فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

مدير مرصد الأزهر لمكافحة التطرف الدكتورة رهام سلامة لـ "فيتو": 13 وحدة يعمل بها 100 باحث لمواجهة خطابات الكراهية حول العالم.. "لا علاقة لكم بإيمان الآخر" أبرز توجيهات الإمام الأكبر

مدير مرصد الأزهر
مدير مرصد الأزهر مع محرر "فيتو"

لم تعد مواجهة التطرف تقتصر على رصد الأفكار المتشددة والرد عليها، في ظل التطور المستمر في أدوات الجماعات المتطرفة وأساليب استقطابها للشباب، خاصة مع اتساع مساحة الفضاء الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي، التي أصبحت ساحة رئيسية لبث الأفكار والتأثير في وعي الأجيال الجديدة، وهو ما يجعل الرصد المبكر، والفهم الدقيق لخطابات التطرف، والقدرة على تقديم خطاب مضاد يناسب طبيعة المرحلة، عناصر أساسية في معركة مواجهة الفكر المتطرف.

وفي هذا الإطار، التقت «فيتو» الدكتورة رهام عبد الله سلامة، المدير التنفيذي لمرصد الأزهر لمكافحة التطرف، في حوار مطول تناول طبيعة عمل المرصد وآليات الرصد والتحليل والرد على خطابات التطرف، وكيف يواكب المرصد التطورات المتسارعة في أساليب الجماعات المتطرفة، إلى جانب طرق استقطاب الشباب وتجنيدهم، والتعامل مع الجيل الجديد، ودور المؤسسات الدينية والفكرية في تحصين المجتمع من الأفكار المتشددة وبناء وعي قادر على مواجهتها… وإلى نص الحوار.

 

» بداية.. كيف يعمل مرصد الأزهر لمكافحة التطرف؟ وما الآليات التي يعتمد عليها في رصد وتحليل الأفكار والخطابات المتطرفة؟


يعمل مرصد الأزهر لمكافحة التطرف كجبهة فكرية لمكافحة عدد من القضايا مثل: الإسلام فوبيا وخطاب الكراهية، وترسيخ مبدأ المواطنة والتعايش السلمي، وتفكيك الخطاب المتطرف، وفي مقدمة الأولويات القضية الفلسطينية بالطبع، ويضم المرصد 13 وحدة لغوية يعمل بها نحو 100 باحث وباحثة تم اختيارهم بدقة.


وأما عن آلية العمل فينتقل المرصد من اكتشاف الخطاب المتطرف إلى تفكيكه والرد عليه عبر ثلاث مراحل أساسية وهي  الرصد والترجمة حيث تشترك جميع وحدات المرصد في متابعة ورصد وترجمة كل ما يتعلق بالقضايا محل اهتمام المرصد عبر الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، إضافة إلى متابعة إصدارات مراكز الأبحاث والدراسات العالمية المناظرة، ثم مرحلة التصنيف والتحليل حيث يتم تصنيف المادة المترجمة وتقسيمها تحت عناوين رئيسية، ثم إجراء قراءة متأنية وتحليلية عميقة لفهم ما بين السطور واستخلاص العلاقات التي تجمع بين الأخبار والسرديات، ثم تأتي مرحلة الرد والتصحيح وتكون في شكل صياغة ردود علمية وإعداد محتوى مضاد “مقروء، ومسموع، ومرئي” يستند إلى الجوانب العقلية والنقلية مع التأصيل الشرعي الصحيح من الأزهر الشريف لتفكيك الشبهات والمصطلحات المقتطعة “مثل: الحاكمية، الجهاد، التكفير، الولاء والبراء”، ثم إعادة ترجمة هذه الردود ونشرها عالميًا بـ 13 لغة.

 

 


» لو عدنا إلى بدايات مرصد الأزهر، كيف كانت رحلة التأسيس والتطور؟ وكيف جاء ترشيحك لتولي قيادته، وما أبرز الكواليس التي صاحبت هذا القرار؟

عندما بدأ المرصد عام 2015، كان العمل يتم من خلال فرق بحثية، كل فريق يضم باحثين يجيدون إحدى اللغات التي نرصد من خلالها الخطاب والأفكار المتطرفة، وكنا نعمل لساعات طويلة لوضع آليات الرصد والتحليل وتحديد النتائج التي نريد الوصول إليها، وتزامن مع إنشاء المرصد ظهور تنظيم «داعش»، وفرضت أفكاره وتطوراته تحديات جديدة، وكان علينا أن نفهم هذا الخطاب ونحلله ونرصد ما يطرح بلغات مختلفة، ولذلك بدأ المرصد وقتها تحت اسم «مرصد الأزهر باللغات الأجنبية» وبسبع لغات.

وبحكم دراستي للغة الأردية، توليت رئاسة وحدة رصد اللغة الأردية في المرصد، ومنذ ذلك الوقت أصبح المرصد جزءًا أساسيًا من يومي وتفكيري، وليس مجرد وظيفة، وبعد نحو خمس سنوات، ومع تغير قيادات المرصد، طُرح اسمي لتولي المسؤولية، لكنني ترددت في البداية، لأنني كنت أدرك حجم المسؤولية وما تحتاجه من وقت وجهد وتفكير.

واستمر ترددي عدة أشهر، حتى جاءني توجيه من فضيلة الإمام الأكبر بأنني “لم أطلب هذه المسؤولية، لكنها جاءت إليّ، وعليّ أن أتوكل على الله”، وأنه سيعينني، وأنهم سيكونون إلى جواري، وكان ذلك في عام 2021، ومن هنا بدأت مرحلة جديدة في علاقتي بالمرصد.

وأنا أرى أن اختيار فضيلة الإمام الأكبر لم يكن مرتبطًا بكوني امرأة، أو بالرغبة في تقديم صورة معينة، وإنما لأنني كنت جديرة بهذه المسؤولية وقادرة على تحملها، والثقة لم تأتِ دفعة واحدة، لكنها بُنيت تدريجيًا حتى وصلت إلى هذه المرحلة، وهذا في حد ذاته يعكس رؤية الإمام الأكبر في اختيار من يستحق أن يتحمل المسؤولية.

 

 

» هل ترين أن تولي امرأة منصب المدير التنفيذي لمرصد الأزهر لمكافحة التطرف يعكس المكانة التي تحظى بها المرأة داخل المؤسسة في عهد فضيلة الإمام الأكبر؟ وهل ما يُثار عن تهميش المرأة في الأزهر يتفق مع الواقع؟

أعتقد أن الأمر يُترجم في الواقع أكثر مما هو مجرد كلام فنحن دائمًا نقرأ عن الدور الحقيقي والفاعل للمرأة في التاريخ الإسلامي، لكن الأهم أن نرى هذا الدور حاضرًا على أرض الواقع، وفي مواقع المسؤولية والقيادة، وتولي امرأة إدارة مؤسسة دينية مثل مرصد الأزهر لمكافحة التطرف يمثل في حد ذاته تصحيحًا لصورة أو انطباع شائع أحيانًا عن المؤسسة الدينية باعتبارها مؤسسة يغلب عليها الطابع الذكوري فالمرصد يعمل على مواجهة الأفكار والمفاهيم المغلوطة، ومن بينها ما ينتقص من دور المرأة أو يحصر حضورها في أدوار بعينها.

وأرى أن وجودي في هذا الموقع، إلى جانب فريق من الباحثين (نحو 70% منهم رجال)، يؤكد أن الكفاءة والقدرة على تحمل المسؤولية هما الأساس، وأن المرأة قادرة على القيادة والعمل والنجاح داخل المؤسسة الدينية، وهذا ما نراه اليوم بصورة عملية.

 


»  بحكم متابعتك المباشرة لعمل المرصد وتواصلك المستمر مع فضيلة الإمام الأكبر، ما أبرز التوجيهات التي يحرص على التأكيد عليها؟ وما الذي يريده من المرصد في تعامله مع القضايا والأفكار التي يرصدها؟

توجيهات فضيلة الإمام الأكبر تختلف بحسب الموضوعات التي أعرضها عليه، لكن هناك مجموعة من المبادئ الأساسية التي يحرص دائمًا على التأكيد عليها، ومن أهم ما قاله لي منذ البداية: «لا علاقة لكِ بإيمان الآخر، أو بمن يؤمن به الآخر، وإنما اهتمي بما نؤمن به نحن»، وهذه بالنسبة لي قاعدة مهمة جدًا في عمل المرصد؛ لأن دورنا ليس أن ندخل في جدال مع الآخر حول معتقداته، ولا أن نحاول تبرير الدين، وإنما أن نوضح صحيح الدين ونقدم رؤيته كما هي، ولذلك دائمًا ما يكون المطلوب أن يكون خطابنا توضيحيًا وليس تبريريًا.

ومن التوجيهات المهمة للإمام الأكبر هي أن نعرف كيف يرى العالم الأزهر، وكيف يتلقى الناس في المجتمعات المختلفة ما يصدر عنه، كما يحرص فضيلة الإمام على أن يظل الأزهر منفتحًا على العالم، يعرف ما يحدث في المجتمعات المختلفة، ويتابع القضايا التي تشغل الناس فيها.

ومن أكثر الكلمات التي ما زالت عالقة في ذاكرتي ما قاله لنا فضيلة الإمام الأكبر في إحدى المرات: «لو أنتم بتحبوني، اعرفوا إن الأزهر ده عرضي وشرفي»، كانت كلمات بسيطة، لكنها تركت أثرًا كبيرًا في نفسي، لأن علاقتنا بالأزهر ليست مجرد علاقة عمل أو وظيفة، وإنما شعور بالانتماء إلى مؤسسة نعتز بها ونحمل مسؤولية الحفاظ على مكانتها وصورتها.

 

 

 

» باعتباركم «عيون الأزهر» في الخارج، كيف ترصدون مكانة فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب في وجدان الشعوب، خاصة المجتمعات المسلمة؟ وما الذي يميز صورته لديهم؟

فضيلة الإمام الأكبر ليس شيخ أزهر عاديًا، وأعتقد أن التاريخ سيسجل أنه أحد شيوخ الأزهر الاستثنائيين في العصر الحديث، فالمكانة التي يحظى بها الأزهر في كثير من المجتمعات ترتبط أيضًا بشخصية الإمام الطيب، بما يتميز به من حكمة وانفتاح وقدرة على التواصل مع مختلف الأطراف.

ونرى ذلك بوضوح في علاقته بالأخوة المسيحيين، فحين يذهب فضيلته إلى الكنيسة لتهنئة قداسة البابا تواضروس والإخوة المسيحيين، أو يستقبلهم في مشيخة الأزهر بكل ترحاب، فإن هذه المواقف البسيطة في شكلها تحمل رسالة كبيرة عن المودة والتعايش، وتساعد أيضًا في تصحيح كثير من المفاهيم والصور المغلوطة عن الإسلام والمسلمين.

أما في المجتمعات المسلمة، فالصورة أكثر وضوحًا، خاصة في جنوب وجنوب شرق آسيا، مثل إندونيسيا وباكستان والهند وبنجلاديش، هناك يحظى فضيلة الإمام بمكانة كبيرة جدًا، ويعرفه الناس باعتباره إمامًا للمسلمين، وهي مكانة ارتبطت تاريخيًا بشيخ الأزهر، لكن ما تركته شخصية الإمام الطيب من أثر في نفوس الناس يبدو مميزًا بشكل خاص.

 

 

 

» بعد سنوات من عمل مرصد الأزهر لمكافحة التطرف، كيف تقيّمون تطور خريطة التطرف عالميًا؟ وما أبرز التحولات التي طرأت على خطاب الجماعات المتطرفة ووسائل استقطابها؟


تشهد خريطة التطرف تحولًا لافتًا يثبت أن التطرف أصبح ظاهرة عابرة للحدود؛ حيث نقلت التنظيمات المتطرفة ثقل نشاطها، تحت وطأة الضربات الأمنية المباشرة والملاحقات، إلى الفضاء المجازي والمنصات الرقمية لأنها توفر بديلًا سهلًا وغير مكلف، لكن رغم هذا التطور التقني، فقد لاحظنا في مرصد الأزهر أن هذا التحول شكلي في الوسيلة فقط؛ دون إدخال أي تغييرات جوهرية على أساليب التنظيمات المتطرفة الخطابية، بل لا تزال تعتمد على الحزمة التقليدية نفسها وهي “إعلان المظلومية، ودغدغة العاطفة الدينية، وبث الشائعات والتضليل، وتكفير المجتمعات والحكومات، وتقديم نفسها كملاذ أفضل”.

 

» في ظل انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي، كيف ترون تأثيرها على ظاهرة التطرف؟ وهل أصبحت الجماعات المتطرفة قادرة على توظيف هذه التقنيات في إنتاج خطاب أكثر تأثيرًا أو عمليات تضليل أكثر خطورة؟


مما لا شك فيه، وفرت أدوات الذكاء الاصطناعي للتنظيمات المتطرفة أسلحة جديدة لإعادة هندسة المجتمع وتزييف الحقائق وصناعة وعي زائف، ونقل حروب الجيل الخامس إلى مستوى استراتيجي يعتمد على علم النفس الاجتماعي، لذلك نحن في مرصد الأزهر نحرص على تعزيز أدوات التفكير النقدي في المجتمع المصري، من خلال لقاءات ميدانية مع فئات المجتمع المختلفة، ووسائط إعلامية متعددة الأشكال،تحذر من الانسياق وراء شائعات الذكاء الاصطناعي واستقاء المعلومات من مصادرها الموثوقة.

 

 

» وماذا عن الفئات الأكثر استهدافًا من جانب الجماعات المتطرفة، خاصة الشباب والأطفال؟ وما الآليات التي يعتمد عليها المرصد لفهم أسباب قابلية بعض الفئات للتأثر بهذا الخطاب؟


الفئات الأكثر استهدافًا، هم الشباب والأطفال والناشئة، نظرًا لسهولة الوصول إليهم عبر الإنترنت ولأنهم في مرحلة تكوين الهوية، وقد أعد المرصد سلسلة من الدراسات النفسية والاجتماعية تناقش أسباب قابلية هذه الفئة للتأثر بهذا الخطاب، ووسائل الوقاية، وذلك من خلال رصد مؤشرات سلوكية معينة في الأنشطة والفعاليات الميدانية بالمدارس والجامعاتمن مثل الانفعال السريع في النقاشات العقدية، وتبني المفاهيم المغلوطة، كذلك فتح قنوات تواصل حرة مباشرة مع الشباب للتعرف على مشكلاتهم النفسية والفكرية وأسباب اليأس أو الاحباط لديهم.

ويمكنني القول: إننا نجحنا بفضل الله إلى حد كبير في التصدي لهذا الأمر، فقد وردتنا مقترحات من بعض أولياء الأمور جار تنفيذها تتضمن توفير خط للدعم النفسي، وقد بدأنا بالفعل في استقبال بعض الشباب الذي يعاني بالفعل من مشكلات فكرية، وقدمنا لهم الدعم النفسي.

 

» كيف تغيرت خريطة التنظيمات المتطرفة خلال السنوات الأخيرة؟ وهل تراجع خطر التنظيمات التقليدية مثل داعش والقاعدة، أم أن الخطر انتقل إلى أشكال أكثر تعقيدًا وأقل مركزية؟

شهدت السنوات الأخيرة تراجعًا في نواة التنظيمات التقليدية الصلبة على الصعيد الميداني نتيجة الضربات الأمنية وتجفيف منابعها، غير أن الخطر انتقل إلى أشكال أكثر تعقيدًا وأقل مركزية، حيث تحولت الجماعات إلى خفايا رقمية، أو ذئاب منفردة، مع استمرار امتداد النشاط الإرهابي في المناطق الرخوة كإفريقيا “الساحل والصحراء والقرن الإفريقي”.

 

» إلى أي مدى أصبح «التطرف الإلكتروني» أخطر من المواجهة التقليدية؟ وما الذي رصده المرصد بشأن طرق تجنيد الشباب عبر تيك توك وتليجرام ومنصات الألعاب وغيرها؟


أصبح التطرف الإلكتروني أكثر خطورة من المواجهة التقليدية لسعة انتشاره وقدرته على اختراق المنازل في صمت، وتعتمد عملية الاستقطاب ثلاث مراحل، وهي رصد الضحية من خلال متابعة الأطفال والشباب على المنصات الرقمية والتطبيقات التفاعلية، والنفوذ إلى عقولهم من خلال نقاط ضعفهم، ثم مرحلة غسل الدماغ من خلال إقناع الشاب بأن أسرته ومجتمعه يعيشان في جاهلية حداثية، ومن ثم عزله عن محيطه الأسري والاجتماعي، ثم مرحلة التجنيد والتكليف عبر توجيه الضحية لتنفيذ أعمال تضر بأمن المجتمع، وقد تأخذ بعض التوجيهات شكل التحدي مثل القتل والتمثيل بالجثث في محاولة لإشاعة الخوف في المجتمعات.

في المقابل، أطلق المرصد حملات رقمية بلغات عدة عبر فيسبوك، وإكس، وإنستجرام، وأصدر وثائقيات “مثل فيلم العائدات من داعش”، ونعتزمتفعيل منصة تفاعلية لإلقاء محاضرات وتواصل مباشر مع الشباب محليًا ودوليًا باللغتين العربية والإنجليزية.

» القضية الفلسطينية والحروب والصراعات الدولية تُستخدم أحيانًا كوقود لخطاب التطرف، فكيف تستغل الجماعات المتطرفة هذه الأحداث في عمليات التجنيد والاستقطاب؟ وكيف يواجه المرصد هذا الخطاب؟


الحقيقة أن الجامعات المتطرفة تستغل الحروب والصراعات ومشاعر الغضب الشعبي جراء العدوان الصهيوني والإبادة الجماعية في غزة كوقود لدغدغة العواطف وتغذية خطاب المظلومية والتجنيد، ويحرص المرصد على توثيق انتهاكات الاحتلال الصهيوني والأزمة الإنسانية في غزة والقدس بدقة، وكذلك مخططات التهجير والإبادة الجماعية واعتداءات المستوطنين بالقدس والمسجد الأقصى والضفة الغربية، كما يحرص المرصد على التفنيد العلمي للرواية الصهيونية الزائفة، ويكشف ازدواجية المعايير الغربية وصعود الكراهية المرتبطة بهذه الأحداث في المجتمعات الغربية.

وفي الوقت ذاته، يعمل على كشف محاولات الجماعات المتطرفة استغلال مشاعر الغضب والمظلومية العربية والإسلامية لتجنيد الشباب لخدمة أجنداتها الإرهابية، ويُبرز المرصد جهود الدولة المصرية الميدانية والإنسانية والدبلوماسية لدعم الأشقاء في غزة، مؤكدًا أن قضية فلسطين هي القضية المركزية للأمة وأصل الأمن والاستقرار بالمنطقة.

كما يحرص المرصد على الفصل التام بين عدالة القضية الفلسطينية والدفاع عن الأراضي المقدسة، وبين استغلال الجماعات الإرهابية لهذه الأحداث في شرعنة العنف والتطرف، والتأكيد على أن الإرهاب لا يدعم القضايا العادلة.

 

 

 

» كيف يتعامل مرصد الأزهر مع الخطاب المتطرف الذي يرتدي أحيانًا عباءة دينية ويستند إلى نصوص شرعية مجتزأة؟ وهل المواجهة الفكرية قادرة وحدها على تفكيك هذا النوع من الخطاب؟


يسعى مرصد الأزهر، بالشراكة مع مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية، إلى تصحيح المفاهيم وتفكيك النصوص الشرعية التي تتعمد الجماعات المتطرفة اقتطاعها من سياقها، حيث يعيد ردها إلى مقاصدها الشريعة وظروفها التاريخية الصحيحة لتفنيد الشبهات، ويستند هذا الجهد إلى تقديم التأصيل الشرعي المعتدل والمستنير النامي عن الأزهر الشريف لنزع أي شرعية أو غطاء ديني مزيف تضفيه تلك الجماعات على الشائعات والفتاوى الشاذة والتكفيرية التي تبثها.

ومع المحورية البالغة لهذه المواجهة الفكرية والثقافية، فإن الرؤية المتكاملة تؤكد عدم كفايتها إذا عملت بمعزل عن بقية المقومات، إذ يشترط لضمان نجاحها أن تتضافر وتتكامل بحزم مع الجهود الأمنية الميدانية، وبناء استراتيجية شمولية تشمل تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية المستدامة، وتطوير المناهج التعليمية لتنمية التفكير النقدي، إلى جانب تفعيل دور التوعية الأسرية والإعلامية للتصدي للاستقطاب؛ بهدف بناء بيئة مجتمعية محصنة تحقق الأمن الفكري الشامل وتضمن تجفيف منابع الإرهاب والتطرف من جذورها.

 

» بحكم اطالعكم على العالم الخارجي.. هل صعوبة التواصل مع جيل «زد» ظاهرة محلية أم عالمية؟ وكيف يعمل المرصد على الحفاظ على جسور التواصل مع هذا الجيل وعدم فقدانه؟

هي بالتأكيد ظاهرة تتجاوز حدود مصر، والتحدي الحقيقي هو ألا نفقد حلقة التواصل مع هذا الجيل لذلك نحرص في المرصد على تطوير أدواتنا وطريقة خطابنا باستمرار، وألا نتعامل مع الشباب بالأسلوب التقليدي القائم على «افعل ولا تفعل»، لأن هذا الأسلوب لم يعد مناسبًا لطبيعة هذا الجيل.

ولدينا بالفعل عدد من المبادرات التي تستهدف الشباب في مراحل عمرية مختلفة، منها «اسمع وأتكلم» لطلاب الجامعات، و«اعرف أكثر» لطلاب المدارس، إلى جانب برامج أخرى للطلاب الوافدين وطلاب المعاهد الأزهرية، ومبادرات بالتعاون مع وزارة الشباب والرياضة وجامعة الأزهر كما نعمل على برامج للحوار الديني مع مؤسسات جامعية ودولية.

 

» بعد سنوات من الرصد والتحليل وإنتاج خطاب المواجهة، ما تقييمكم لتجربة مرصد الأزهر؟ وما الملفات التي ترون أنها ستكون الأخطر خلال السنوات المقبلة، وما الذي يستعد المرصد لتقديمه لمواجهتها؟


أثبت مرصد الأزهر لمكافحة التطرف نجاحًا باهرًا ومحوريًا بتحوله من مجرد كيان يقتصر على الرصد والمتابعة إلى بيت خبرة عالمي وشريك استراتيجي للعديد من المنظمات الفاعلة في مجال مكافحة الأفكار الشاذة والمتطرفة، وصانع للسياسات الوقائية؛ إذ تمكن خلال عام 2025م وحدة من الوصول إلى أكثر من 22,000 مستفيد مباشر عبر مبادراته الميدانية والتوعوية المتنوعة، واستقبل عشرات الوفود الدبلوماسية والأمنية والأكاديمية من مختلف دول العالم، فضلًا عن إنتاج المئات من الفيديوهات والدوريات التحليلية بـ 13 لغة لتفكيك الخطاب المتطرف.

 

نقلا عن العدد الورقي