعات الزراعة والغذاء والرعاية الصحية والشحن والنقل والطاقة والتصنيع؛ مما يجعلها تندرج تحت فئة "الوظائف الوطنية الحيوية"، وهي خدمات ضرورية للأمن القومي والاقتصادي للولايات المتحدة وللصحة العامة.
تقنيات عفا عليها الزمن
تقول ماتشيت: مع ذلك، تعمل العديد من شبكات المياه بموارد شحيحة وتقنيات عفا عليها الزمن، كما تواجه صعوبات في توظيف الكوادر البشرية والاحتفاظ بها. فعلى سبيل المثال، يبلغ عدد سكان مدينة "براهام" في ولاية مينيسوتا -وهي إحدى المدن التي استهدفها الهجوم الأخير- 1769 نسمة، وتبلغ ميزانيتها السنوية 2.5 مليون دولار، وتعتمد على مقاولين خارجيين لتولي مهام الأمن السيبراني.
وتضيف: أظهر الجناة قدرتهم ليس فقط على تعطيل إمدادات المياه، بل على بث الفوضى والخوف وعدم اليقين بين الشعب الأمريكي، وحشد المعارضة ضد الإدارة الأمريكية. ومن المرجح أن يتشجع خصوم آخرون على فعل الشيء نفسه لأسباب استراتيجية مماثلة. فقد تهاجم الصين البنية التحتية الحيوية، بما في ذلك شبكات المياه، تمهيدا لمحاولة استهداف تايوان، وقد تسعى روسيا إلى زرع الفتنة بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين. وتستهدف جماعات أخرى طلب الفدية.
قانون تبادل معلومات الأمن السيبراني
لا تقتصر الأهداف على شبكات المياه فقط، حيث يشير التقرير إلى أن مجموعة قرصنة كورية شمالية استهدفت مستشفيات ومراكز رعاية صحية في عام 2021. وفي وقت سابق من هذا العام، اخترقت مجموعة أخرى مرتبطة بإيران موردا رئيسيا للمعدات الطبية. وتوجد ثغرات مماثلة في التكنولوجيا الزراعية، وشبكات الكهرباء، ووسائل النقل العام، وغيرها من البنى التحتية الحيوية.

وترى ماتشيت أنه ينبغي على الكونجرس تجديد العمل بـ "قانون تبادل معلومات الأمن السيبراني لعام 2015"، الذي تنتهي صلاحيته في نهاية شهر سبتمبر الجاري، والذي يتيح للحكومة الفيدرالية والقطاع الخاص تبادل المعلومات حول التهديدات السيبرانية المحتملة بشكل طوعي.
وتتابع: من شأن تمديد هذا القانون -أو الأفضل من ذلك، جعل تبادل المعلومات إلزاميا للقطاعات الحيوية وشمول الهجمات التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي ضمن نطاقه- أن يحول دون التراجع في مستوى حماية البنية التحتية الحيوية، وأن يدعم جهود بناء القدرات الأمريكية والاستعداد للأزمات، وإدارة مخاطر المياه وتعزيز مرونتها، لمعالجة نقاط الضعف في البنية التحتية للأنظمة المائية الصغيرة التي تخدم نحو نصف المجتمعات الأمريكية.
فصل أجهزة الكمبيوتر الصناعية عن الإنترنت
أما بالنسبة للقطاع الخاص، فيجب على الشركات –بحسب التقرير- دمج أنظمة حماية سيبرانية أكثر تطورا، وتعزيز التقنيات والشبكات القديمة. وعلى المدى القريب، ينبغي على شركات المرافق المحلية إيقاف الوصول عن بعد إلى المعدات التشغيلية، وتغيير كلمات المرور الافتراضية أو المشتركة، وفصل أجهزة الكمبيوتر الصناعية عن الإنترنت، والسماح بالوصول عن بعد فقط من أجهزة كمبيوتر موثوقة، والاستثمار في أنظمة جديدة مزودة بحماية مدمجة ضد الهجمات التقليدية مثل الفيروسات والاختراق من نطاقات الشبكة الخارجية.
وتقول ماتشيت: يتعين على الحكومة والقطاع الخاص العمل معا لبناء القوى العاملة المتخصصة في الأمن السيبراني؛ إذ لا تزال هناك أكثر من نصف مليون وظيفة شاغرة في هذا المجال داخل الولايات المتحدة، وهو ما يمثل ربع إجمالي الوظائف المتاحة فيه. وللحد من هذا التفاوت، ترى ماتشيت أنه "لا بد من سد الفجوات في الكوادر البشرية على كافة المستويات، وخصوصا فيما يتعلق بالبنية التحتية الصغيرة، على اعتبار أن مقدمي خدمات المرافق المحلية يمثلون خط الدفاع الأخير ضد أعمال التخريب الأجنبية، وهم بحاجة إلى تدريب مكثف وموارد كافية واستجابة سريعة للطوارئ، فضلا عن تدابير أمنية مدمجة يوفرها القطاع الخاص، للتعامل بفعالية مع مشهد دائم التغير تفرضه ظروف جيوسياسية مضطربة.