مرضى غزة يواجهون الموت البطيء.. نقص العلاج يحاصر المصابين بالسرطان والفشل الكلوي.. مجلة "972+": 60% تراجعا في إمدادات العلاج الكيميائي و11 ألفا يتعايشون مع الأورام
على مدار أربعة أيام في الأسبوع، يقطع الطفل الفلسطيني إبراهيم عبد الله، البالغ من العمر 5 سنوات، مسافة ثلاثة كيلومترات من خيمة عائلته في منطقة المواصي إلى مستشفى ناصر في خان يونس، حيث يقضي حوالي أربع ساعات موصولا بجهاز غسيل الكلى!
إبراهيم هو أصغر مريض يخضع لغسيل الكلى في غزة، وتضطره ظروف الحصار الإسرائيلي إلى استخدام عربات تجرها حمير للوصول إلى المستشفى، بتكلفة تبلغ نحو خمسة أضعاف ما كانت عليه قبل حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة في 7 أكتوبر 2023.
يغادر إبراهيم الخيمة حوالي الساعة السابعة صباحا بصحبة أحد والديه، ويعود إليها في الخامسة مساء، ونادرا ما يحصل على وجبة خفيفة طوال تلك الساعات. لكن رحلة العناء تلك ليست نهاية المأساة؛ فقبل بضعة أسابيع، أصيب إبراهيم بنزيف في المخ نتيجة ارتفاع ضغط الدم، مما أدى إلى شلل في الجانب الأيسر من جسده؛ وبات يحتاج إلى تأهيل عصبي إلى جانب جلسات غسيل الكلى وعمليات نقل الدم الدورية، فضلا عن الاعتماد على كرسي متحرك للانتقال من مكان إلى آخر، بحسب تحقيق نشرته مجلة "972+" الإسرائيلية، ذات التوجهات اليسارية.

تشير المجلة إلى أن إبراهيم ليس وحده الذي ينتظر الموت البطيء في غزة، حيث لم يعد حصول الأشخاص الذين تعتمد حياتهم على رعاية طبية مستمرة على العلاج الروتيني مضمونا في ظل الحصار الإسرائيلي الخانق؛ حيث تعطلت جلسات غسيل الكلى المنتظمة بسبب نقص الأدوية والمعدات والمياه النظيفة والغذاء الكافي، كما يواجه مرضى السرطان صعوبات كبيرة في الحصول على العلاج الكيميائي وغيره؛ فالمستشفيات دمرت، والأدوية والمستلزمات الطبية نفدت، وحلم الوصول إلى إحدى المرافق الطبية القليلة التي ما تزال تعمل يشكل محنة شاقة.
وفي قلب المأساة، تنضم شقية إبراهيم، البالغة من العمر 9 سنوات، إلى رحلة المرض ذاته؛ حيث يقول رئيس قسم أمراض الكلى في مستشفى الرنتيسي لمجلة "972+": تحتاج نعيمة إلى غسيل الكلى رغم محاولاتنا تأجيل البدء في ذلك لأطول فترة ممكنة في ظل ترشيد الإمدادات الطبية المحدودة وإعطاء الأولوية للحالات الأكثر إلحاحا. وفي نهاية المطاف، سيحتاج الشقيقان إلى عمليات زراعة كلى.
في انتظار الموت البطيء
عندما التقت مجلة "+972" لأول مرة بالفلسطيني باسل الدحدوح (47 عاما) قبل ثلاثة أشهر، كان ابنه أسامة قد دفعه على كرسي متحرك لمسافة ثلاثة كيلومترات، عبر شوارع تغطيها الأنقاض والرمال، من خيمة العائلة في شارع الشهداء بوسط مدينة غزة إلى مجمع الشفاء الطبي. وهناك، كان باسل ينتظر لساعات للحصول على جلسة غسيل الكلى.
يقول باسل: "الحقن اللازمة لرفع مستويات الهيموجلوبين في دمي مفقودة. وحتى إن عثرت عليها، فإن تكلفتها تبلغ 700 شيكل (234 دولارا) بدلا من 40 شيكلا (13 دولارا؛ وحتى فيتامينات الكالسيوم م تعد متوفرة في المستشفى.

لقد تركت سنوات المرض، التي تفاقمت حدتها بسبب المجاعة والنزوح وظروف المعيشة القاسية، آثارا واضحة على جسده؛ كما تسبب نزيف في الشبكية في إلحاق ضرر جسيم ببصرهـ ليصبح رهين كرسيه المتحرك، وشبه محرم من نعمة البصر.
يتذكر باسل تلك اللحظة التي داهمت فيها قوات الاحتلال الإسرائيلي مجمع الشفاء الطبي في نوفمبر 2023، قائلا: ضربونا وبدأوا يطرحون أسئلة مثل: "أخبرنا بمكان الرهائن وسننقلكم إلى إسرائيل لتلقي العلاج". بالكاد أستطيع الرؤية أو المشي؛ فكيف لي أن أعرف ذلك؟! لقد قطعوا الكهرباء ومنعوا الغذاء، ولم أتمكن من تلقي علاج غسيل الكلى لأسابيع.. أكثر من 15 كيلو جراما من السوائل احتبست في جسدي؛ توسلت إليهم أن يطلقوا النار عليَّ؛ فلم أعد أحتمل المعاناة؛ وفي نهاية المطاف، نقلتني اللجنة الدولية للصليب الأحمر إلى مستشفى شهداء الأقصى في دير البلح، حيث استأنفت جلسات غسيل الكلى.
الانهيار الاقتصادي في غزة يزيد أعباء المرضى
ويقول قاسم، شقيق باسل، لمجلة "+972": الأطباء حذروا من أن مخزون المستشفى من مادة "البيكربونات" - وهي مكون أساسي لسائل غسيل الكلى- قد ينفد قبل نهاية الشهر؛ وجرى تقليص عدد جلسات غسيل الكلى التي يحصل عليها أخي إلى جلستين فقط؛ وهو أمر لا يكفي لتخليص دمه من السموم أو ضبط مستويات الماء والأملاح في جسمه، أو ضبط مستويات السكر المرتفعة في دمه.
توقفت كلمات قاسم، لكن الحصار الإسرائيلي لقطاع غزة لم يتوقف، مثلما لم تقف آلامه إلى خط النهاية، فقد أصيب بـ"غرغرينا سكرية"، واضطر الأطباء إلى بتر أصابع قدمه واحدا تلو الآخر، قبل يخلصوا في النهاية إلى ضرورة بتر ساقه من أسفل الركبة.

على غرار جميع مرضى غسيل الكلى، يحتاج باسل أيضا إلى نظام غذائي دقيق ومنضبط، يفرض قيودا على تناول البوتاسيوم والفوسفور والصوديوم والسوائل، فضلا عن حاجته الماسة للحصول على مياه شرب نظيفة وموثوقة.
وبالنسبة لعائلة نازحة تعاني من نقص الغذاء والانهيار الاقتصادي في غزة، فإن تلبية هذه المتطلبات تبدو شبه مستحيلة، بحسب مجلة "+972".
ويقول قاسم: حياتنا في غزة ليست سوى ألم ومعاناة. نحن نحب الحياة ونريد أن نعيش بكرامة. حتى الحيوانات خارج غزة تعيش حياة أفضل منا. نحن مرضى، ونموت ببطء.
سرطان ينهش أجساد المرضى
لا يقتصر الأمر على مرضى غسيل الكلى؛ فمرضى السرطان في غزة يواجهون الانهيار ذاته في منظومة الرعاية الطبية المستمرة، وسط نقص حاد في أدوية العلاج الكيميائي ومسكنات الألم وغيرها من العلاجات الأساسية.
تعاني الفلسطينية ميساء عليوة، البالغة من العمر 39 عاما، من سرطان متقدم بدأ في الفك العلوي وانتشر لاحقا إلى الثدي الأيمن والرئتين؛ إذ وصل حجم أحد الأورام في رئتيها إلى 18 سنتيمترا؛ وتقيم حاليا في خيمة بالقرب من الساحل غرب مدينة غزة، بعد أن دمرت غارة جوية إسرائيلية منزلها في حي الشجاعية في نوفمبر 2024، مما أسفر عن مقتل زوجها وابنها و28 آخرين من أقاربها.
تلقت ميساء حتى الآن ثلاث جلسات للعلاج الكيميائي في مستشفى الشفاء، لكنها لم تتلق أي جرعة منذ 14 يوليو الماضي؛ وتقول ميساء لمجلة "+972": "أخبرني الأطباء بعدم توفر أدوية العلاج الكيميائي بسبب القيود المفروضة على الحدود، وقالوا لي إنني أحتاج إلى حقن "حمض الزوليدرونيك" التي يبلغ ثمنها حوالي 800 دولار؛ وهو مبلغ يفوق قدرتي المالية بكثير. اضطرت ابنتي أروى، البالغة من العمر 18 عاما، إلى بيع أقراطها الذهبية أولا، ثم هاتفها، لتوفير ثمن الحقن. وفي أوقات أخرى، كانت العائلة تبيع مواد غذائية حصلت عليها من جمعيات خيرية أو أسطوانات غاز الطهي، أو تقترض المال من الأقارب والأصدقاء.
نقص بنسبة 60% في إمدادات العلاج الكيميائي
تضيف ميساء: قبل ستة أشهر، حصلت على تحويل طبي عاجل لمغادرة غزة؛ إذ أكد الأطباء حاجتي لإجراء جراحة لاستئصال أورام من الرئة اليمنى والثدي؛ لكنني ما زلت أنتظر. الاحتلال الإسرائيلي هو سبب كل معاناتن؛ لقد حرمنا من حقوقنا الأساسية ورفض السماح لنا بالعيش كبشر طبيعيين.

ويقول رئيس مركز علاج السرطان في مستشفى ناصر بغزة محمد أبو ندى لمجلة "+972": غزة تفتقر حاليا إلى خدمات حيوية لعلاج السرطان، بما في ذلك العلاج الإشعاعي والفحوصات التشخيصية المتقدمة. وهناك، والأدوية الداعمة، ومسكنات الألم.
ويتابع: نحو 11 ألف شخص في غزة يتعايشون حاليا مع مرض السرطان، مع تسجيل ما يقرب من 2000 حالة جديدة سنويا. وهناك حوالي 4000 مريض لديهم تحويلات عاجلة لتلقي العلاج في الخارج لكنهم عاجزون عن المغادرة. ويموت ثلاثة مرضى يوميا نتيجة عدم قدرتهم على تلقي العلاج الكيميائي أو السفر للخارج لتلقي العلاج. ويجب على الدول الفاعلة الضغط على إسرائيل للسماح بدخول الأدوية والمعدات التشخيصية دون قيود، بما في ذلك أجهزة تصوير الثدي بالأشعة السينية (الماموجرام)، وأجهزة الموجات فوق الصوتية، وأجهزة التصوير المقطعي المحوسب، وأنظمة التصوير بالرنين المغناطيسي؛ وكل يوم تأخير يكلف أهل غزة مزيدا من الأرواح.