فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

لغز الشخص المؤهل.. شعبة الأدوية تحذر: يضاعف التكاليف ويهدر الوقت.. والخبراء يردون: استثمار في الجودة ومصر لديها منظومة رقابية قوية على الدواء

الرقابة على الدواء
الرقابة على الدواء

إجراءات جديدة اتخذتها هيئة الدواء المصرية مؤخرًا، خاصة بمراحل الرقابة على إنتاج الدواء داخل المصانع المصرية وتطبيق معايير الجودة والسلامة للدواء، وهي إضافة وظيفة جديدة داخل مصنع الدواء تحت مسمى "الشخص المؤهل"، بخلاف وظائف أساسية داخل كل مصنع، وهي: مدير الإنتاج ومدير الجودة المسؤولين عن مراحل إنتاج الدواء والتأكد من أمانه وفاعليته.

وأصدرت هيئة الدواء دليلًا تنظيميًا أرسلته لمصانع الدواء، تضع فيه معايير واشتراطات يجب توافرها في وظيفة الشخص المؤهل، وهي: أن يكون صيدليًا وحاصلًا على دبلوم مهني ولديه خبرة لا تقل عن عامين، مع إعطاء المصانع مدة زمنية لتوفيق أوضاعها وتعيين الشخص المؤهل وتسجيله داخل هيئة الدواء.

توظيف "الشخص المؤهل" داخل مصانع الأدوية

فكرة توظيف "الشخص المؤهل" داخل مصانع الأدوية أثارت تحفظات لدى عدد من أصحاب مصانع الأدوية والشركات؛ ليس اعتراضًا على زيادة الرقابة على المنظومة الدوائية، ولكن لتكرار الإجراءات الرقابية وإطالة الوقت والتكلفة المادية على المصنع من تدشين إدارة كاملة "للشخص المؤهل". ولكن على الجانب الآخر، كان هناك داعمون للفكرة لأنها من ضمن اشتراطات التصنيع الجيد للدواء، فضلًا عن أنها توفر فرص عمل أكثر للصيادلة، بجانب تعزيز سمعة الدواء المصري والمصانع المصرية وزيادة فرص التصدير للخارج.

و"فيتو" ترصد خلال التقرير رحلة الرقابة على الدواء، وكيف تتم، وأهم خطواتها، وهل تعيين الشخص المؤهل داخل مصانع الأدوية إضافة لها أم تعقيد في الإجراءات وزيادة في تكلفة مراحل الإنتاج وتكلفة إنتاج الدواء.

من جانبه، أكد الدكتور علي عوف، رئيس شعبة الأدوية باتحاد الغرف التجارية، أن صناعة الدواء تخضع لأعلى درجات الرقابة والجودة، مشيرًا إلى أن هناك اشتراطات صارمة تضعها الهيئات الدوائية العالمية، وعلى رأسها منظمة الصحة العالمية، وهيئة الغذاء والدواء الأمريكية لضمان جودة وسلامة المستحضرات الدوائية قبل وصولها إلى المريض.

وأوضح لـ"فيتو" أن إجراءات الرقابة على الدواء تبدأ منذ اختيار المادة الخام المستخدمة في التصنيع، مشيرًا إلى أن الشركة تحدد المصنع المورد للمادة الخام، سواء كان في الهند أو غيرها من الدول، ويخضع المورد لاشتراطات دقيقة للتأكد من تطبيقه لمعايير التصنيع الجيد.

وأضاف أن من بين هذه الإجراءات تشكيل لجان لزيارة مصانع المواد الخام، والتأكد من تطبيقها لمعايير الجودة الخاصة بتصنيع المادة الخام، لافتًا إلى أن الاعتماد على شهادات الجودة الخاصة بالمصانع، وعلى رأسها شهادات “جي إم بي” الخاصة بممارسات التصنيع الجيد، يُعد أحد عناصر التقييم، لكنه ليس الإجراء الوحيد للتأكد من سلامة المادة الخام.

وأشار إلى أنه قبل استيراد المادة الخام يتم الحصول على عينة منها وتحليلها للتأكد من مطابقتها للمواصفات، وكذلك التأكد من نسب الشوائب الموجودة بها، موضحًا أن بعض الشوائب إذا تجاوزت الحدود المسموح بها يمكن أن تتسبب في أعراض جانبية خطيرة، وبالتالي يجب التأكد من عدم وجودها أو وجودها ضمن الحدود المسموح بها وفقًا للمواصفات المعتمدة.

وقال رئيس شعبة الأدوية: إن الشركة مطالبة بإبلاغ هيئة الدواء المصرية بالمورد الذي سيتم استيراد المادة الخام منه، وتجهيز جميع البيانات الخاصة به وتسجيلها لدى الهيئة، بحيث تكون بيانات المصنع أو المورد واضحة ومحددة، بما في ذلك العنوان التفصيلي.

مراحل تسجيل المستحضر الدوائي

وأوضح أنه خلال مراحل تسجيل المستحضر الدوائي يتم تقديم بيانات المورد ضمن الملف الخاص بالمستحضر، وإذا حدث أي تغيير في أي تفصيلة من بيانات المورد، يكون من حق هيئة الدواء مراجعة هذه البيانات والتأكد من المورد مرة أخرى، بما يضمن استمرار خضوع سلسلة الإمداد الدوائي للرقابة.

وأضاف أن هيئة الدواء المصرية لديها مجموعة من المقاييس التي يجب توافرها عند استيراد أي مادة خام، ولا يتم التعامل مع المادة باعتبارها مجرد خامة تدخل المصنع، وإنما تمر بمجموعة من الإجراءات الرقابية والتحليلية للتأكد من سلامتها.

وأكد أن المصنع يقوم بسحب عينات من المادة الخام وإجراء التحاليل والدراسات اللازمة عليها، قبل البدء في تصنيع الدواء نفسه، موضحًا أن الهدف هو التأكد من أن المادة الخام التي ستدخل في التركيبة الدوائية سليمة ومطابقة للمواصفات.

وأشار إلى أنه بعد التأكد من سلامة المادة الخام، يتم إبلاغ هيئة الدواء المصرية للحصول على الموافقة المسبقة على الاستيراد، موضحًا أن الإفراج عن المادة الخام من الجمارك يتم بناءً على موافقة هيئة الدواء.

وأوضح أن الشحنة الواردة من الخارج لا يستطيع المصنع فتحها بشكل عادي، وإنما يتم فتحها في وجود محضر رسمي من هيئة الدواء المصرية، وتبدأ بعد ذلك عملية سحب العينات وإجراء التحاليل.

ولفت إلى أن المادة الخام تمر بمرحلة تحليل داخل المصنع، كما تقوم هيئة الدواء المصرية بسحب عينة منها وتحليلها داخل معاملها، بما يعني أن هناك أكثر من مستوى للتأكد من سلامة المادة الخام ومطابقتها للمواصفات.

وقال إن المصنع لا يبدأ الإنتاج بمجرد وصول المادة الخام، وإنما ينتظر موافقة هيئة الدواء المصرية بعد الانتهاء من التحاليل المطلوبة، مؤكدًا أن الرقابة تبدأ قبل التصنيع وليس بعد إنتاج الدواء.

وأضاف رئيس شعبة الأدوية أن هناك إجراءات تبدأ مع مرحلة الإنتاج، حيث يجب على المصنع وضع خطة تفصيلية لعملية التصنيع، وإرسالها إلى هيئة الدواء المصرية في ملف معتمد ومختوم.

وأوضح أن الملف يتضمن بيانات المستحضر والتركيبة ومراحل التصنيع، لافتًا إلى أن أول تشغيلة تجريبية للمستحضر تخضع لمراجعة دقيقة من جانب مفتشي هيئة الدواء. 

وأكد أن الأمر لا يتعلق فقط بمراجعة الأوراق، وإنما يتم التأكد من التطبيق الفعلي للخطة داخل المصنع، وكذلك مراجعة التركيبة الدوائية والتجارب المختلفة التي يتم إجراؤها للتأكد من سلامة المستحضر.

وأضاف أن المستحضر يتم تحريزه ويخضع مرة أخرى للتحليل، للتأكد من مطابقة التشغيلة التجريبية للمواصفات.

الموافقة النهائية لطرح الدواء

وأكد أن المصنع لا يحصل بمجرد نجاح التشغيلة التجريبية على الموافقة النهائية لطرح الدواء، وإنما تستمر مجموعة أخرى من الدراسات والتحاليل، من بينها دراسات الثبات، للتأكد من أن الدواء يحافظ على خواصه وجودته وفاعلية مادته الفعالة في ظروف مختلفة.

وقال رئيس شعبة الدواء: إن دراسة الثبات تعد من المراحل المهمة في تقييم المستحضر، حيث يتم تعريضه لدرجات حرارة ورطوبة وظروف محددة، ومتابعته على فترات زمنية مختلفة، للتأكد من أن المادة الفعالة لا تتغير وأن خواص المستحضر تظل ثابتة.

وأوضح أن الدراسات تشمل ظروفًا قاسية يتم من خلالها تقييم مدى تحمل المستحضر للحرارة والرطوبة، بهدف الوصول إلى فترة الصلاحية المناسبة للدواء، مؤكدًا أن تاريخ الصلاحية لا يتم تحديده بشكل عشوائي، وإنما بناءً على نتائج الدراسات العلمية التي يتم إجراؤها على المستحضر للتأكد من أنه سيظل محتفظًا بفاعليته وجودته طوال الفترة المحددة لصلاحيته.

وأضاف عوف أن الأدوية المثيلة لمستحضر مستورد تخضع كذلك لدراسة التكافؤ الحيوي، بهدف التأكد من أن المستحضر المحلي يعطي نتائج مماثلة للمستحضر المرجعي الأجنبي.

وأوضح أن دراسة التكافؤ الحيوي تعتمد على إجراء المقارنة وعلى مجموعة من الحالات، للتأكد من وصول المادة الفعالة إلى الجسم بالصورة والنسب المطلوبة.

وأشار إلى أنه إذا جاءت النتائج داخل النطاق المقبول علميًا، يُعتبر المستحضر متكافئًا مع المستحضر المرجعي وفق الضوابط المنظمة.

وأكد أن التكافؤ الحيوي مرحلة مهمة للتأكد من أن المستحضر المحلي ليس فقط مطابقًا من حيث التركيب، وإنما يؤدي الوظيفة العلاجية المطلوبة بالمستوى المكافئ للمستحضر المرجعي.

وشدد رئيس شعبة الأدوية على أن جميع هذه الإجراءات، من تحاليل المادة الخام، وتحاليل المستحضر، ودراسات الثبات، ودراسات التكافؤ الحيوي، والتفتيش على المصنع، ومراجعة عمليات الإنتاج، تتم قبل حصول المستحضر على الموافقة النهائية للنزول إلى السوق.

وأوضح أن منظومة الرقابة لا تترك مرحلة من مراحل تصنيع الدواء دون متابعة، مشيرًا إلى أن التفتيش يكون متواجدًا خلال مختلف الخطوات والمراحل، بحسب طبيعة الإجراء.

وأكد أن الدواء لا يمكن أن ينزل إلى السوق إلا بعد استكمال الإجراءات الرقابية، مشيرًا إلى أن وجود مفتش من هيئة الدواء المصرية ومتابعة مراحل التصنيع يُعد جزءًا أساسيًا من المنظومة الرقابية المصرية. وأكد أن التفتيش لا ينتظر فقط انتهاء عملية الإنتاج، وإنما يتواجد خلال مراحل متعددة، كما تستمر الرقابة بعد خروج الدواء من المصنع، لتشمل الموزعين والصيدليات، مع إمكانية سحب عينات من المستحضرات في مراحل التداول المختلفة.

وأكد أن ذلك يجعل الرقابة على الدواء في مصر من أعلى مستويات الرقابة، لأنها لا تعتمد على مرحلة واحدة، وإنما تشمل المادة الخام، والمصنع، والتشغيلات، والمعامل، والتوزيع، والصيدليات.

ضوابط خاصة للعاملين في مصانع الأدوية

وأشار رئيس شعبة الأدوية إلى أن قانون مزاولة مهنة الصيدلة رقم 127 لسنة 1955 والاشتراطات المنظمة لصناعة الدواء تضع ضوابط خاصة للعاملين في مصانع الأدوية، وعلى رأسها وجود مدير إنتاج ومدير جودة.

وأوضح أن مدير المصنع يجب أن تتوافر لديه الخبرة المطلوبة، وكذلك مدير الجودة ومدير الإنتاج، حيث يتم إصدار التراخيص اللازمة لهم وإبلاغ هيئة الدواء المصرية بهم، وبدونهم يتعرض المصنع للغلق.

وقال: إن مدير الإنتاج يتولى الإشراف على عمليات التصنيع داخل المصنع، ويتأكد من تنفيذ خطوات الإنتاج وفق الخطة والإجراءات المحددة. أما مدير الجودة فمهمته التأكد من أن الإنتاج والتشغيلات مطابقة للمواصفات، ومراجعة جميع النتائج والبيانات وعرضها على مفتش هيئة الدواء.

وأوضح أن مفهوم الشخص المؤهل في بعض الأنظمة العالمية لا يشترط بالضرورة أن يكون المسؤول صيدليًا، وإنما يشترط أن يكون خريج تخصص مناسب، ومدربًا، ولديه خبرة.

وأوضح أن الدول تمنح الشخص المؤهل مسؤولية أكبر في عملية الإفراج عن التشغيلات، ويتحمل المسؤولية القانونية الكاملة عن نتائج قراراته، بينما توجد في مصر -بالإضافة إلى ذلك- منظومة التفتيش والتحليل لهيئة الدواء المصرية.

وقال رئيس شعبة الأدوية: إن هناك حاجة إلى مراجعة الإجراءات بهدف تقليل التكرار وتسهيل عملية التسجيل دون التأثير على جودة وسلامة الدواء.

تطبيق وظيفة "الشخص المؤهل" 

وأوضح أن تطبيق وظيفة "الشخص المؤهل" بجانب الإجراءات المتوفرة حاليًا من تحاليل المعامل والتفتيش يؤدي إلى التكرار وزيادة التكلفة وإهدار الوقت.

وأكد أن بعض التغييرات في سلسلة الإنتاج أو إجراءات التسجيل تستغرق فترة طويلة تصل في بعض الحالات إلى عام ونصف أو عامين، خاصة إذا طرأ تغيير على أي جزء من سلسلة الإنتاج.

وأضاف أن طول الفترة الزمنية لا يعني فقط تأخير طرح المستحضر، وإنما يترتب عليه تكاليف إضافية تتحملها الشركات، سواء تكاليف لجان التفتيش أو التحاليل.

وأشار عوف إلى أن وجود الشخص المؤهل ومديري الجودة والإنتاج يمثل تكلفة إضافية على مصانع الأدوية، موضحًا أن أقل مصنع يتحمل ملايين الجنيهات سنويًا لتوفير الكوادر والخبرات المطلوبة في مجالات الجودة والإنتاج.

وشدد رئيس شعبة الأدوية في ختام حديثه على أن الصناعة لا تطالب بإلغاء الرقابة أو التراجع عن معايير الجودة، وإنما تطالب بتسهيل الإجراءات وتقليل الوقت دون المساس بسلامة الدواء.

من جانبه، أكد الدكتور محمد أشرف، خبير الصناعات الدوائية، أن تطبيق اشتراطات ممارسات التصنيع الجيد “جي إم بي” يتطلب وجود شخص مؤهل ومسؤول داخل مصانع الأدوية، تكون لديه الخبرة الفنية اللازمة لمتابعة مختلف مراحل التصنيع والإفراج عن المستحضرات الدوائية، ويكون معتمدًا ومسجلًا لدى هيئة الدواء.

وأوضح أن مسؤولية متابعة جودة الدواء كانت في السابق ترتبط بصورة أكبر بمدير الإنتاج أو المسؤول عن المصنع، بينما تتجه المنظومة حاليًا إلى تحديد مسؤول فني مؤهل تكون مهمته الرقابة على جميع مراحل العملية الإنتاجية، بدءًا من المواد الخام وحتى خروج المنتج النهائي.

وأشار إلى أن وجود شخص مؤهل على دراية كاملة بمراحل التصنيع يُعد خطوة إيجابية، لأنه في حال حدوث أي مشكلة يمكنه تتبع مراحل الإنتاج وتحديد سبب المشكلة ومصدرها، بما يعزز سرعة التعامل معها ومنع تكرارها.

 مصر لديها منظومة رقابية قوية على الدواء

وشدد على أن مصر لديها منظومة رقابية قوية على الدواء، ولا يعني تطوير نظم الرقابة وجود مشكلة في جودة الدواء المصري، موضحًا أن أي نظام رقابي في العالم يحتاج إلى التطوير المستمر لمواكبة التطورات العالمية في صناعة الدواء ومتطلبات الجودة.

وأضاف لـ"فيتو" أن قرار هيئة الدواء المصرية بشأن اشتراطات "الشخص المؤهل" يأتي من أجل بناء منظومة متكاملة لتطوير صناعة الدواء ورفع مستويات الجودة، وليس دليلًا على وجود خلل في الدواء المصري.

وأكد أن تطوير المنظومة الرقابية لا يمثل عبئًا فقط، وإنما يفتح أيضًا مجالات جديدة ويخلق فرص عمل للصيادلة.

وأوضح أن الهدف النهائي من تعزيز الرقابة الشاملة على صناعة الدواء هو الوصول إلى أعلى مستويات الجودة، بما يضمن وصول دواء آمن وفعال وذي جودة عالية إلى المريض، إلى جانب رفع كفاءة الصناعة المصرية وتعزيز قدرتها على المنافسة في الأسواق الخارجية وفتح المزيد من فرص التصدير.

وأضاف أن الرقابة لا تتوقف عند خروج الدواء من المصنع، وإنما تمتد إلى اليقظة الدوائية، من خلال متابعة أي ملاحظات أو أعراض يبلغ عنها المرضى بعد استخدام المستحضر، للتأكد من استمرار مأمونيته وجودته ورصد أي مشكلات فردية مرتبطة باستخدام الدواء.

وأشار إلى أن المصانع التي تستثمر في تطوير نظم الجودة والرقابة لا ينبغي أن تنظر إلى ذلك باعتباره تكلفة، وإنما باعتباره استثمارًا حقيقيًا في جودة المنتج وسمعة الصناعة الدوائية المصرية والثقة فيها.

نقلا عن العدد الورقي