يستخدمها المطورون للتهرب من الغرامات، ثغرات قانونية تحمي شركات العقارات من عقوبة تأخر تسليم المشروعات
في الوقت الذي تتجه فيه الدولة إلى التشديد على سرعة إنجاز المشروعات العقارية والالتزام بالجداول الزمنية، تظل هناك زاوية قانونية داخل العلاقة بين المطور والمشتري تستحق التوقف أمامها، فماذا يحدث عندما يتأخر المطور في تسليم الوحدة؟ وهل تكون العقوبة التي يتحملها متناسبة فعلًا مع حجم التأخير، أم أن بعض العقود تمنحه مساحة زمنية واسعة قبل أن يبدأ أي أثر مالي أو قانوني حقيقي؟
مماطلة شركات التطوير في تسليم المشروعات
السؤال هنا لا يتعلق باتهام جميع شركات التطوير العقاري بالمماطلة، ولا يعني أن كل عقد يتضمن شروطًا مجحفة، لكنه يكشف عن مشكلة في بعض الصيغ التعاقدية التي قد تجعل تكلفة التأخير على المطور محدودة، في الوقت الذي تكون فيه تكلفة التأخير على المشتري واضحة ومباشرة.
وتزداد أهمية هذا الملف مع تأكيد الرئيس عبد الفتاح السيسي منذ أيام على ضرورة وضع جداول زمنية محددة لإنهاء المشروعات الجاري تنفيذها في قطاعات الإسكان والمرافق ومياه الشرب، مع أهمية المتابعة المستمرة والدقيقة لمعدلات التنفيذ وتذليل العقبات أمام الاستثمارات المستهدفة.
النظر للجدول الزمني باعتباره برنامج تفصيل إداريا
وهذه التوجيهات تعكس بوضوح أن الدولة لا تنظر إلى الجدول الزمني باعتباره مجرد تفصيل إداري، وإنما باعتباره عنصرًا أساسيًا في نجاح المشروعات وتحقيق أهداف التنمية، لكن المشكلة تظهر عندما تكون هناك فجوة بين هذا التوجه العام نحو سرعة الإنجاز وبين بعض العقود الخاصة التي تسمح بفترات سماح طويلة أو تحد من قيمة التعويض المستحق للمشتري عند التأخير.
المشكلة تبدأ من الطريقة التي يتم بها توزيع مخاطر التأخير داخل العقد، ففي بعض العقود العقارية، نجد أن المشتري إذا تأخر عن سداد أحد الأقساط قد يواجه غرامة تأخير، أو ترتيبات مالية إضافية، وقد تترتب على التأخر المتكرر آثار أكثر شدة بحسب نصوص العقد.
في المقابل، قد يتضمن العقد مدة سماح للمطور قبل اعتبار التأخير قائمًا، وقد تكون هناك حدود معينة للتعويض أو شروط تجعل حصول المشتري على تعويض فعلي أكثر تعقيدًا. وهنا يظهر السؤال الجوهري: هل الجزاء المفروض على الطرفين متوازن؟ وهل يدفع كل طرف ثمن إخلاله بالالتزام بالقدر نفسه؟
القانون المدني المصري والنظر في عقود الإذعان
القانون المدني المصري لا يترك هذه المسألة بالكامل لإرادة الطرف الأقوى في العقد فالمادة 148 تنص على أن العقد يجب أن ينفذ طبقًا لما اشتمل عليه وبطريقة تتفق مع ما يوجبه حسن النية، كما أن المادة 149 تمنح القاضي، في عقود الإذعان التي تتضمن شروطًا تعسفية، سلطة تعديل الشرط أو إعفاء الطرف المذعن منه وفقًا لما تقتضيه العدالة، وهذه النصوص مهمة لأنها تعني أن توقيع المشتري على العقد لا يحسم وحده كل نزاع محتمل حول عدالة الشروط، خصوصًا إذا كان الأمر يتعلق بشرط يمكن أن يكون تعسفيًا أو يخل بصورة واضحة بالتوازن بين حقوق والتزامات الطرفين.
المشكلة الحقيقية تظهر عندما تتحول هذه المساحة التعاقدية إلى وسيلة لتخفيف المسؤولية عن التأخير بصورة تجعل الجدول الزمني المعلن للمشروع أقل إلزامًا من الناحية العملية، فإذا كان العقد يمنح المطور فترة إضافية طويلة، ثم يضع سقفًا محدودًا للتعويض، فقد لا يكون هناك حافز اقتصادي كافٍ لدى الشركة لإنهاء المشروع في الموعد الأصلي، خصوصًا إذا كانت تكلفة التأخير بالنسبة لها أقل من تكلفة الإسراع في التنفيذ. وهنا يتحول بند يبدو في ظاهره مجرد تنظيم للتأخير إلى عنصر يمكن أن يؤثر في سلوك الأطراف وفي جدية الالتزام بالموعد المتفق عليه.
هذه من أكثر النقاط التي تحتاج إلى تدقيق، ارتفاع تكاليف البناء أو تغير سعر الصرف لا يعني تلقائيًا أن المطور أصبح معفيًا من التزامه بالتسليم، القانون المدني يميز بين استحالة تنفيذ الالتزام بسبب قوة قاهرة وبين الظروف الاستثنائية التي تجعل تنفيذ الالتزام مرهقًا بصورة تهدد بخسارة فادحة؛ وفي الحالة الثانية لا يكون الأمر إلغاءً تلقائيًا للالتزام، وإنما توجد للقاضي سلطة رد الالتزام المرهق إلى الحد المعقول وفقًا للضوابط القانونية. وبالتالي لا يكفي أن تقول الشركة إن التكلفة ارتفعت أو أن السوق تعرض لصدمة اقتصادية حتى يصبح التأخير مبررًا بشكل تلقائي، بل يجب النظر إلى طبيعة الظروف وتأثيرها الفعلي على الالتزام ومدى انطباق القواعد القانونية عليها.
وهنا تظهر مفارقة تستحق النقاش، إذا كانت الظروف الاقتصادية قد أصبحت من القوة بحيث يستند إليها المطور للمطالبة بتعديل التزامه أو تبرير التأخير، فهل يجب في المقابل تجاهل الظروف التي يتحملها المشتري؟ ماذا يحدث إذا ظل المشتري مطالبًا بسداد أقساطه في مواعيدها، بينما لم يعد المطور ملزمًا عمليًا بالجدول الزمني نفسه؟ هذه ليست دعوة للمشتري إلى التوقف عن سداد الأقساط من تلقاء نفسه، لأن ذلك قد يضعه هو في موقف تعاقدي وقانوني صعب، وإنما هي دعوة إلى فحص مدى التوازن بين الالتزامات والجزاءات الموجودة في العقد.