«من المخلفات إلى البلاستيك»، ابتكار طالبة زراعة بنها يفتح الباب لصناعة خضراء جديدة
في الوقت الذي تتزايد فيه التحديات المرتبطة بتراكم المخلفات والتلوث الناتج عن البلاستيك التقليدي، تظهر أفكار شبابية مصرية تبحث عن حلول مختلفة تجمع بين التكنولوجيا الحيوية والاقتصاد الدائري، ومن بينها ابتكار طالبة بـكلية الزراعة بجامعة بنها، يستهدف إنتاج نوع جديد من البلاستيك الحيوي القابل للتحلل بالاعتماد على مواد حيوية ومصادر منخفضة القيمة.
الابتكار الذي يحمل اسم «Bioplastic from both Bacterial Cellulose and BSF»، تقوده الطالبة ملك السيد عامر، البالغة من العمر 21 عامًا، بمشاركة فريق بحثي يضم رناد سعيد صابر، وجنة محمد عبد الغني، وتسنيم خالد زكريا، وأميرة محمود فائق، ومحمد علي عثمان.
ويجمع المشروع بين السليلوز البكتيري والكيتوزان المستخلص من الهيكل الخارجي ليرقات ذبابة الجندي الأسود، بهدف إنتاج مادة بايوبلاستيكية يمكن تطويرها مستقبلًا لتدخل في عدد من التطبيقات، خاصة مواد التعبئة والتغليف.

من المخلفات إلى البلاستيك الحيوي
تنطلق فكرة الابتكار من التعامل مع المخلفات باعتبارها موردًا يمكن استثماره بدلًا من كونها عبئًا بيئيًا، وذلك من خلال الاستفادة من المواد الحيوية في إنتاج مادة صناعية ذات قيمة مضافة.
وتعتمد الفكرة على مصدرين رئيسيين؛ الأول السليلوز البكتيري، الذي تنتجه سلالات بكتيرية متخصصة، والثاني الكيتين الموجود في الهيكل الخارجي ليرقات ذبابة الجندي الأسود، والذي يمكن معالجته وتحويله إلى كيتوزان.
ويتم دمج المادتين بعد استخلاصهما وتجهيزهما بهدف الحصول على فيلم بلاستيكي حيوي يجمع خصائصهما، مع استهداف تحسين القوة الميكانيكية والاستقرار وقابلية التحلل الحيوي.

لماذا ذبابة الجندي الأسود؟!
تأتي ذبابة الجندي الأسود ضمن منظومة الابتكار باعتبار أن هيكلها الخارجي يحتوي على الكيتين، الذي يمثل مادة أولية يمكن استخدامها في إنتاج الكيتوزان.
وبذلك يحاول المشروع توظيف أحد مكونات دورة حياة الحشرة داخل منظومة أكبر لإدارة المخلفات وإنتاج مواد حيوية ذات قيمة اقتصادية، بدلًا من النظر إلى المخلفات العضوية باعتبارها نهاية دورة الإنتاج.
وتكمن أهمية الفكرة في إمكانية الجمع بين إنتاج البروتين الحيواني من اليرقات وإعادة الاستفادة من مخلفاتها أو هياكلها الخارجية في تطبيقات صناعية وحيوية مختلفة.

السليلوز البكتيري، مكون أساسي في الابتكار
أما المكون الثاني فهو السليلوز البكتيري، الذي يتم إنتاجه بواسطة بكتيريا قادرة على تكوين السليلوز تحت ظروف معملية مناسبة.
وبعد إنتاج السليلوز تتم معالجته وتنقيته، ثم دمجه مع الكيتوزان الناتج من معالجة الكيتين، للوصول إلى المادة الحيوية المستهدفة.
ويهدف الجمع بين المادتين إلى الاستفادة من الخصائص المختلفة لكل منهما، بما قد يساعد في تحسين أداء المادة النهائية مقارنة باستخدام أحد المكونات بصورة منفردة.

الابتكار تجاوز مرحلة الفكرة النظرية
ولم يتوقف المشروع عند الجانب النظري، حيث تم إنتاج عينات من البلاستيك الحيوي وإخضاعها لعدد من الاختبارات المعملية لتقييم تركيب المادة وخصائصها.
وشملت الاختبارات تحليل FTIR، واختبار XRD، والفحص باستخدام SEM، إلى جانب اختبارات الخواص الميكانيكية والاستقرار الحراري.
وتستهدف هذه الاختبارات تحديد طبيعة وتركيب المادة ومدى قدرتها على تحمل الظروف المختلفة، وتقييم إمكانية تطويرها لتناسب تطبيقات مستقبلية، ومنها مواد التعبئة والتغليف.

مشكلة مزدوجة، المخلفات والبلاستيك
يعالج المشروع مشكلتين بيئيتين في الوقت نفسه؛ الأولى تراكم المخلفات الزراعية والعضوية وسوء إدارتها، وما قد ينتج عن التخلص غير الآمن منها من تلوث وانبعاثات.
أما المشكلة الثانية فتتمثل في التوسع في استخدام البلاستيك التقليدي، الذي يستمر لفترات طويلة في البيئة ويسهم في تفاقم مشكلة التلوث البلاستيكي.
ومن هنا يقدم الابتكار تصورًا يقوم على تحويل الموارد منخفضة القيمة والمخلفات العضوية إلى مواد أولية يمكن استخدامها في تصنيع منتج جديد قابل للتحلل.

من المعمل إلى الصناعة
رغم إنتاج نماذج أولية وإجراء اختبارات معملية، فإن المشروع لا يزال في مرحلة النموذج الأولي، وهو ما يجعل الانتقال إلى التطبيق الصناعي مرتبطًا باستكمال الدراسات الفنية والاقتصادية.
وتشمل المراحل المطلوبة مستقبلًا دراسة تكلفة الإنتاج، وتحديد أفضل ظروف التصنيع، واختبار كفاءة المادة على نطاق أكبر، والتأكد من توافق المنتج مع المواصفات المطلوبة، وصولًا إلى الإنتاج التجريبي ثم التجاري.
وفي حال إثبات الكفاءة الفنية والاقتصادية، يمكن أن يمثل المشروع نواة لمشروع ناشئ في مجال التكنولوجيا الحيوية والمواد المستدامة.
هل يتحول البايو بلاستيك إلى صناعة مصرية؟
تكمن أهمية الابتكار اقتصاديًا في إمكانية إنتاج بعض المواد الخام محليًا بدلًا من الاعتماد الكامل على مصادر خارجية، إلى جانب فتح المجال أمام صناعات جديدة مرتبطة بالتكنولوجيا الحيوية وإدارة المخلفات.
كما يمكن أن يخلق تطوير صناعة محلية للبايوبلاستيك فرصًا أمام المشروعات الصغيرة والمتوسطة والشركات الناشئة، خاصة في مجالات التعبئة والتغليف والزراعة وبعض التطبيقات الصناعية.
ويفتح ذلك الباب أمام تعظيم القيمة المضافة للموارد المحلية، وتقليل المخلفات، ودعم التصنيع الأخضر، وخلق فرص عمل جديدة للشباب في مجالات التكنولوجيا الحيوية والاقتصاد الدائري.
اقتصاد دائري، المخلفات تصبح موارد
يمثل المشروع نموذجًا لفكرة الاقتصاد الدائري، التي تقوم على إعادة إدخال الموارد في دورة إنتاج جديدة بدلًا من التخلص منها.
فالمخلفات العضوية يمكن أن تدخل في منظومة لإنتاج مواد حيوية، بينما يمكن استغلال مشتقات ذبابة الجندي الأسود في تطبيقات جديدة، ثم استخدام المواد الناتجة في تصنيع منتجات ذات قيمة اقتصادية.
وبذلك تنتقل الفكرة من مجرد التخلص من المخلفات إلى تحويلها إلى مورد اقتصادي يمكن أن يمثل أساسًا لصناعات جديدة.
مكاسب بيئية محتملة
ومن الناحية البيئية، يمكن أن يسهم تطوير مثل هذه التقنيات في تقليل الاعتماد على بعض أنواع البلاستيك التقليدي، ودعم استخدام مواد قابلة للتحلل، إلى جانب تقليل حجم المخلفات التي ينتهي بها الأمر إلى الحرق أو التخلص غير الآمن.
كما يدعم الابتكار مفهوم إعادة استخدام الموارد وتحويل المخلفات إلى منتجات ذات قيمة، وهو أحد الاتجاهات الرئيسية في الاقتصاد الأخضر.
علي عبد العزيز: اكتشاف المبتكرين بداية اقتصاد قائم على المعرفة
وأكد الدكتور علي عبد العزيز، رئيس مسابقة الابتكار الزراعي من أجل التنمية المستدامة ومؤسس المبادرة الوطنية «دولة الابتكار الزراعي»، أن أهمية المشروع لا تقتصر على إنتاج بايوبلاستيك، وإنما تمتد إلى ما يعكسه من قدرة الشباب المصري على ابتكار حلول جديدة لمشكلات بيئية واقتصادية متشابكة.
وأوضح أن الجمع بين السليلوز البكتيري ومواد مستخلصة من ذبابة الجندي الأسود يعكس توجهًا نحو البحث عن حلول غير تقليدية لإدارة المخلفات، مؤكدًا أن المخلفات لم تعد قضية بيئية فقط، وإنما أصبحت موردًا اقتصاديًا يمكن أن تقوم عليه صناعات ومشروعات جديدة.
وأشار إلى أن مصر تحتاج إلى الانتقال من التعامل مع المخلفات باعتبارها عبئًا إلى النظر إليها باعتبارها مصدرًا للمواد الخام والفرص الاستثمارية.
المسابقة من اكتشاف الفكرة إلى السوق
وقال علي عبد العزيز: إن أحد الأهداف الأساسية لمسابقة الابتكار الزراعي من أجل التنمية المستدامة هو اكتشاف المبتكرين في الجامعات والمراكز البحثية والمحافظات، ومنحهم فرصة عرض أفكارهم أمام لجان متخصصة لتقييمها علميًا وتحديد إمكانات تطويرها.
وأكد أن الفوز في المسابقة لا يمثل نهاية الطريق، وإنما بداية لمسار جديد يمكن من خلاله ربط الابتكار بالجهات البحثية والصناعية والاستثمارية، ومساعدة صاحبه على الانتقال من النموذج الأولي إلى مراحل أكثر تقدمًا.
وأضاف أن التحدي الحقيقي يتمثل في اكتشاف المبتكرين مبكرًا واحتضان أفكارهم وتوفير الدعم الفني والاستثماري اللازم لتحويل الابتكار إلى منتج قابل للتطبيق.
فرصة جديدة أمام طلاب الزراعة
ويكشف ابتكار «Bioplastic from both Bacterial Cellulose and BSF» عن إمكانية تحول كليات الزراعة من مؤسسات تعليمية وبحثية فقط إلى منصات لإنتاج حلول تكنولوجية مرتبطة باحتياجات الصناعة والمجتمع.
كما يقدم نموذجًا على قدرة طلاب الزراعة على العمل في مجالات تتجاوز الإنتاج الزراعي التقليدي، لتشمل التكنولوجيا الحيوية وإدارة المخلفات والمواد المستدامة والتصنيع الأخضر.
من فكرة طالبة إلى مشروع قابل للتطوير
في النهاية، يبدأ المشروع من مشكلة واضحة: مخلفات تحتاج إلى إدارة أفضل وبلاستيك تقليدي يمثل تحديًا بيئيًا، ويقدم في المقابل فكرة تعتمد على التكنولوجيا الحيوية والاقتصاد الدائري لإنتاج مادة جديدة.
ولا يزال الطريق أمام الابتكار طويلًا قبل الوصول إلى منتج تجاري، إلا أن وجود نموذج أولي واختبارات معملية يفتح الباب أمام مراحل جديدة من التطوير.
وتبقى الخطوة الأهم هي نقل الفكرة من المعمل إلى السوق، من خلال استكمال الاختبارات ودراسة الجدوى الاقتصادية والتصنيع على نطاق أكبر، بما قد يحول ابتكارًا طلابيًا من كلية الزراعة بجامعة بنها إلى نواة لصناعة مصرية جديدة في مجال المواد الحيوية والاقتصاد الأخضر.