المرأة السودانية.. مشعلات الثورة يواجهن الموت البطيء على يد مليشيات الدعم السريع.. أجساد بلا رعاية وأرواح تزهق في صمت الحمير.. والنقالات الخشبية للانتقال من حواف الجبال إلى مراكز الولادة
"دعونا نصلِّ أن يعين الرب أولئك الذين يعانون، وأن يهدي قلوب أولئك الذين يزرعون العنف، وأن يمنح السلام الذي طال انتظاره".. بتلك الكلمات خاطب بابا الفاتيكان ليو الرابع عشر العالم للبحث عن مخرج آمن لإنهاء الحرب السودانية، والتي بلغت منحنى ربما كان الأصعب، وخاصة بالنسبة للفئات الأكثر ضعفا، وفي القلب منها المرأة السودانية والتي كانت فاعلة في مشهد الثورة السودانية، حتى لقبها البعض بمشعلة الثورة، قبل أن تجد نفسها ضحية للمشهد ذاته.
وفي السياق، كشف تقرير نشرته منظمة الأمم المتحدة عبر موقعها على الإنترنت، أن النساء السودانيات الحوامل يواجهن مخاطر هائلة بفقدان مواليدهن أثناء الولادة، وأحيانا حياتهن بسبب نقص الرعاية الطبية المتخصصة، في ظل استمرار الحرب منذ أبريل 2023 وتصاعد الاحتياجات الإنسانية.
فبين ركام الحرب وطرقات النزوح، تدفع المرأة السودانية ثمنا يفوق قدرتها على الاحتمال؛ تحمل جنينها بحثا عن مستشفى، وتسير ساعات طويلة طلبا للرعاية، وتواجه مخاطر العنف والاستغلال في رحلة يفترض أن تقودها إلى الأمان. ومع كل امرأة تفقد حياتها أو طفلها، وكل ناجية تحمل جرحا لا تراه العيون، تتكشف الكلفة الإنسانية لحرب لم تترك للنساء سوى خيارات مؤلمة بين الموت والنزوح والخوف.
وبحسب التقرير الذي أصدره صندوق الأمم المتحدة للسكان، المعني بالصحة الإنجابية، والذي سلط فيه الضوء على الاحتياجات العاجلة للنساء الحوامل في بلدة قولو- في وسط دارفور، فإن تلك البلدة لا يوجد بها سوى مستشفى واحد فقط يمكن فيه إجراء عمليات التوليد القيصرية، ويعد المستشفى الوحيد في المنطقة المحيطة الممتدة لكيلومترات عديدة.
وتقول ممثلة صندوق الأمم المتحدة للسكان في السودان فابريتسيا فالتشيوني: إن معظم النساء يصلن إلى المستشفى من القرى الجبلية سيرا على الأقدام لعدة ساعات، أو على متن نقالات خشبية عبر الجبال أثناء المخاض بالفعل أو وهن يعانين من النزيف.
وأضافت: البعض يستطيع تحمل تكلفة دفع أجرة ركوب الحمير للوصول إلى المستشفى، لكن الكثيرات لا يستطعن ذلك، ليصلن عندما يكون الوقت قد فات بالنسبة لهن ولمواليدهن، فضلا عن نفاد الإمدادات، بما فيها أدوية التخدير.
بلدة طويلة.. احتياجات لا يمكن تصورها
والسيناريو ذاته يتكرر في مخيم النازحين في طويلة، الذي يبعد نحو 100 كيلو متر من قولو، عبر طرق جبلية؛ حيث يبلغ عدد سكان المخيم مئات الآلاف من الأشخاص الذين شردتهم الحرب جراء الانتهاكات المتواصلة من جانب ميليشيات الدعم السريع.
وتقول فالتشيوني: إن النساء يأتين من قولو إلى طويلة لإجراء عملية ولادة قيصرية عندما تكون حالتهن حرجة؛ وقد استغرق وصولنا إلى طويلة 9 ساعات بسيارة ذات دفع رباعي، ويمكنكم تخيل كم من الوقت ستستغرقه رحلة امرأة على ظهر حمار من قولو إلى طويلة. لذلك يقول لنا مقدمو الرعاية الصحية إن النساء يصلن إلى طويلة بعد فوات الأوان، وعندئذ لا يستطيعون فعل أي شيء لمساعدتهن فيفقدن حياتهن ومواليدهن.
شح في عقاقير وقف النزيف المميت
تواجه المرافق الطبية في طويلة وبأنحاء وسط وشمال دارفور شحا في عقار "الأوكسيتوسين" الذي يستخدم لوقف النزيف المميت أثناء الولادة.
وتقول فالتشيوني: “الوصول إلى مخيم طويلة للنازحين يضع المرء أمام صورة لا يمكن تخيله؛ إذ يمتد المخيم بأنحاء الصحراء على كل الاتجاهات، ولا يمكن رؤية بدايته أو نهايته، ويوجد به أكثر من 700 ألف شخص، وتصل عائلات جديدة كل يوم لتنصب خيامها المؤقتة”.
وبحسب الأمم المتحدة، يزداد الأمر صعوبة في ظل اعتماد النساء على القابلات المحليات، واللاتي يعانين من ظروف إنسانية صعبة، ويتلقين أجورهن على شكل سكر وصابون بدلا من المال، فضلا عن عدم توفر الأدوات اللازمة التي يجب عليهن استخدامها في عملية الولادة، بما في ذلك الكهرباء ذاتها، ما يجبرهن على استخدام ضوء الشموع أثناء عملية الولادة.

تصاعد العنف الجنسي
وسط رحلة النزوح بحثا عن الحياة، تواجه النازحات السودانيات كارثة أخرى، تتمثل في اتساع نطاق العنف الجنسي المرتبط بالحرب، بحسب تقرير لمكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان وثق خلاله 546 حادثة عنف جنسي في 16 ولاية من أصل 18 ولاية سودانية حتى منتصف أبريل عام 2026، طالت ما لا يقل عن 838 ضحية، غالبيتهم من النساء والفتيات.
وشكلت النساء 64% من الضحايا، مقابل 34% من الفتيات، فيما بلغت نسبة الرجال والفتيان 2% فقط. كما وثق التقرير وفاة ما لا يقل عن 13 ضحية من النساء والرجال والأطفال، غالبيتهم نتيجة اغتصاب جماعي وحشي، بينما كانت أصغر الضحايا بعمر 9 سنوات فقط، بحسب شبكة "سي إن إن" الإخبارية الأمريكية.
ولم تقتصر الانتهاكات على الاغتصاب، بل شملت أنماطا متعددة من العنف الجنسي، بينها الاغتصاب الجماعي، والعبودية الجنسية، والاختطاف المرتبط بالعنف الجنسي، على يد ميليشيات الدعم السريع.
وأشارت الأرقام إلى أن 51.3% من الحالات الموثقة كانت اغتصابا، و21.5% صنفت اغتصابا جماعيا، و17% كانت اختطافا مرتبطا بالعنف الجنسي، إضافة إلى 10% من حالات العبودية الجنسية.
كما سجل التقرير حمل أو إنجاب ما لا يقل عن 59 امرأة وفتاة بعد تعرضهن للاغتصاب، في ظل انهيار أو غياب المرافق الصحية القادرة على تقديم الرعاية للناجيات. وأكدت الأمم المتحدة أن هذه الانتهاكات استخدمت لترهيب المدنيين وتمزيق المجتمعات، وقد ترقى بعض الأفعال إلى جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية.
وفي تصريحات إعلامية، أكدت المديرة الإقليمية لشبكة نساء القرن الأفريقي (صيحة)، هالة الكارب أن إنهاء القتال يمثل مسألة مركزية في وقف العنف ضد النساء والفتيات، مشددة على ضرورة توفير الحماية للنساء، في ظل ارتفاع مستويات العنف ضد المرأة السودانية.
وقالت الكارب، في مقابلة مع راديو (دبنقا)، إن النساء السودانيات في مناطق الحرب يواجهن انتهاكات ومخاطر من بينها التنميط والتجريم والاعتقالات غير المبررة والاستغلال الجنسي والتحرش وزواج القاصرات.
نقلا عن العدد الورقي