فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

من مخلفات المحاصيل إلى غذاء المستقبل، فريق بحثي يطور إنتاج الإنيولين محليا لتقليل الاستيراد

الإنيولين
الإنيولين

في الوقت الذي تتجه فيه مصر إلى تعظيم الاستفادة من مواردها الزراعية وتعميق التصنيع المحلي، يظهر ابتكار بحثي مصري يسعى إلى تحويل مخلفات المحاصيل من عبء بيئي إلى مادة خام ذات قيمة اقتصادية، من خلال إنتاج الإنيولين محليا واستخدامه في الصناعات الغذائية والوظيفية.

ويحمل الابتكار عنوان «إنتاج الإنيولين من بعض مخلفات المحاصيل الزراعية واستخدامه في الصناعات الغذائية الوظيفية»، ويشارك به فريق بحثي من مركز البحوث الزراعية ضمن منافسات مسابقة الابتكار الزراعي من أجل التنمية المستدامة 2026.


ويضم الفريق الدكتورة وداد محمد أحمد علي الخولي، رئيس بحوث بمركز البحوث الزراعية، الدكتور رضا عبد الحكيم حلمي عامر، والدكتورة جيهان حسن بيصار.


من المخلفات الزراعية إلى منتج عالي القيمة


تقوم فكرة الابتكار على استخلاص مادة الإنيولين من بعض المخلفات الزراعية الغنية بها، وعلى رأسها جذور الشيكوريا وجذور الخرشوف، ثم تنقيتها وتجهيزها لإنتاج مادة يمكن استخدامها في مجموعة واسعة من الصناعات الغذائية والوظيفية.

ولا ينظر المشروع إلى المخلفات الزراعية باعتبارها مشكلة بيئية فقط، وإنما باعتبارها موردا يمكن إعادة إدخاله في دورة الإنتاج وتحويله إلى منتج ذي قيمة مضافة.

ويعد الإنيولين من الألياف الغذائية الذائبة والمكونات الوظيفية التي تدخل في عدد من الصناعات الغذائية، ويمكن توظيفه في تحسين القوام والخصائص الحسية لبعض المنتجات، إلى جانب استخداماته كمصدر للألياف الغذائية وفي بعض التطبيقات المتعلقة بخفض السعرات وبدائل الدهون.


الإنيولين.. فرصة لتقليل فاتورة الاستيراد


تكمن إحدى أهم نقاط القوة في المشروع في استهداف إنتاج الإنيولين محليا بدلا من الاعتماد على الاستيراد، بما يفتح المجال أمام تقليل فاتورة الواردات وتوفير العملة الأجنبية، إلى جانب خلق قيمة اقتصادية جديدة داخل القطاع الزراعي والغذائي.

ويستهدف المشروع إنشاء سلسلة قيمة تبدأ من المخلفات الزراعية، مرورا بجمع وتجهيز المادة الخام وعمليات الاستخلاص والتنقية والتوصيف، وصولا إلى إنتاج الإنيولين واستخدامه في الصناعات الغذائية والوظيفية.


وبذلك يمكن أن تمتد الفرص الاستثمارية إلى أكثر من مرحلة، بداية من جمع وتجهيز المخلفات، وصولا إلى إنشاء وحدات الاستخلاص والتنقية ومصانع إنتاج المكونات الغذائية والمنتجات الوظيفية.


منتجات الألبان والمخبوزات والمشروبات في قائمة المستفيدين


يمتلك الإنيولين مجموعة واسعة من التطبيقات المحتملة في الصناعات الغذائية، وهو ما يعزز فرص المشروع في التحول إلى نشاط صناعي قابل للتوسع.
ومن أبرز المجالات التي يمكن استخدامه فيها منتجات الألبان، مثل الزبادي والجبن والآيس كريم، إضافة إلى المخبوزات وحبوب الإفطار والمشروبات والمشروبات الوظيفية والأغذية الصحية وبعض المنتجات الجاهزة والصلصات.
كما يمكن استخدامه في المكملات الغذائية، مع وجود تطبيقات مستقبلية محتملة في بعض المجالات الصحية والدوائية.

ويمنح تعدد الاستخدامات ميزة مهمة للمشروع، إذ لا يعتمد نجاحه على سوق واحد، وإنما يمكن أن يخدم مجموعة من الصناعات التي تحتاج إلى المكونات الغذائية الوظيفية.


ابتكار يعالج مشكلة بيئية واقتصادية في وقت واحد


يجمع المشروع بين هدفين رئيسيين؛ الأول بيئي يتمثل في الاستفادة من المخلفات الزراعية وتقليل المشكلات الناتجة عن التخلص غير الرشيد منها، والثاني اقتصادي يتمثل في إنتاج مادة محلية يمكن أن تحل محل جزء من المنتجات المستوردة.
 وهنا تظهر فلسفة الاقتصاد الدائري بوضوح، حيث تتحول المخلفات التي كانت تمثل تكلفة وعبئا بيئيا إلى مادة خام يمكن استخدامها في إنتاج منتج صناعي ذي قيمة مضافة.
 ولا تتوقف الفكرة عند التخلص من المخلف، وإنما تتعامل معه باعتباره نقطة بداية لسلسلة إنتاج جديدة يمكن أن توفر فرصا استثمارية وتشغيلية.
 

من الاستخلاص إلى كشف الغش وضبط الجودة
 

ولا يعتمد الابتكار على استخلاص الإنيولين فقط، وإنما يشمل تطوير طرق للاستخلاص والتنقية والتقييم، بهدف الوصول إلى منتج محلي عالي النقاء يمكن استخدامه في الصناعات الغذائية.
كما يتضمن المشروع العمل على تطوير طرق تحليلية للكشف عن غش الإنيولين وتحديد مواصفاته، بما يدعم جودة المنتج ومدى ملاءمته للاستخدام الصناعي.
ويتضمن الابتكار كذلك إعداد Product Data Sheet للمنتج المنقى، بما يساعد على توصيف خصائصه بصورة أكثر دقة، ويدعم مستقبلا عمليات التصنيع والتسويق والتعامل الصناعي مع المنتج.


كيف يتحول المخلف إلى إنيولين؟


تبدأ مراحل تنفيذ الابتكار بجمع المخلفات الزراعية الغنية بالإنيولين، ومنها جذور الشيكوريا والخرشوف، ثم تجهيز المادة الخام ومعالجتها.
وتشمل المراحل اللاحقة تثبيط الإنزيم المسؤول عن التلون البني وإزالة الطعم المر، ثم استخلاص الإنيولين وتنقيته، وإجراء مجموعة من الاختبارات لتقييم خصائصه الفيزيائية والميكروبيولوجية والوظيفية.
ويستهدف الفريق في النهاية الوصول إلى منتج غذائي وظيفي قابل للتسويق والدمج في صناعات غذائية مختلفة.
 

فرصة استثمارية تبدأ من مصر ويمكن أن تتوسع خارجيا
 

لا تتوقف القيمة الاستثمارية للمشروع عند إحلال الإنيولين المستورد بمنتج محلي، إذ يمكن مستقبلا نقل التكنولوجيا إلى أسواق أخرى تمتلك موارد زراعية ومخلفات نباتية يمكن الاستفادة منها.
كما تمثل الأسواق العربية والإفريقية فرصة محتملة للتوسع، خاصة في الدول التي تمتلك نشاطا زراعيا وصناعات غذائية تعتمد على المكونات الوظيفية.
ومن ثم يمكن أن يبدأ المشروع من إحلال الواردات داخل السوق المصرية، ثم ينتقل في مراحل لاحقة إلى التوسع والتصدير.
 

علي عبد العزيز: المخلف الزراعي يمكن أن يتحول إلى ثروة
 

وأكد الدكتور علي عبد العزيز، رئيس مسابقة الابتكار الزراعي من أجل التنمية المستدامة ومؤسس المبادرة الوطنية «دولة الابتكار الزراعي»، أن هذا النوع من الابتكارات يمثل النموذج الذي تستهدفه المسابقة، لأنه لا يتوقف عند نتيجة بحثية، وإنما يتعامل مع المشكلة من جوانب اقتصادية وصناعية وبيئية في الوقت نفسه.
وأوضح أن أهمية ابتكار إنتاج الإنيولين من مخلفات المحاصيل الزراعية تتمثل في تحويل ما كان يمثل تحديا بيئيا إلى مادة خام لصناعة جديدة ذات قيمة مضافة، بالتوازي مع فتح المجال أمام تقليل الاعتماد على منتج يتم استيراده من الخارج.


وأضاف أن مصر تمتلك قاعدة كبيرة من الموارد الزراعية والمخلفات التي يمكن تحويلها إلى منتجات ذات قيمة اقتصادية، إلا أن التحدي الحقيقي يتمثل في الانتقال من التعامل مع المخلف باعتباره عبئا إلى النظر إليه باعتباره ثروة قابلة للاستثمار.
وأشار إلى أن إنتاج الإنيولين محليا يمكن أن يخلق فرصا استثمارية في الصناعات الغذائية والمكونات الوظيفية والمكملات الغذائية، فضلا عن الصناعات المرتبطة بتجهيز واستخلاص المواد الخام، بما يعني أن العائد المحتمل يمتد إلى سلسلة القيمة بأكملها.
وأكد أن تقليل الاستيراد لا يرتبط فقط بإنتاج السلع النهائية، وإنما يبدأ أيضا من إنتاج المواد الوسيطة والمكونات الصناعية محليا، وهو ما يتطلب دعما مستمرا لمنظومة البحث العلمي والاستثمار في مصر.


من المسابقة إلى المصنع.. ماذا بعد؟


وأوضح رئيس المسابقة أن المرحلة المقبلة تستهدف دفع الابتكارات الواعدة نحو التطبيق الفعلي، وربط أصحاب الابتكارات بالجهات الصناعية والاستثمارية والحاضنات والجهات التمويلية، حتى لا تتوقف رحلة الابتكار عند المشاركة أو الفوز في المسابقة.
ويحتاج مشروع الإنيولين خلال المرحلة المقبلة إلى الانتقال من نطاق التجارب البحثية إلى دراسات أكثر تقدما تشمل التحقق من كفاءة عمليات الإنتاج، وحساب تكلفة الإنتاج على نطاق صناعي، ودراسة السوق، وتحديد الشركات المستهدفة، وبناء نموذج اقتصادي واضح للإنتاج والتسويق.
كما يمكن أن يمثل المشروع نقطة انطلاق لشراكات بين المراكز البحثية والجامعات وشركات الصناعات الغذائية والمستثمرين لتطوير المنتج والوصول به إلى السوق.


مخلفات المحاصيل.. من عبء بيئي إلى فرصة استثمارية


في النهاية، لا تكمن القيمة الحقيقية للابتكار في إنتاج الإنيولين فقط، وإنما في الفكرة الأوسع التي يقدمها: إمكانية تحويل المخلفات الزراعية المصرية من مشكلة بيئية إلى مورد للصناعة، ومن عبء اقتصادي إلى فرصة استثمارية، ومن مادة منخفضة القيمة إلى منتج يمكن أن يدخل في صناعات متعددة.


وإذا نجحت مراحل التطوير والتصنيع في الوصول إلى منتج مستقر الجودة وقابل للمنافسة، فإن المشروع قد يمثل نموذجا عمليا لكيفية تحويل البحث العلمي المصري إلى صناعة، وتحويل المخلفات الزراعية إلى قيمة مضافة، وربط الابتكار باحتياجات السوق الفعلية.