ما التكييف الفقهي للخلع هل هو طلاق أم فسخ؟ دار الإفتاء تجيب
أجاب الدكتور نظير مفتي الجمهورية، على سؤال ورد إليه نصه: ما التكييف الفقهي لـ الخلع: هل هو طلاق أو فسخ؟
وقال المفتي عبر الموقع الرسمي لدار الإفتاء في فتوى حديثة: الخُلعَ يُكيَّف شرعًا على أنَّه طلقةٌ واحدةٌ بائنةٌ، وتُحتسب بذلك من عدد الطلقات التي للرجل على زوجته، وهذا ما جرى عليه العمل في الديار المصرية واستقر فيها إفتاءً وقضاءً.
اختلاف الفقهاء
وتابع المفتي إن الفقهاء اختلفوا في كون الفرقة الواقعة بين الزوجين بسبب الخلع طلاقًا أو فسخًا؛ فالجمهور من الحنفية، والمالكية، والقول الجديد عند الشافعية على أنها طلاق يحتسب من عدد الطلقات. والمروي عن ابن عباس رضي الله عنهما، والصحيح من مذهب الحنابلة، والإمام الشافعي في القديم على أنَّه فسخ لا يحتسب من الطلقات.
وقال الإمام السرخسي الحنفي في "المبسوط" (6/ 171-172، ط. دار المعرفة): [إذا اختلعت المرأة من زوجها فالخلع جائز، والخلع تطليقة بائنة عندنا، وفي قول الشافعي رحمه الله هو فسخ، وهو مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما، وقد روي رجوعه إلى قول عامة الصحابة رضي الله عنهم.
واستدل الإمام الشافعي بقوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ إلى أن قال: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: 229] إلى أن قال: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: 230]، فلو جعلنا الخلع طلاقًا صارت التطليقات أربعًا في سياق هذه الآية، ولا يكون الطلاق أكثر من ثلاث؛ ولأن النكاح عقد محتمل للفسخ حتى يفسخ بخيار عدم الكفاءة، وخيار العتق، وخيار البلوغ عندكم فيحتمل الفسخ بالتراضي أيضًا، وذلك بالخلع، واعتبر هذه المعاوضة المحتملة للفسخ بالبيع والشراء في جواز فسخها بالتراضي.
وقال المفتي لنا: ما رُوِيَ عن عمر وعلي وابن مسعود رضي الله عنهم موقوفًا عليهم ومرفوعًا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «الْخُلْعُ تَطْلِيقَةٌ بَائِنَةٌ». والمعنى فيه: أن النكاح لا يحتمل الفسخ بعد تمامه، ألا ترى أنه لا يفسخ بالهلاك قبل التسليم، فإن الملك الثابت به ضروري لا يظهر إلا في حق الاستيفاء، وقد قررنا هذا في النكاح، وبينا أن الفسخ بسبب عدم الكفاءة فسخ قبل التمام فكان في معنى الامتناع من الإتمام، وكذلك في خيار البلوغ، والعتق، فأما الخلع يكون بعد تمام العقد، والنكاح لا يحتمل الفسخ بعد تمامه، ولكن يحتمل القطع في الحال فيجعل لفظ الخلع عبارة عن رفع العقد في الحال مجازا، وذلك إنما يكون بالطلاق] اهـ.
وقال الإمام ابن عبد البر المالكي في "الكافي في فقه أهل المدينة" (2/ 593، ط. مكتبة الرياض الحديثة): [الخلع ليس بفسخ عند مالك، وإنما هو طلاق بائن] اهـ.
وسبب الخلاف كما قال الإمام أبو الوليد بن رشد في "بداية المجتهد ونهاية المقتصد" (3/ 91، ط. دار الحديث): [هل اقتران العوض بهذه الفُرقة يخرجها من نوع فرقة الطلاق إلى نوع الفسخ، أم ليس يخرجها؟] اهـ.
وقال الإمام النووي في "المجموع شرح المهذب" (17/ 16، ط. دار الفكر): [ويصح الخلع بلفظ الخلع والطلاق، فإن خالعها بصريح الطلاق أو بالكناية مع النية فهو طلاق؛ لأنه لا يحتمل غير الطلاق، فإن خالعها بصريح الخلع نظرت: فإن لم ينو به الطلاق ففيه ثلاثة أقوال:أحدهما: أنه لا يقع به فرقة، وهو قوله في "الأم"؛ لأنه كناية في الطلاق من غير نية، فلم يقع بها فرقة، كما لو عريت عن العوض.
والثاني: أنه فسخ، وهو قوله في القديم؛ لأنه جعل للفرقة، فلا يجوز أن يكون طلاقًا؛ لأن الطلاق لا يقع إلا بصريح أو كناية مع النية، والخلع ليس بصريح في الطلاق، ولا معه نية الطلاق، فوجب أن يكون فسخًا.
والثالث: أنه طلاق، وهو قوله في "الإملاء"، وهو اختيار المزني؛ لأنها إنما بذلت العوض للفرقة، والفرقة التي يملك إيقاعها هي الطلاق دون الفسخ، فوجب أن يكون طلاقًا] اهـ.
وقال العلامة المرداوي الحنبلي في "الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف" (8/ 392، ط. هجر للطباعة والنشر): [الصحيح من المذهب: أن الخلع فسخ، لا ينقص به عدد الطلاق] اهـ.
مشروعية الخلع في الشريعة الإسلامية
وتابع المفتي: جعل الشرعُ الشريف الطلاقَ بيدِ الزوج ابتداءً، يوقعه عند إرادة إنهاء الزوجية، وشَرَع في مقابِلِهِ الخُلع للمرأة إذا كرهت زوجها وخافت ألا تقيم حدود الله إذا استمرت في المُقَام معه، فجعل لها أن تفتدي نفسها منه بعوضٍ تبذُلُه له، ليكون الخُلع في حقِّها نظير ما في يده من الطلاق. والخُلعُ هو: حلُّ عقد النِّكاح بلفظِ الخُلعِ أو الطَّلاق أو ما يقوم مقامهما، بعِوَضٍ تبذله الزوجة أو غيرها للزوج.