إعادة رسم خريطة البحث والاستكشاف عن البترول والغاز.. 300 ألف كم تحت المسح.. 14 منطقة جديدة أمام المستثمرين.. إعادة قراءة المناطق القديمة
تتحرك مصر لإعادة رسم خريطة البحث والاستكشاف عن البترول والغاز، عبر توسيع نطاق المسوح السيزمية وتحديث البيانات الجيولوجية المتاحة أمام شركات البترول العالمية، في خطوة تستهدف فتح مناطق جديدة أمام الاستثمار ورفع دقة عمليات البحث عن الثروات البترولية في البر والبحر.
وتنفذ وزارة البترول والثروة المعدنية 3 مسوح سيزمية بإجمالي مساحات تتجاوز 300 ألف كيلومتر مربع، بالتزامن مع طرح 14 منطقة جديدة للبحث والاستكشاف، بما يعكس توجهًا لزيادة الاعتماد على البيانات الحديثة في تحديد المناطق الواعدة قبل الانتقال إلى مرحلة الحفر.
المسح السيزمي.. خطوة تسبق الحفر
يمثل المسح السيزمي إحدى أهم الأدوات المستخدمة في صناعة البترول لتكوين صورة أكثر دقة عن التراكيب الجيولوجية الموجودة في باطن الأرض وقاع البحر. وتعتمد العملية على إرسال موجات صوتية إلى الأعماق وتحليل انعكاساتها عن الطبقات المختلفة، بما يساعد المتخصصين على تحديد التراكيب التي قد تمثل أهدافًا مناسبة للاستكشاف.
وبذلك لا يمثل دخول منطقة جديدة إلى نطاق المسح إعلانًا عن وجود احتياطيات مؤكدة، وإنما يوفر قاعدة معلومات تساعد الشركات على تقييم الفرص وتقليل المخاطر المرتبطة بالحفر الاستكشافي، الذي يعد من أكثر مراحل صناعة البترول تكلفة وعدم يقين.
وتزداد أهمية هذه البيانات مع اتجاه الدولة إلى طرح مناطق جديدة أمام المستثمرين؛ إذ تمثل المعلومات الجيولوجية الحديثة أحد العناصر الأساسية التي تعتمد عليها الشركات في اتخاذ قراراتها الاستثمارية.
300 ألف كيلومتر تعيد ترتيب أولويات الاستكشاف
لا يرتبط التحرك بمنطقة جغرافية واحدة، وإنما يمتد إلى عدد من المناطق البترولية، بما في ذلك الصحراء الغربية وخليج السويس ومناطق بحرية، في إطار استراتيجية تستهدف توسيع قاعدة البحث والاستكشاف وعدم الاكتفاء بالمناطق التي شهدت نشاطًا بتروليًا تاريخيًا.
وتتضمن التحركات الحالية تنفيذ مسح سيزمي في غرب الصحراء الغربية على مساحة تصل إلى نحو 110 آلاف كيلومتر مربع، بهدف توفير بيانات أحدث عن المنطقة وتشجيع الشركات على ضخ استثمارات جديدة في البحث عن البترول والغاز.
وتكتسب الصحراء الغربية أهمية خاصة في خريطة الاستكشاف المصرية، باعتبارها واحدة من المناطق التي شهدت على مدار السنوات الماضية اكتشافات وإنتاجًا فعليًا، إلى جانب وجود بنية تحتية يمكن الاستفادة منها في نقل ومعالجة الإنتاج الجديد.
وفي هذا السياق، أعلنت وزارة البترول دخول بئر «فيوم-4» التابعة لشركة «بي بي» الإنتاج بمعدل يصل إلى 80 مليون قدم مكعب من الغاز يوميًا، مع دخول آبار أخرى في حقول مليحة إلى الإنتاج خلال الفترة المقبلة.
إعادة قراءة المناطق القديمة
ولا يعني توسيع عمليات المسح التوجه فقط إلى مناطق لم تشهد نشاطًا استكشافيًا من قبل، إذ تعمل الوزارة كذلك على إعادة تقييم مناطق بترولية قائمة باستخدام بيانات وتقنيات حديثة.
ويبرز خليج السويس في هذا الإطار، باعتباره من المناطق ذات التاريخ الطويل في إنتاج البترول، حيث تستهدف عمليات المسح السيزمي الإقليمي تحسين فهم التراكيب الجيولوجية وربط البيانات الخاصة بالمنطقة بنظيرتها في شمال البحر الأحمر، بما يتيح تحديد فرص استكشافية جديدة.
وتسمح التقنيات الحديثة بإعادة تحليل مناطق سبق استكشافها وفق نماذج وبيانات أكثر تطورًا، وهو ما قد يؤدي إلى تحديد أهداف لم تكن واضحة بالقدر الكافي عند تنفيذ عمليات البحث السابقة.
ومن ثم، فإن إعادة رسم الخريطة لا تعني بالضرورة البحث بعيدًا عن الحقول القائمة، وإنما تشمل أيضًا محاولة اكتشاف فرص جديدة داخل مناطق تعرفها الصناعة بالفعل.
14 منطقة جديدة أمام المستثمرين
يتزامن تحديث قاعدة البيانات مع طرح 14 منطقة جديدة للبحث والاستكشاف، في محاولة لتحويل المعلومات الجيولوجية إلى فرص استثمارية مباشرة.
وتشمل المزايدة 8 مناطق تابعة للشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية «إيجاس» في البحر المتوسط ودلتا النيل وشمال سيناء، بالإضافة إلى 6 مناطق تابعة للهيئة المصرية العامة للبترول في خليج السويس وسيناء والصحراء الغربية.
وتتيح وزارة البترول البيانات الفنية الخاصة بالمناطق عبر بوابة مصر للاستكشاف والإنتاج، بما يسمح للشركات الراغبة في الدخول إلى المزايدة بتقييم المناطق قبل تقديم عروضها.
ويعكس ذلك تحولًا في طريقة إدارة ملف الاستكشاف، بحيث تصبح البيانات الجيولوجية الحديثة جزءًا من عملية التسويق للمناطق المطروحة، وليس مجرد معلومات فنية داخل مؤسسات القطاع.
من الاكتشاف إلى الإنتاج
تأتي عمليات المسح ضمن خطة أوسع لزيادة معدلات البحث والاستكشاف والإنتاج، بعد أن شهد قطاع البترول تراجعًا في معدلات الإنتاج خلال السنوات الماضية نتيجة عوامل من بينها انخفاض الاستثمارات وتراكم مستحقات شركات البترول الأجنبية.
وأعلنت وزارة البترول في يونيو 2026 الانتهاء من سداد مستحقات الشركاء الأجانب بالكامل، بعدما كانت تبلغ نحو 6.1 مليار دولار في يونيو 2024، معتبرة أن هذه الخطوة تمثل عنصرًا مهمًا لاستعادة الثقة وزيادة الاستثمارات في أعمال البحث والاستكشاف والإنتاج.
ومع تحسن المناخ الاستثماري، تستهدف الوزارة زيادة نشاط الحفر خلال العام المالي 2026/2027، حيث تتضمن الخطة حفر 513 بئرًا استكشافية وتنموية، بهدف إضافة احتياطيات جديدة إلى جانب تنمية الحقول والآبار القائمة.
وهنا تظهر أهمية المسوح السيزمية باعتبارها المرحلة التي تسبق جزءًا كبيرًا من هذا النشاط؛ فكلما أصبحت صورة باطن الأرض أكثر وضوحًا، أمكن توجيه أعمال الحفر إلى أهداف أكثر احتمالًا للنجاح.
الصحراء الغربية تعود بقوة إلى المشهد
تجمع الصحراء الغربية بين ميزتين أساسيتين في استراتيجية الاستكشاف الحالية؛ الأولى تتمثل في وجود فرص جيولوجية ما زالت قابلة للاكتشاف، والثانية وجود بنية تحتية بترولية تسمح بتسريع الاستفادة من الاكتشافات الجديدة.
وتدفع الوزارة باتجاه زيادة النشاط الاستكشافي في المنطقة بالتعاون مع الشركات العالمية، بالتزامن مع دخول آبار جديدة إلى الإنتاج.
وتعني إضافة إنتاج جديد من مناطق قريبة من التسهيلات القائمة تقليل الفترة والتكلفة اللازمة للانتقال من مرحلة الاكتشاف إلى الإنتاج التجاري، مقارنة بمناطق تحتاج إلى إنشاء بنية تحتية كاملة من البداية.
ولهذا لا تقاس جاذبية المنطقة البترولية فقط بحجم الاحتياطي المحتمل، وإنما أيضًا بتكلفة تطويره وإمكانية ربطه بشبكات الإنتاج والمعالجة والنقل.
البحر المتوسط.. البيانات تفتح مسارات جديدة
يمتد التحرك كذلك إلى البحر المتوسط، الذي يمثل أحد أهم الأحواض الغازية في مصر، خاصة بعد اكتشاف حقل ظهر وما تبعه من تطوير للبنية التحتية البحرية.
وتضم المزايدة الجديدة مناطق في البحر المتوسط ودلتا النيل وشمال سيناء، بينما تعمل مصر في الوقت نفسه على تعزيز الاستفادة من بنيتها التحتية لاستقبال الغاز من مناطق جديدة.
وفي هذا السياق، تعمل مصر على ربط حقول غاز قبرصية بالبنية التحتية المصرية، بما يشمل الاستفادة من تسهيلات حقل ظهر ومصنع إسالة الغاز في دمياط، بما يعزز دور مصر كمركز إقليمي لتداول وتسييل الغاز.
ويضيف هذا التطور بعدًا جديدًا إلى عمليات الاستكشاف؛ فالاكتشافات البحرية الجديدة يمكن أن ترتبط بمنظومة قائمة بالفعل، بدلًا من إنشاء منظومة تصدير ومعالجة جديدة لكل مشروع.
زيادة عدد الآبار لا تكفي وحدها
شهد قطاع البترول خلال الفترة الأخيرة نشاطًا متزايدًا في أعمال البحث والاستكشاف، حيث تشير بيانات الوزارة إلى تحقيق 112 كشفًا جديدًا من خلال 149 بئرًا استكشافية خلال العامين الماضيين، مع التحرك نحو توقيع اتفاقيات جديدة للبحث والاستكشاف باستثمارات تتجاوز مليار دولار.
لكن القيمة الاقتصادية لهذه الأرقام ترتبط بالقدرة على تحويل الاكتشافات إلى إنتاج فعلي، وهو ما يتطلب استثمارات إضافية في حفر الآبار التنموية وإنشاء التسهيلات وربط الحقول بالشبكات القائمة.
ولهذا تتعامل استراتيجية الوزارة مع عمليات الاستكشاف باعتبارها سلسلة مترابطة تبدأ من تحديث البيانات الجيولوجية، ثم تحديد المناطق الواعدة، وجذب الشركات، وتنفيذ الحفر الاستكشافي، وصولًا إلى تنمية الاكتشافات وإدخالها إلى الإنتاج.
الهدف.. تقليل فاتورة الاستيراد
يحمل تكثيف عمليات البحث والاستكشاف هدفًا اقتصاديًا يتجاوز زيادة أرقام الاحتياطيات، إذ تستهدف الدولة زيادة الإنتاج المحلي من البترول والغاز وتقليل الاحتياجات الاستيرادية.
وتؤكد وزارة البترول أن زيادة الاكتشافات والإنتاج المحلي تساعد على تعويض التناقص الطبيعي في إنتاج الحقول القائمة، وتحسين موقف إمدادات الطاقة، وتقليل الضغط الناتج عن الاحتياجات الاستيرادية.
ومن هذه الزاوية، يصبح تحديث الخريطة الجيولوجية جزءًا من معركة أوسع تتعلق بأمن الطاقة؛ فالمعلومة الجيولوجية الأفضل تساعد على اختيار مواقع الحفر، والحفر الناجح يضيف احتياطيات، والاحتياطيات القابلة للتنمية تتحول إلى إنتاج، والإنتاج المحلي يخفف الحاجة إلى شراء كميات إضافية من الخارج.
خريطة جديدة لمرحلة مختلفة
تكشف عمليات المسح التي تتجاوز 300 ألف كيلومتر مربع عن محاولة لإعادة بناء قاعدة الاستكشاف المصرية على أسس أكثر اعتمادًا على البيانات والتكنولوجيا، بالتزامن مع إعادة تحريك الاستثمار وطرح مناطق جديدة أمام الشركات.
ولا يعني ذلك أن كل كيلومتر يخضع للمسح يحمل اكتشافًا مؤكدًا، لكن اتساع نطاق المسح يرفع حجم المعرفة المتاحة عن المناطق المختلفة، ويمنح المستثمرين أدوات أفضل لتقييم المخاطر والفرص قبل الدخول في عمليات الحفر.
وبينما تتحرك الدولة لزيادة عدد الآبار وإطلاق مزايدات جديدة وتسريع دخول اكتشافات إلى الإنتاج، تصبح المعلومة الجيولوجية أحد أهم الأصول الجديدة في قطاع البترول.
فالمنافسة لم تعد فقط على امتلاك مناطق البحث، وإنما على القدرة على قراءة ما تحتها بدقة، واختيار المواقع الأكثر وعدًا، وتحويل هذه المعرفة إلى استثمارات ثم إنتاج.
وفي النهاية، فإن الـ300 ألف كيلومتر التي تدخل دائرة المسح ليست رقمًا على خريطة، وإنما جزء من محاولة أكبر لإعادة تعريف طريقة مصر في البحث عن ثرواتها البترولية: بيانات أحدث، مناطق أوسع، حفر أكثر، واستهداف أدق للموارد التي يمكن تحويلها من ثروة محتملة تحت الأرض إلى طاقة وإنتاج على الأرض.