فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

بعد تسوية ديون 40 عاما.. هل انتهت أزمة ماسبيرو أم بدأت؟.. حسن علي: تسوية الديون لم تحرر المبنى العريق.. والوطنية للإعلام بحاجة إلى جراحة هيكلية عاجلة.. سامي الشريف: بيع الأصول التاريخية سلب للمستقبل

ماسبيرو، فيتو
ماسبيرو، فيتو

دخلت  الهيئة الوطنية للإعلام مرحلة جديدة عقب الإعلان رسميًا عن اجتياز أضخم أزمة مالية وتاريخية في تاريخ التليفزيون المصري، إثر إبرام اتفاق نهائي يهدف إلى إغلاق ملف المديونيات المتراكمة لصالح بنك الاستثمار القومي، تلبية لتوجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي بحسم التشابكات المالية وتصفية الديون التاريخية بين مختلف مؤسسات الدولة.

وكان الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، قد شهد بمقر الحكومة بالعاصمة الإدارية الجديدة مراسم توقيع اتفاقية  تسوية المديونيات المستحقة على الهيئة لصالح بنك الاستثمار القومي، والبالغة 88.3 مليار جنيه، حيث كشفت وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية عن التفاصيل المالية الكاملة للاتفاق، مشيرة إلى أن التوجيهات الرئاسية الحاسمة أسفرت عن إسقاط وإلغاء فوائد وغرامات تأخير متراكمة بقيمة 51.4 مليار جنيه، لتستقر القيمة النهائية للتسوية عند 88.3 مليار جنيه، مع التوقف التام عن احتساب أي غرامات تأخير جديدة بدءًا من أول يوليو 2026 وحتى إتمام الإجراءات.


وتضمن الاتفاق نقل ملكية 44 أصل غير مستغل تابع للهيئة إلى بنك الاستثمار القومي بقيمة 18.06 مليار جنيه كسداد لجزء من المديونية، على أن تتدخل الدولة بتوفير أراضي من أملاكها الخاصة لصالح البنك لسداد باقي القيمة بالكامل.


وتحدثت “فيتو” مع أساتذة الإعلام للتعرف على المردود المهني والإعلامي للتسوية التاريخية لديون ماسبيرو التي استمرت لأكثر من 40 عامًا، فهل تشكل المرحلة القادمة عودة حقيقية للوطنية للإعلام؟
 

أصل المديونية لم يتجاوز الـ 7 مليار جنيه
 

أوضح الدكتور حسن علي، أستاذ الإعلام أن أصل المديونية الفعلي لم يكن يتجاوز سبعة أو ثمانية مليارات جنيه، غير أن عدم القدرة على السداد وتراكم الفوائد المركبة سنة تلو الأخرى على مدار عقود قفز بالرقم المعلن إلى نحو 139 مليار جنيه.

وأكد أن الاعتماد على مبادلة الديون بالأصول لصالح بنك الاستثمار القومي يعد خطأ استراتيجيا، حيث كان من الأجدى الحفاظ على تلك الأصول واستغلالها في إقامة مشروعات تدر دخلًا ثابتًا ومستدامًا للمؤسسة، مما يتيح لها تطوير نفسها ويخفف العبء المالي والموازنة والدعم الذي تقدمه الدولة سنويًا لماسبيرو.
 

تسوية الديون لم تحرر ماسبيرو

وأشار أستاذ الإعلام إلى أن الديون تعود جذورها لأكثر من 40 عامًا وتحديدًا منذ عام 1985، موضحًا أن محاولة إنهاء أزمة تضخمت عبر أربعة عقود في يوم واحد عبر مبادلة الأصول بالديون لن تضمن "تحرير ماسبيرو" بشكل حقيقي، واعتبر أن الرهان على عوائد أسهم الهيئة في شركة "النايل سات" و"مدينة الإنتاج الإعلامي" والقول بأنها ستنفق على تطوير الشاشة هو كلام ينطوي على تفاؤل مفرط ولا يستند إلى خطط إنتاجية واقعية لمؤسسة بحجم ماسبيرو، مؤكدًا أن المديونية ليست هي العائق الوحيد أمام انطلاقه، وأن التركيز عليها وتسليط الأضواء نحوها كسبب رئيسي للتعثر يعد تشخيصًا غير دقيق للأزمة.
 

 الإعلام المصرى بحاجة لقرار سياسى شجاع يرفع سقف الحرية
 

وأوضح “علي” أن ماسبيرو والإعلام المصري بوجه عام يعانيان من قوانين وتشريعات معطلة، إلى جانب سياسات تتبعها الهيئة الوطنية للإعلام تستوجب التغيير الشامل لتبني رؤية جديدة تتجه بالدولة نحو "إعلام المعرفة" بدلًا من "إعلام الحشد والتعبئة"، مضيفًا أنه كما وجد قرار سياسي شجاع لإجراء التسوية وتنازل بنك الاستثمار القومي عن جزء من الفوائد مقابل الاستحواذ على الأصول والأراضي، فإن الإعلام المصري بحاجة ماسة إلى قرار سياسي شجاع يرفع سقف الحرية ويفرج عن قانون تداول المعلومات شبه الجاهز ليخرج إلى النور، مؤكدًا أنه لا يمكن لأي صحفي أو مذيع أو مؤسسة إعلامية العمل بكفاءة دون صدور هذا القانون.


وحذر أستاذ الإعلام من استمرار وجود أكثر من 35 قناة و20 محطة إذاعية بماسبيرو، مشيرًا إلى أن العمالة الضخمة التي ما زالت موجودة بالمؤسسة رغم انخفاض أعدادها قد تلتهم أي عوائد مالية متحصلة، مما يعطل وصول أي تمويل لصالح جودة الشاشة والبرامج، وأوضح أنه بحسب التجارب العالمية، فإن تسوية الديون تبدأ بإسقاط الفوائد بالكامل على أن يسدد أصل الدين فقط، وهو ما لم يحدث بشكل كامل مع الهيئة، مما يجعل الخطوة المنفذة جيدة لكنها غير كافية إطلاقًا لتقدم ماسبيرو وتطويره.
 

ماسبيرو بحاجة إلى جراحة هيكلية عاجلة
 

وشدد الدكتور حسن علي على أن  نهوض ماسبيرو يقتضي إجراء إعادة هيكلة شاملة وجراحة عاجلة للترهل في الهياكل البنيوية للهيئة الوطنية للإعلام، لاسيما وأن كثيرًا من القنوات والإذاعات المحلية لم تعد تحقق الهدف الأساسي منها ولا يراها أو يسمعها أحد، مما يتطلب إعادة تقييمها وتوظيفها في مجالات أخرى أو طرحها للبيع لرجال الأعمال، كما دعا إلى ضرورة استغلال الأرشيف الإذاعي الضخم لماسبيرو والذي يمثل ثروة تقدر بمليارات الجنيهات ولا يستفاد منها، فضلًا عن اقتراح تخصيص شركة من شركات ماسبيرو للإعلانات تمنح حصة من إعلانات الطرق والكباري، مما يدر دخلًا وفيرًا يعزز موارد المؤسسة ويخفف العبء المالي عن كاهل الدولة.
 

بيع أصول “ماسبيرو” التاريخية سلب للمستقبل
 

وانتقد الدكتور سامي الشريف، وزير الإعلام الأسبق ورئيس اتحاد الإذاعة والتليفزيون السابق، غموض التفاصيل المحيطة باتفاق تسوية ديون "ماسبيرو" البالغة 88.3 مليار جنيه لصالح بنك الاستثمار القومي، مشيرًا إلى أن ما نشر في الصحافة وعلى وسائل التواصل الاجتماعي لا يوضح بشكل دقيق الآلية التي سيتدبرها التليفزيون المصري لتصفية هذه الديون والمقابل التفصيلي الذي سيدفعه، وتساءل الشريف عن الجدوى من بيع الأصول المملوكة للمؤسسة من أراضٍ ومبانٍ سكنية تابعة للإذاعات والقنوات بمختلف المحافظات، معربًا عن تخوفه الشديد مما سيبقى لدى ماسبيرو ليتمكن من تأدية دوره الإعلامي كصوت يعبر عن الدولة المصرية.


وأوضح الشريف أنه طوال السنوات الماضية لم يكن ماسبيرو يسدد ديون بنك الاستثمار القومي مع استمرار الأزمة المالية وتراكم الفوائد، غير أن العائق الحقيقي كان يتجسد في غياب التمويل اللازم للإنتاج الإذاعي والتليفزيوني الجديد والمشاركة في الأعمال الدرامية، وأكد أن قرار رئيس الوزراء بتسوية الملف يعد خطوة ممتازة يحسب للحكومة اتخاذها وكان يسعى إليها الجميع منذ سنوات، إلا أن علامات الاستفهام تظل قائمة حول مدى خطورة التخلص من الأصول المتبقية التي كانت تمثل استثمارًا مستقبليًا للهيئة.
 

كان من الأجدر إعفاء ماسبيرو تمامًا من الديون
 

وأشار وزير الإعلام الأسبق إلى أن بنك الاستثمار القومي مؤسسة مملوكة للدولة، وكان الأجدر بها إعفاء ماسبيرو تمامًا من أصل الديون أو على الأقل إلغاء فوائدها المركبة، مع ترك الأصول تحت تصرف المؤسسة لبيعها أو استثمارها في تطوير المنتج الإعلامي، وتحسين أوضاع العاملين، وسداد المستحقات المتأخرة لأصحاب المعاشات الذين خرجوا من الخدمة، بدلًا من تسوية الديون عبر تصفية أصول تاريخية يقتصر أثرها على إسقاط الرقم دون تقديم تمويل مباشر للتطوير.
 

 يجب دمج القنوات والاكتفاء بـ 3 قنوات رئيسية فقط
 

وعن رؤيته لعودة التليفزيون المصري لمكانته، استعرض الشريف حلولًا هيكلية، مؤكدًا أنه لا توجد حاجة للاحتفاظ بكل هذه القنوات التليفزيونية، في حين تكتفي دولة بحجم الولايات المتحدة الأمريكية بأربع شبكات فيدرالية رئيسية، ودعا إلى اختصار هذا العدد الكبير عبر دمج أو إلغاء القنوات للوصول إلى ثلاث قنوات أساسية فقط، وطرح باقي القنوات للقطاع الخاص، أو إدارتها بالشراكة، أو تمليكها للعاملين في ماسبيرو على شكل أسهم.
 

 35 إذاعة موجهة لا يستمع لها أحد
 

كما انتقد الشريف التضخم الهيكلي في الشبكات الإذاعية التي تضم شبكة الإذاعات الموجهة بواقع 35 إذاعة تبث بلغات متعددة مثل الإنجليزية والفرنسية والكردية والهندية والفارسية، مشيرًا إلى أن بعضها لا يحظى بمتابعة تذكر على مستوى العالم رغم ما يخصص لها من ميزانيات وترقيات وهياكل إدارية كاملة، مطالبًا بإعادة النظر في المنظومة الإذاعية برمتها، والاكتفاء بالإذاعات الرئيسية كـ "البرنامج العام"، و"إذاعة القرآن الكريم"، وإذاعة إخبارية، مع نقل ملكية بقية الشبكات للقطاع الخاص أو مشاركته فيها.


وفيما يتعلق بالعمالة الفائضة الناتجة عن عمليات الدمج والهيكلة، شدد الشريف على رفضه القاطع لتسريح الموظفين أو قطع أرزاقهم، موضحًا أن الحل يكمن في إعادة التأهيل والتدريب، ونقل العاملين إلى المحافظات أو الوزارات والمؤسسات الحكومية الأخرى التي تحتاج إلى هذه الكوادر، مؤكدًا أن الإبقاء على الوضع الراهن يمثل تغطية على المشكلة دون علاج جوهر المرض الهيكلي الذي يعاني منه ماسبيرو.


وأعرب الشريف عن تضامنه مع رئيس الهيئة الوطنية للإعلام الحالي الكاتب أحمد المسلماني، موضحًا أنه لا يتحمل مسؤولية الأزمة الحالية لكون الأمر يتجاوز الصلاحيات الفردية، ومؤكدًا أنه يعلم صعوبة موقع المسؤولية من واقع تجربته السابقة، مشيدًا بجهود المسلماني ومحاولاته الجادة لتحريك المياه الراكدة، وعقد اجتماعات مع القيادة السياسية ورئيس الوزراء ووزير المالية لضخ أموال في الميزانية وتحريك ملفي الديون والمعاشات.
 

عودة الإنتاج هو المفتاح لعودة ماسبيرو لعصره الذهبى
 

واختتم الشريف حديثه بالإشارة إلى أن الملف الأكثر أهمية على طاولة إدارات ماسبيرو هو استعادة غزارة الإنتاج الدرامي والبرامجي، والعودة إلى العصر الذهبي للبرامج والمسلسلات اليومية التي كانت تعرض على الإذاعة والتليفزيون ويقوم ببطولتها كبار النجوم، وتشكل أحد أعمق أشكال التأثير الثقافي في العالم العربي، مؤكدًا أن تحويل ماسبيرو إلى منافس قوي إقليميًا يستلزم توفير إمكانيات مالية ضخمة، وأفكار جديدة، ورؤى تصنعها كوادر إعلامية مؤهلة، وهو ما يصعب تحقيقه في ظل انعدام الموارد المخصصة للإنتاج.

نقلا عن العدد الورقي