إبراهيم نجم: دقة تصوير الواقعة والتكييف الفقهي أساس سلامة التناول الإعلامي للفتاوى المالية
في إطار توجيهات الدكتور نظير عياد، مفتي الجمهورية، تواصل دار الإفتاء المصرية تأصيل منهجها المؤسسي في صناعة الفتوى المعاصرة عبر منظومة تجمع بين التأهيل العلمي والانضباط الأخلاقي والجودة المؤسسية والتواصل الإعلامي الواعي والتوظيف المسؤول للتقنيات الحديثة، وذلك من خلال محاضرات الدورة التدريبية التي شهدت مناقشة عدد من القضايا المتصلة بمنظومة المعاملات المالية، بما يعكس تكامل الأبعاد العلمية والإفتائية والتقنية في بناء خطاب ديني قادر على التعامل مع مستجدات الواقع بكفاءة ودقة ومسؤولية.
واستهل الدكتور محمد مهنا، أستاذ القانون الدولي بجامعة الأزهر، حديثه حول الميثاق الأخلاقي لمنظومة المعاملات المالية بالتأكيد على أن الفتوى أمانة عظيمة ومسؤولية دينية ومجتمعية، وليست مجرد معلومة فقهية تنقل إلى المستفتي، مستحضرًا شدة احتياط أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الفتوى، وإحالة أحدهم المسألة إلى غيره من أهل العلم إدراكًا لخطورة القول في دين الله تعالى، مع بيان أن دار الإفتاء المصرية أَوْلت الجانب الأخلاقي عناية خاصة من خلال ميثاق يحكم ممارسة العمل الإفتائي، انطلاقًا من اتصال الفتوى بدين الناس ودنياهم وامتداد آثارها إلى الفرد والأسرة والمجتمع ومؤسسات الدولة.
السالك يتجه إلى ما يحقق مزيدًا من الكمال والارتقاء في مقام الإحسان
وفي سياق بناء الشخصية الإفتائية المتكاملة، أبرز أستاذ القانون الدولي بجامعة الأزهر التكامل بين مقامَي الفتوى والتقوى، مبينًا أن الفقيه ينظر إلى الحكم الذي يرفع الحرج عن المكلف ويبين ما تبرأ به ذمته، بينما يتجه السالك إلى ما يحقق مزيدًا من الكمال والارتقاء في مقام الإحسان، مع ضرورة أن يكون قول المفتي موافقًا لعمله وأن يتحلى بضبط النفس وتزكية الروح وحسن الخلق، مستشهدًا بقول الله تعالى{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ} [الصف: 2]، كما بيَّن أن الخطاب الإفتائي الرشيد يراعي اختلاف مقامات الإيمان والإحسان وأحوال المستفتين، وأن اختلاف المذاهب الفقهية المعتبرة يمثل تنوعًا في طرائق الاجتهاد والاستنباط لا اختلافًا في أصول الشريعة.
وشدد على أن التأهيل الإفتائي لا يكتمل بتحصيل العلوم وحده، وإنما يحتاج إلى بناء علمي وأخلاقي يقوم على أربعة عناصر هي: النص بما يتطلبه من أدوات شرعية ولغوية وأصولية، والواقع بما يفرضه من فهم للمستجدات والتحولات، والغير بما يشمله من معرفة الأعراف والعادات وخصوصيات المجتمعات، والنفس بما تستلزمه من تزكية ومراقبة وتجرد من الأهواء، إلى جانب الإخلاص باعتباره أساسًا لنزاهة الفتوى وسلامة مقاصدها.
ملامح التناول الإعلامي لفتاوى المعاملات المالية
وانتقل الدكتور إبراهيم نجم، الأمين العام لدور وهيئات الإفتاء في العالم، إلى بيان ملامح التناول الإعلامي لفتاوى المعاملات المالية، مركزًا على أن سلامة الفتوى في القضايا المالية المستحدثة تبدأ من التصوير الدقيق للواقعة، ثم التكييف الفقهي والاستدلال والترجيح وصولًا إلى الحكم الشرعي، وهي مراحل قد يغفلها التناول الإعلامي السريع عندما ينتقل مباشرة إلى الخلاصة دون استيعاب البنية التعاقدية للمعاملة، مع التأكيد على أن اختلاف الحكم بشأن المنتج المالي الواحد باختلاف صوره التعاقدية، كما يظهر في بعض صور الفوركس والعملات الرقمية عبر السنوات، لا يمثل تناقضًا في المنهج، وإنما يعكس دقة فقهية تستوجب تحديد الصورة التعاقدية قبل نسبة أي حكم إلى دار الإفتاء المصرية.
وعلى مستوى التعامل مع المستجدات الرقمية، ركز الأمين العام لدور وهيئات الإفتاء في العالم على أن الفتاوى المتعلقة بالعملات المشفرة والمحافظ الإلكترونية والمعاملات الرقمية تستند إلى اعتبارات شرعية واقتصادية متكاملة تشمل حفظ المال وحماية المستهلك والسيادة النقدية للدولة، بما يستوجب نقلها إلى الجمهور في سياقها الكامل، مع ضرورة التمييز بين الفتوى الفردية المرتبطة بسؤال محدد والفتوى المؤسسية المعتمدة والبيان التوضيحي العام، داعيًا وسائل الإعلام والمنصات المتخصصة إلى التحقق من السياق الكامل للفتاوى المالية المعاصرة والتمييز بين المصطلحات المالية المستوردة وصورها الفقهية المتعددة، بما يحفظ الدقة العلمية ويجنب الجمهور الالتباس أو التوجيه المضلل، بالتوازي مع مواصلة دار الإفتاء تحديث منهجية الفتوى الرقمية والتواصل الإعلامي المصاحب لها بما يحقق التوازن بين الثبات الشرعي والمرونة في التطبيق.