فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

زين نصار وسليم سحاب يكشفان سر عبقرية سيد درويش.. رائد التجديد ومترجم الأحاسيس الشعبية

الموسيقار الراحل
الموسيقار الراحل سيد درويش وزين نصار وسليم سحاب

ما أكثر ما كُتب عن الموسيقار سيد درويش، الذي تحل ذكرى رحيله اليوم ــ رحل في 10 سبتمبر 1923 ــ، وما أكثر ما سوف يُكتب عنه، شأن كل العظماء والخالدين والعباقرة، وسيد درويش كل هؤلاء. كان صاحب رسالة، هي أن الفن ينبع من الشعب ويصدر إلى الشعب. 

كان سيد درويش ممن سبقوا زمانهم، فقدم لونًا من فن الموسيقى لا يُجارى اللون السائد في عصره، فعاشت موسيقاه إلى يومنا هذا، على الرغم من رحيله منذ ما يقرب من مائة عام، وستبقى إلى الأبد لتميزها.

ست سنوات فقط هي عمره الفني

ست سنوات فقط هي عمر فنان الشعب سيد درويش منذ بداية عمله الفني عام 1917 حتى رحيله في 1923، قدم خلالها ما يزيد على مائتي لحن، كان آخرها تلحين الفصل الأول من مسرحية «كليوباترا وأنطونيو»، التي أتم تلحينها الموسيقار محمد عبد الوهاب، إلى جانب 20 أوبريتا، و10 أدوار، و17 موشحًا، وأكثر من عشرين مقطوعة غنائية. 

بلادي بلادي لك حبي وفؤادي.. النشيد الوطني 

لحن سيد درويش نشيد «بلادي بلادي.. لك حبي وفؤادي»، من كلمات يونس القاضي. ففي الوقت الذي كانت تستعد فيه الإسكندرية لاستقبال الزعيم سعد زغلول، استعد سيد درويش بلحنه الرائع «بلادي بلادي لك حبي وفؤادي»، الذي أصبح فيما بعد نشيد مصر الوطني، كما ساهم في إشعال ثورة 1919 بنشيده «قوم يا مصري مصر دايمًا بتناديك».

ولبيرم التونسي غنى سيد درويش: «علشان نعلى ونعلى ونعلى.. لازم نطاطي نطاطي نطاطي»، وقال: «الحلوة دي قامت تعجن في الفجرية.. والديك بيدن كوكو في البدرية»، وفي النهاية قال: «زوروني كل سنة مرة حرام.. تنسوني بالمرة، أنا عملت إيه فيكم.. تشاكوني وأشاكيكم».

ميلاد بحي كوم الدكة 

ولد الموسيقار سيد درويش في 17 مارس 1892 بحي كوم الدكة بالإسكندرية، حيث يسكن البناؤون والنجارون والنقاشون وعمال البناء. أراد أبوه أن يراه شيخًا معممًا يحفظ القرآن ويجوده، فالتحق بكتاب القباري، حتى إنه في سن العاشرة أجاد القراءة والكتابة وحفظ أغلب أجزاء القرآن.

المسرح الغنائي ساعد على شهرته

جاءت البداية عندما سافر سيد درويش إلى الشام عام 1912 ليتعلم أصول التخت الشرقي، وعاد ليبدأ مرحلة ولادة الألحان من خلال العديد من المسرحيات، مثل «الأندلس» و«فيروز شاه»، ثم تلحينه لأغاني مسرحية الريحاني «ولو»، والتي اشتهر من خلالها بأنه مطرب الحرفيين. ويُذكر أنه سمع ذات مرة بائعًا في حي بولاق ينادي على بضاعته، فطلب من بديع خيري كتابة أغنية صعيدية، فكانت: «مليحة جوي الجُلَل الجناوي».

بعد ذلك، كوّن سيد درويش فرقة مسرحية، ومن خلالها قدم العديد من الأعمال، مثل «شهرزاد»، و«العشرة الطيبة»، و«الباروكة».

سيد درويش 
سيد درويش 

فبينما استعدت مدينة الإسكندرية لاستقبال الزعيم سعد زغلول، وهو عائد من المنفى، استعد سيد درويش بنشيد «بلادي بلادي، سالمة يا سلامة، روحنا وجينا بالسلامة»، إلا أنه رحل وهو في الحادية والثلاثين من عمره، وهو في أوج شهرته، في نفس يوم وصول سعد زغلول، فجأة وبشكل غامض، ليخلف وراءه تراثًا موسيقيًّا يشهد بعبقريته الموسيقية في التلحين والغناء، وأثير الكثير حول واقعة وفاته، التي أشار الكثيرون إلى أنها مدبرة.

زين نصار: رائد التجديد

يقول المؤرخ الموسيقي زين نصار: سيد درويش هو رائد التجديد في أسلوب التلحين في الغناء المصري، وحرره من الصالونات وخرج به إلى الشارع في المظاهرات، مثل أغنية «سالمة يا سلامة». تبنى تلحين الأدوار والطقاطيق والموشحات والمونولوجات الغنائية بأسلوب مختلف عما كان سائدًا في هذا الوقت، فبدأ التركيز على معاني الكلمات وعدم التطويل، ويمنحنا نموذجًا للعمل المخلص الصادق فنيًا، والتفكير العميق في العمل الذي يقدمه كملحن، وقد تأثر بعبد الوهاب في السنوات الثلاث الأخيرة من حياته، حتى إنه رشح عبد الوهاب لاستكمال تلحين أوبريت «مصرع كليوباترا».

سليم سحاب: ترجم الأحاسيس الشعبية

ووصفه المايسترو سليم سحاب فقال: «سيد درويش هو أول من ترجم الأحاسيس الشعبية إلى ألحان، وأول موسيقي عربي شمولي من ناحية معرفته بالمدارس الموسيقية العربية الهامة خارج مصر. لكن إنجازه الأهم هو تخليص الموسيقى العربية نهائيًّا من اللكنة الموسيقية التركية التي سيطرت عليها، في وقت وجيز، وكان يحتاج إلى عشرات السنين».