أموال بالدولار وأراضٍ لا تكفي الجميع
"بيت الوطن" في مأزق، 16 ألف مغترب أمام 2000 قطعة أرض فقط
تتجدد مطالب عدد كبير من المصريين بالخارج المشاركين في مشروع «بيت الوطن»، مع تصاعد شكاوى بشأن محدودية الأراضي المميزة المطروحة مقارنة بأعداد الراغبين في الحصول عليها، في وقت يؤكد فيه مغتربون أنهم حولوا إلى مصر مبالغ تتجاوز المليار وربع المليار دولار أملًا في الحصول على قطع أراضٍ مميزة داخل مناطق عمرانية مكتملة وقابلة للسكن.
وبحسب مطالب مجموعة من المصريين بالخارج، فإن عدد الراغبين في الحصول على الأراضي يقترب من 16 ألف مغترب، بينما تشير المعلومات المتداولة بينهم إلى أن عدد قطع الأراضي المميزة المتاحة لا يتجاوز نحو 2000 قطعة، وهو ما يفتح فجوة كبيرة بين حجم الطلب وما هو مطروح فعليًا.
وتعني هذه الأرقام، وفقًا لتقديرات أصحاب المطالب، أن آلاف الأسر التي قامت بتحويل أموالها بالفعل إلى مصر قد تجد نفسها أمام خيارات محدودة لا تتناسب مع احتياجاتها أو مع الهدف الذي من أجله شاركت في المشروع.
«بيت الوطن».. مشروع يتجاوز فكرة بيع الأرض
لم يعد مشروع «بيت الوطن» بالنسبة للمصريين بالخارج مجرد طرح لقطع أراضٍ، وإنما تحول على مدار سنوات إلى إحدى القنوات التي تربط المصريين المقيمين خارج البلاد بالاقتصاد والعمران داخل مصر.
فالمغترب الذي يحول مدخراته بالدولار لشراء أرض في مصر لا يبحث فقط عن الاستثمار، وإنما يسعى في كثير من الحالات إلى تأمين مسكن لأسرته أو بناء منزل يعود إليه مستقبلًا، ولذلك فإن الموقع يمثل عنصرًا أساسيًا في قرار الشراء.
ومن هنا تأتي أهمية مطلب توفير أراضٍ داخل مناطق عمرانية قائمة أو قريبة من الخدمات، بدلًا من اقتصار الخيارات على الأراضي التي قد تحتاج إلى سنوات حتى تتحول إلى مناطق سكنية مكتملة.
التجمع والشيخ زايد و6 أكتوبر.. طلب على المناطق الجاهزة
ويركز أصحاب المطالب على ضرورة زيادة المعروض من الأراضي المميزة في المناطق التي تتمتع بالفعل بمقومات عمرانية وخدمية، وعلى رأسها القاهرة الجديدة والتجمع، والشيخ زايد، و6 أكتوبر، والعبور، و15 مايو، والمنصورة الجديدة، ودمياط الجديدة، وغرب سوميد والمناطق السياحية وغيرها من المناطق التي يرون أنها تلبي احتياجات الأسر المصرية بالخارج.
والفكرة هنا لا تتعلق فقط بزيادة عدد قطع الأراضي، وإنما بإعادة النظر في خريطة الطروحات بحيث تتناسب مع طبيعة الطلب.
فالمغترب الذي جمع مدخراته على مدار سنوات ويريد شراء قطعة أرض في مصر قد لا يكون مستعدًا بالضرورة للحصول على أرض في منطقة بعيدة عن الكتلة العمرانية أو تفتقر إلى الخدمات الأساسية، خاصة إذا كان هدفه النهائي هو العودة والاستقرار وبناء منزل.
2000 قطعة أمام 16 ألف راغب.. فجوة تحتاج إلى حل
الفارق بين عدد الراغبين في الحصول على الأراضي وعدد القطع المميزة المتاحة – بحسب ما يطرحه أصحاب المطالب يضع الجهات المسؤولة أمام تحدٍ حقيقي.
فإذا كان نحو 16 ألف مغترب قد أبدوا رغبتهم في الحصول على الأراضي، بينما المتاح نحو 2000 قطعة فقط، فإن آلاف المتقدمين سيكونون خارج دائرة الاختيار، رغم أن جانبًا كبيرًا منهم يقول إنه قام بالفعل بتحويل أمواله إلى مصر.
وهنا لا يتعلق الأمر فقط بأولوية شخص في الحصول على قطعة أرض، وإنما بإدارة توقعات شريحة كبيرة من المصريين بالخارج، وضمان ألا تتحول محدودية المعروض إلى حالة من الإحباط لدى من كانوا ينظرون إلى «بيت الوطن» باعتباره وسيلة آمنة لاستثمار مدخراتهم في بلدهم.
أكثر من مليار دولار.. قوة شرائية تبحث عن الأرض
الرقم الذي يطرحه أصحاب المطالب بشأن تحويلات تتجاوز 1.25 مليار دولار يكشف أيضًا عن حجم القوة الشرائية الموجودة لدى المصريين بالخارج، والتي يمكن توجيهها إلى الاستثمار العقاري والعمراني داخل مصر.
فالأموال التي تدخل عبر شراء الأراضي لا تتوقف آثارها الاقتصادية عند ثمن قطعة الأرض، وإنما تمتد لاحقًا إلى أعمال البناء والتشطيبات والتصميمات والمقاولات وشراء مواد البناء والأثاث والخدمات المرتبطة بها.
وبالتالي، فإن زيادة المعروض من الأراضي المناسبة لا يمكن النظر إليها باعتبارها مجرد استجابة لمطلب فئة من المواطنين، وإنما باعتبارها فرصة لتعظيم الاستفادة من مدخرات المصريين بالخارج وتحويلها إلى نشاط اقتصادي وعمراني داخل الدولة.
مطالب بتوسيع الطرح بدلًا من ترك الأموال تبحث عن بدائل
المصريون بالخارج الذين طرحوا هذه المطالب يرون أن الحل لا يكمن في تقليص أعداد المستفيدين، وإنما في زيادة الأراضي المميزة المتاحة بما يتناسب مع حجم الإقبال، مع التوسع في الطروحات داخل المدن والمناطق التي تتمتع بجاذبية عمرانية حقيقية.
كما أن زيادة المعروض يمكن أن تمنح الجهات المسؤولة مساحة أكبر لتنظيم عملية الاختيار والتخصيص، وتقلل من الفجوة بين الطلب والعرض، بدلًا من خلق منافسة شديدة على عدد محدود من القطع.
والأهم أن هذا التوسع يمكن أن يتم وفق رؤية عمرانية تضمن عدم الإضرار بالتخطيط العام للمدن الجديدة، وفي الوقت نفسه تستفيد من الطلب القوي على الأراضي من جانب المصريين بالخارج.
رسالة إلى الدولة.. «أموالنا موجودة ونريد الاستثمار في مصر»
الرسالة الأساسية التي يوجهها أصحاب المطالب إلى وزارة الإسكان ورئاسة مجلس الوزراء ووزارة الخارجية وقطاع الهجرة وشؤون المصريين بالخارج، هي أن هناك شريحة واسعة من المصريين بالخارج لديها الرغبة والقدرة المالية على الاستثمار في مصر، لكنها تحتاج إلى منتجات عقارية وأراضٍ تتناسب مع احتياجاتها.
فالمغترب لا يطلب فقط قطعة أرض، وإنما يبحث عن موقع مميز، ومجتمع عمراني مكتمل، وخدمات حقيقية، وفرصة يمكن تحويلها إلى منزل أو استثمار مستدام.وهنا يمكن أن يتحول «بيت الوطن» إلى
أكثر من مشروع لطرح الأراضي؛ ليصبح منصة مستدامة لجذب مدخرات المصريين بالخارج إلى السوق المصرية، خصوصًا مع تزايد اهتمام الدولة بتعظيم مواردها من النقد الأجنبي ودعم الاستثمار العقاري.